في حقل التّجارب، تجهل فئران المُختبر دورها. لا تعي أنّها في حقلٍ تجريبي لاختبار وظائف أو مُحفّزات لم يختبرها جنس الفئران من قبل. ولا داعي لأن تعي هذه الحقيقة، فعند كُلّ مفترق في هذه التّجربة، سيجد الفأر قطعةً من الجبنة تُلهيه عن هذا الواقع الهجين الذي بات هو نفسه جزءاً منه. لستُ من هواة الغوص في نظريّات المؤامرة لتفسير عثرات الجنس البشريّ، قد يكون ما حصل إلى الآن هو عمليّة انزلاق جماعيّ نحو أكبر تجربة اختباريّة للجنس البشري. دماغنا البشريّ الذي تطوّر ليسعى وراء رضا الجماعة لكي ينجو معها في الغابة ويتفادى أن يتمّ إقصاؤه فيموت وحيداً، يواجه للمرّة الأولى مجموعات افتراضيّة ضخمة من مختلف الجماعات والخلفيّات، محلّيّاً وعالمياً، ليُحاول كسب رضاها ونيل إعجابها، بسبب نفس الحافز البدائيّ (اللاواعي) لديه. فبعد أن كان الإنسان العاقل يسعى ليحوز إعجاب ورضا الجماعة المحدودة الّتي يُهاجر معها، ها هو اليوم يُصارع -عن لا وعي- ليرسم صورةً افتراضيّة عن نفسه ويسوّقها لتنال إعجاب جماعات افتراضيّة كبيرة ومتنوّعة.

لأوّل مرّةٍ أيضاً في تاريخنا البشريّ، تتلقّى قطعة اللحم هذه في جماجمنا، كُلّ هذا الكمّ من المعلومات، المُفيدة وغير المُفيدة والمُضرّة، بحركةٍ رتيبة من الاصبع في بضع ساعات فقط. نحنُ لا نعلم، واقعاً، تأثير كُلّ هذا التّحفيز للدّماغ عليه على المدى البعيد. نحن نقرأ الأخبار العاجلة من كُلّ أقطاب العالم، والمآسي من القرى والبلدان التي قد لا نعرف لفظ اسمها، ونقرأ آراء «أصدقائنا» الافتراضيّين وخلافاتهم مع افتراضيّين آخرين، ونتابع علاقات آخرين وزواجهم وحفلاتهم وحفلات ما قبل الحفلات، ونتابع «مشاوير» الأصحاب وما تناولوه في المطاعم والمقاهي، وتقييمهم لهذه الخدمة، ونقرأ آراءً مُستفزّة لأُناسٍ لا نعرفهم، ونقرأ ردود فعل الذين استُفِزّوا والّتي قد تكون أكثر استفزازاً عن مواضيع لا نعرف كيف طُرحت اليوم والآن أساساً... كُلّ هذا وأكثر قد نتصفّحه في أقلّ من ساعة. في تاريخه التطوّري حتّى الآن، لم يعتَد الجهاز العصبيّ والدّماغ البشريّ على استقبال هذا الكمّ الهائل من المُحفّزات والمعلومات في وقتٍ قصير.
في الأبحاث العلميّة التجريبيّة، هناك قاعدة أخلاقيّة-قانونيّة تعتنق مبدأ «عدم الأذى»، أي أنّه إذا عادت النتائج الأوّليّة لتُظهر ضرر المادّة أو التحفيز الذي يتمّ اختباره، فينبغي للقيّمين على التّجربة إيقافها. المُشكلة هنا أنّ لا قيّمين على أكبر اختبار خارج المختبرات انزلقت البشريّة إليه، رغم أنّ النتائج الأوّليّة للأضرار بدأت تتدفّق منذ أعوام. مثلاً، في دراستها حول الارتباط بين تقدير الذات وعدد الساعات الّتي يقضيها الشّخص على موقع فايسبوك، وجدت فوغل (دكتورة وباحثة في علم النفس في جامعة كاليفورنيا) وفريقها البحثيّ أنّ هناك ارتباطاً مباشراً بين ارتفاع عدد الساعات أمام فايسبوك وانخفاض مستوى تقدير الذّات.
في دراسةٍ أخرى تُعتبر من الأكبر حول الموضوع، أجرى فريق عمل هانت ألكوت (اقتصادي من جامعة نيويورك) وفرق عمل من «جامعة ستانفورد» اختباراً على عيّنة من 7445 متطوّعاً قبيل الانتخابات النصفيّة الأميركيّة عام 2018، وقُسّم المتطوّعون إلى فريقٍ سيلغي كلّ من فيه حسابه على فايسبوك لمدّة الأسابيع الأربعة التي تسبق الانتخابات، بينما يستكمل الفريق الآخر نشاطه الفايسبوكي بشكلٍ طبيعيّ. أظهرت نتائج الدراسة ارتباطاً واضحاً بين إلغاء حساب فايسبوك للأسابيع الأربعة التي سبقت الانتخابات وبين:
1) انخفاض معرفة آخر الأخبار وانخفاض حدّة المواقف السّياسيّة الفرديّة.
2) ارتفاع مستوى السّعادة الذّاتيّة.
3) انخفاض عدد ساعات استخدام فايسبوك بعد انتهاء التجربة وعودة المشاركين إلى تفعيل حساباتهم. وهذه الأمثال غيضٌ من فيض، فهُناك غزارة في الأوراق البحثيّة حول هذه الأضرار وامتداد أبعادها النفسيّة والعصبيّة.
يقول تريستان هاريس (مُدير «المركز للتكنولوجيا الإنسانيّة» Center for Humane Technology) أنّ ما وصلنا إليه هو نتيجة طبيعيّة لترك التكنولوجيا تتطوّر طوال هذه المدّة من دون قيم حاكمة، فكان الهدف الأوّل والوحيد للشركات هو المال والمزيد من المال، ويكون ذلك عبر إضافة المميّزات الّتي تجذب المستخدم لأطول مدّة ممكنة. يشرح أيضاً في مقابلةٍ له مع جو روغان أنّ حدّة المواقف السياسيّة لدى الشعوب في السّنوات العشر الأخيرة ازدادت بشكلٍ كبير، محمّلًا جزءاً من اللّوم لتراكم خوارزميّات العالم الافتراضي عبر السّنين التي تفضّل الخطاب الحادّ المستفزّ الّذي يجلب التفاعل، على الخطاب الهادئ المتوازن الّذي لا يحصد ربع هذا التّفاعل.
انغماسنا في هذا العالم كلّه ليس بلاهةً أو سذاجةً منّا، فخوارزميّات هذه المواقع تُصيب أهدافاً مُحدّدة ودقيقة في طبيعة النّفس البشريّة، ورغبتها في الحصول على الإطراء، وسعيها نحو تشكيل انطباعات جيّدة لدى الآخرين. كُلّ هذا يُسهم في خلق جاذبيّة هذه المواقع الأخّاذة وتحويلها إلى دوّاماتٍ رقميّة تبتلع أيّامنا.
معرفة هذا كلّه لا تمنع حصوله. فالمعرفة ليست نصف المعركة كما تقول مُغالطة «جي آي جو». معرفة كيفيّة عمل ما يحصل على هذه المواقع لا يمنع دماغنا من الوقوع في فخّ الخوارزميّات الّتي يتمّ إنفاق مبالغ طائلة عليها لجعلها تضرب كلّ الأوتار النفسيّة الحسّاسة لجذب العقل البشريّ إليها. الواقع هو أنّنا نقف اليوم وسط أكبر تجربة اختباريّة على البشر خارج المُختبرات. السؤال الآن ليس حول الّذي أوصلَنا إلى هنا، والإجابة قد تكون ببساطة أنّ سلسلة من الابتكارات المعلوماتيّة المُبدعة في شركات تبغي الرّبح والرّبح فقط هي ما أوصلنا إلى هنا. السّؤال الفعليّ هُنا هو ماذا يفعل الفأر عندما يستيقظ ويعي ما يحصل؟

* طالبة طبّ

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا