جميع الأنشطة الموسيقية في العالم تعرّضت للإلغاء أو التأجيل، أو في أحسن الأحوال إلى تعديلات بنيوية في الشكل والمضمون. حتى تلك التي كان يمكن إقامتها بدون جمهور، كالمسابقات الكبيرة في العزف، مثل «مسابقة شوبان للبيانو» التي تُجرَى كل خمس سنوات في الخريف، وكان من المفترض أن تُقام هذه السنة، لكن تمّ إرجاؤها إلى خريف 2021. السبب المشترك بين الدول هو الواقع الصحّي الذي أخضَع الكرة الأرضية. لبنان يعاني من هذه الشدّة كغيره. لكن «الأعجوبة اللبنانية» كان لها لفتة خاصة في مئوية تأسيس هذا الكيان، فأضافت إلى المرض القاتل ــ في مناسبة الاحتفالات الكبرى بذكرى «الكبير» ـــ المفاجأة المالية على شكل إفلاس وقنبلة المفاجآت على شكل انفجار حطّم أرقاماً قياسية عالمية ورفع اسم لبنان عالياً، إذ بات خبراً أوّل بحجم ثلث نشرة (حوالى عشر دقائق) على «أورونيوز». وقد «أمتَعَ المنظّمون» الشعب لدرجة بات حريق هائل من هنا أو فيضانات جارفة من هناك، حادثة عَرَضية لا تستحقّ التوقّف عندها. ولمّا كان لكل مرحلة شعار، فشعارنا هو: يوحنا تراءى له الـ«أبوكاليبس»… نحن رأيناه.

في ظلّ هذه الغيمة السوداء، ألغيَت المهرجانات الصيفية السياحية. قبلها، تعطّل «مهرجان البستان» في منتصف دورته الممتازة التي خصصها لذكرى بيتهوفن (250 سنة على ولادته) بعدما وصل إجمالي الإصابات بكورونا في آذار (مارس) الماضي إلى أكثر من… ثلاثين! دارت الأيام ومرّت الأيام في انتظار لقاح لم يأتِ، فعاد الخريف ومعه اقترب موعد مهرجان «بيروت ترنّم» الذي يُقام من الأول من كانون الأول (ديسمبر) حتى الثالث والعشرين منه. وبما أن عدد الإصابات بلغ أكثر من ثلاثين بكثير، وبما أن، كذلك، الأوضاع الاقتصادية قضَت علينا وليس على «سلامة»، كان من المتوقّع والطبيعي أن يعلن المهرجان البيروتي تعليق أنشطته لهذا الموسم. فبين الحجْر وشحّ الدولار (وهو «عملة صعبة كتير» بحسب المحِقّ دوماً زياد الرحباني) بَدَت إقامة المهرجان مستحيلة وليس شبه ذلك. فحتى لو توافرت الإرادة والمال، سوف تصطدم إقامة «بيروت ترنّم» بالمانع القانوني الخاص بالجائحة… لكن الحجر انتهى أمس والمهرجان ينطلق الليلة! والأهم، قيل لنا إن الدورة ستكون مختصرة، فتوقّعنا أنها ستكون شكلية على أقصى تقدير، غير أن الإعلان عن البرنامج كان صادماً. إذ نحن أمام دورة جيدة في العموم وممتازة نظراً إلى شعار المرحلة الآنف ذكره. أما مجّانية الأمسيات، وهو الجانب الذي أصرّ عليه المنظّمون منذ الدورة الأولى، فلعب دوراً إيجابياً، إذ لن يؤثر عدد الحضارين، بعد اختصاره تطبيقاً للتباعد، على مردود المواعيد. هذه الحسابات غير مطروحة إلّا من ناحية السلامة العامة، وهذا ما سيطبّق من خلال حجز بطاقات محدودة العدد ومجانية ومتاحة للجميع، في حين يتولّى البث المباشر (صفحة المهرجان على فايسبوك) نقل الأمسيات لمن لم يُوَفَّق في حجز مقعده (يُفتح باب الحجز قبل ثلاثة أيام من كل حفلة). لكن اللافت، في المقابل، هو لائحة الرعاة (سبونسرز) التي طالما زخرت بالمصارف اللبنانية. فالراعي الأول للمهرجان تبدّل اسمه من SGBL إلى أنطون صحناوي! الأخير داعم كبير للفن ولو على حسابه الخاص. وحسابه الخاص يعني أموال الناس.
من بين هؤلاء الناس، رجل الأعمال الأردني طلال أبو غزالة (رفع أخيراً دعوى قضائية ضد صحناوي ومصرفه)، وهو معروف جداً بدعمه للفن والثقافة من خلال مؤسسته. وسريالية القدر أن ها هي أمواله تُصرَف للغرض ذاته، لكن باسم سارقه! أما المصارف السبعة التي رعت الدورة الماضية على سبيل المثال، فقد غابت كلّها باستثناء واحد (قد لا تتعدى رعايته مسألة تسهيل بعض السحوبات). إلى جانب المراكز الثقافية (الإيطالي، الفرنسي، البرازيل والسويسري) ووزارة الثقافة والكونسرفتوار وبعض المؤسسات الخاصة مثل Boecker (مصائبُ كوكبٍ عند مؤسسةٍ فوائدُ)، تلقّى المهرجان دعماً هذه السنة (بحسب موقعه الرسمي على الإنترنت طبعاً) من أفراد أو مؤسسات تحمل اسم «كوبلات» (فلان وفلانة فاوندايشن)، من حقّنا أن نشك بأنهم ربّما كانوا (سؤال مشروع وليس اتهاماً) من الذين نعموا بتلك «التعليمة الذهبية» من سلامة أو صفير أو صحناوي أو باسيل أو عبجي أو قصّار أو خير الدين (كيف فينا نساعد؟) وغيرهم، قُبَيل انطلاق قطار الشعب إلى جهنّم. هذا يجعل الاستمتاع بالأمسيات صعباً.

أمسيتان توجّهان تحية إلى شهداء المرفأ وأرمينيا


كيف لنا أن نفرح بلحظات مُوِّلَت من عرق جبين وسنوات عمر أهالينا الذين تبهدلوا وصبروا كي لا ينهكوا أولادهم في سنوات العمر الأخيرة؟ لعنة الأوادم ستلاحقكم ما حييتم يا وحوش… فلولا احترامنا للمنظمين وتقديرنا لجهودهم (من بينها «إنقاذ» بعض ما سرقتم، لتأمين قليل من الفرح المجاني للناس في الأعياد) ولولا الموسيقيون الذين نريد لهم الاستمرار ويشرّفنا دعمهم من خلال عدم مقاطعة ما ترعونه لكي تبيّضوا ضمائركم، لكنّا نزلنا وعطّلنا الأمسيات بالقوة.
بعيداً عمّا سبق ولم يكن بالإمكان تجاهله، يهدينا «بيروت ترنّم» في دورته الـ13 حدثاً عظيماً نسبةً لما هو ممكن. بين الأسماء المدعوّة من لبنان ومن أوروبا من جهة (راجع مختارات من البرنامج أسفل الصفحة)، وبرامج الأمسيات من جهة ثانية، مروحة واسعة تطال الكلاسيك (ليز دو لاسال، هنري دوماركيت، كزافيه دوميتر،…) والجاز (طارق يمني، ابراهيم معلوف) والإنشاد الغربي والشرقي (عبير نعمة، جاهدة وهبي، غادة شبير، ماتيو الخضر، عائلة طمب وبعض الجوقات المحلية) وهفوة… نقصد غي مانوكيان الذي طُرِد فؤاد السنيورة من حفلته السنة الماضية ضمن «بيروت ترنّم»، بينما كان من المستحب «طرده» هو أيضاً من الدورات اللاحقة. فوجوده يُضعف مستوى الحدث الفني مهما ظهر على أغلفة مجلات وهيّج جماهير ونطنط خلف البيانو. من جهة أخرى، جَرَت العادة أن يقدّم «بيروت ترنّم» أمسية أو أكثر يومياً بين 1 و23 كانون الأول، لكن الظروف فرضت هذه السنة بعض الليالي الشاغرة. هذه ليست نقطة ضعف إطلاقاً، أمام الاحتمال الذي كان متوقّعاً ومفهوماً… أي شغور الدورة برمّتها.

* «بيروت ترنّم» في عدة كنائس وكاتدرائيات في بيروت ــ تُبث الأمسيات بدءاً من اليوم حتى 23 كانون الأول (ديسمبر) على موقع المهرجان على فايسبوك (السادسة، السابعة أو الثامنة مساءً) ـــ beirutchants.com



أمسيات أساسية

عبد الرحمن الباشا
الليلة، كنيسة القديس يوسف في مونو



إنه الافتتاح القنبلة لمن يعشق شوبان ويعرفه بعمق. فعازف البيانو اللبناني الأغزر يعود إلى ريبرتوار قديم نسبياً من مسيرته ويؤدي فئتَين كاملتَين للمؤلف البولوني، أي الـ«بالاد» (عددها أربعة) والـ«سكيرزو» (عددها أيضاً أربعة)، وهي أعمال صعبة جداً، عميقة جداً، مهيبة وطويلة نسبةً لمعظم ما كتب مؤلفها. إنه حلم الكثيرين ممن يفضّلون هذه المقطوعات على غيرها من ريبرتوار شوبان أو حتى البيانو عموماً.

«القداس الجنائزي» لموزار
3/12 ـ كنيسة القديس يوسف في مونو



عادةً ما يحلّ عمل إنشادي في افتتاح «بيروت ترنّم»، ويكون احتفالياً ومناسباً للأعياد المقبلة. لكن الدم لا يزال على أرض، بالتالي ليس أجمل وأصدق وأعمق من «القداس الجنائزي»، الذي كتبه موزار على فراش الموت، ليرافق موتانا. يقود هذه الأعجوبة الموسيقية الأب توفيق معتوق (الصورة) الذي سبق أن قادها، في المكان ذاته في صيف 2018، والأمسية «تحية لشهداء انفجار بيروت»

Les cordes résonnantes
5/12 ــ كنيسة مار مارون في الجمّيزة



إن أردتم دعم التجارب المحلية الجدّية والجديدة والاستمتاع بأمسية ذات برنامج شديد السلاسة حتى لمن لا يهوى الموسيقى الكلاسيكية الغربية، فهذا هو الموعد المثالي لكم. إنها مجموعة من الموسيقيين الذين يقدّمون أعمالاً من عصر الباروك بقيادة جو ضو (الصورة)، وعلى برنامجهم: كوريلّي (الكونشرتو الشهير المعروف بعنوان «كونشرتو الميلاد») وهاندل وفيفالدي (من بينها تنويعاته الجميلة على لحن La Folia الشهير).

هنري دوماركيت
7/12 ـــ كنيسة مار مارون في الجمّيزة



ليست المرّة الأولى التي يزور فيها هنري دوماركيت (الصورة) لبنان عبر «بيروت ترنّم»، لكن هذه المرّة سيقدّم قمّة ما كُتِب لآلته. هكذا يؤدي عازف التشيلّو الفرنسي الشهير، الذي عمل مع فورنييه وتورتولييه ودرس مع جاندرون (ثلاثي أسطورة التشيلّو في فرنسا)، ثلاثاً من متتاليات التشيلّو الست التي خطّها ريشة المؤلف الألماني باخ (الأرقام 2 و4 و6).

ليز دو لاسال
13/12، كنيسة القديس يوسف في مونو



البيانو كان دائماً مكرّماً في «بيروت ترنّم». هذه السنة الحد الأدنى موجود وأكثر. إلى جانب الباشا، تأتي العازفة الفرنسية المكرّسة ليز دو لاسال (الصورة) التي سبق أن زارت لبنان في خريف 2018 (بدعوة من الجامعة الأنطونية). بعد باخ في المرة السابقة، تقدّم العازفة الرقيقة في أمسيتها المرتقبة برنامجاً منوّعاً يجمع بين الفرنسي والأميركي والسلافي (الروسي والمجري) اللاتيني الأميركي (الأرجنتين) ويغطي بشكل أساسي أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن الماضي.

تحية إلى أرمينيا
22/12 ــ كنيسة القديس نيشان قرب السرايا الحكومي



الهزيمة المدوية لأرمينيا في النزاع على إقليم قره باخ مع أذربيجان لم تتسبّب في انقسام مسيحي/شيعي إضافي عندنا، بل أتى أثرها حضارياً لحسن الحظ، من خلال أمسية تحمل عزاءً لأرمن لبنان. البرنامج كلاسيكي أرمني يؤدي فيه رباعي وتريات يجمع لبنانيّين (إيهاب جمال، كمان وجنى سمعان، تشيلّو) وأرمنيّين (ليليت أنطونيان، كمان وآنّا غيرغشيان، فيولا) أعمال لهوفونتس (رحل السنة الماضية) ولكبير الموسيقيين الأرمن، كوميداس (1869 — 1935).

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا