هل يمكن أن يكون الشَعر مسألة سياسية وعِرقية واجتماعية وثقافية وتاريخية؟ الكاتبة الإيرلندية-نيجيرية أو الأفرو-إيرلندية إيمّا دابيري والمساهمة في برامج «هيئة الإذاعة البريطانية» والكاتبة في صحيفة «غارديان» تقول: نعم. ففي كتابها «متشابك: تاريخ متحابك لثقافة الشعر الأسود» (هاربر بيرينيال ـــ 2020) تأخذ القارئ في رحلة تقصٍّ ثقافية وتاريخية عن تاريخ العنصرية في مختلف بقاع العالم. لا شكّ في أنّ كثيراً منا سمع تعبيرات ازدرائية عنصرية مثل: «أم شعر مجعد»، و«إم شعر مكتكت» وما إلى ذلك من التعبيرات التي تفتقد أدنى درجة من الذوق.



كوني عشت في بريطانيا في أواخر ستينيات القرن الماضي وأوائل سبعينياته الثورية، لم أكن ألحظ المكانة المهمة للشَّعر في الحياة اليومية. ذلك أنّ التمييز، لم يكن في ظني، بالمستوى الخطير الذي بلغه في مختلف بقاع العالم. كنت أرى فتيات ذوات الشعر الأشقر الذهبي وهن يسرّحن شعرهن على شكل ضفائر صغيرة ملتصقة بفروة الرأس، تماماً مثلما كنّ يفعلن ذوات الأصل الكاريبي، أو يكون «منفوشاً»، وهو ما كانت صبايا كثيرات من ذوات الشعر الأملس يحاولن عمله. وكثيراً ما كان المرء يسمع عن نفور كثير من النساء العربيات من الخليج الفارسي وغيره، من شعرهن الأجعد ومعالجته ليستحيل أملسَ.
لكن وعيي لربط الشعر وتسريحاته بالسياسة، كان مع بدء التحاقي بالنشاط الثوري التحرري في بلادنا في تلك المرحلة التاريخية واطلاعي على الفكر السياسي حيث ربط الشعر الأجعد بمناضلي «حركة الفهود السود» في أميركا، وبإحدى ألمع قياداته وهي المناضلة الكبيرة أنجيلا ديفيس. وطبيعي أننا لا ننسى المناضل الجنوب أفريقي المغدور ستيف بيكو. وبالتالي لم يكن ممكناً فصل شعر الرأس عن الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتاريخ، وهذا موضوع هذا الكتاب الفريد.
صاحبة هذا المؤلف كتبت أنّ الأخير يضيء على تاريخ أفريقيا وروحانيتها وتقاليدها والاستعمار والرأسمالية. أما فرضيته المركزية، فهي أنّ الاستعمار هو سبب عدّ معايير الجمال الأوروبية «الأفضل» والمرجع والمقياس، وأنه تم تكييف النساء الملونات على الرغبة في تحصيل معايير الجمال الأوروبية. توضح الكاتبة أنّ هذا أمر غير ممكن لأن الشعر الأسود مختلف بطبيعته ويجب معاملته على هذا النحو؛ ووجب أيضاً النظر نقدياً إلى معايير الشعر والجمال الأوروبية. وهذا ما فعلته العالمة العراقية زينب البحراني في العديد من مؤلّفاتها ومقالاتها المهمة من بينها «نساء بابل». إذ أوضحت عبرها تفوق معايير الجمال المشرقي على الأوروبي المتمثّل في تمثال أفروديت الباهت والاستاتي (الجامد، الراكد، الساكن).
تجادل الكاتبة بأنّ تسريح شعر المرأة الأفريقية على طريقة الجدائل [ليبدو أنيقاً] يستغرق وقتاً طويلاً. في هذا المقام، تتحدث عن مفهوم الوقت كما نعرفه، والوقت في التقاليد الأفريقية، مضيفةً أن تسريح شعر النساء الأفريقيات يستغرق وقتاً! أما مسألة أن الوقت هو المال، والمال هو الوقت، فهي مفاهيم رأسمالية محض. هذا الأمر هو مدخل الكاتبة لنقد الرأسمالية ولفكرة أن أي شيء يعطّل تعظيم الربح يصبح هداماً. لذلك فإنها تقول: «من منظورنا نحن النسوة السوداوات، عندما أصبح شعرنا عبئاً، فإن استعادة الوقت لتسريحه أصبح بحدّ ذاته عملاً من أعمال التمرّد». وتضيف: «في الواقع فإنّ أحد أكثر المسوّغات العملية لتجليس الشعر الأسود المجعد أو لجعله مستقيماً هو الحاجة إلى وقت أقل للحفاظ عليه».


إذاً، فالادعاء بأن تسريح الشعر الأسود يستغرق وقتاً طويلاً لا معنى له في مفاهيم السكان الأفارقة الأصليين. ذلك أن مفهوم الوقت مختلف في ثقافتهم عنه في الرأسمالية، وهو «ما يحتاج المرء إليه لإنجاز مهمة محددة».
ترى الكاتبة أنّ مسألة الوقت ضمن هذا السياق، تكشف حقيقة أن شعر النساء السوداوات هو مساحة يتم فيها الكشف عن خطوط الصدع بين النظام الأوروبي المفروض ومقاومة الأجسام السوداء له في الوقت الفعلي. يحوي الكتاب تفاصيل متعلقة بالشعر الأسود المجعد، وكيف أنه كان مصدر غضب البشر البيض منذ أن التقيا. أثرت الكاتبة عملها بتجاربها الشخصية عبر إدراج جوانب من نضالاتها مع شعرها في إيرلندا عندما كان البشر سود البشرة قلة وموزعين في مناطق كثيرة، حيث تعرضت للسخرية لأنّ شعرها أجعد حيث كان (وما زال) غير مرغوب فيه. لقد عانت الكاتبة كثيراً بسبب طبيعة شعرها وواجهت عدوانيات مختلفة، صريحة ومستترة.
ربط الشعر الأجعد بمناضلي «حركة الفهود السود» في أميركا، وبالمناضلة الكبيرة أنجيلا ديفيس


يعرِّف الكتاب القرّاء بالثقافات الغنية والمعقدة وسياسات الشعر الأسود في مناطق مختلفة من العالم، وتعتمد الكاتبة على الخبرة الشخصية وخلفيتها البحثية لشرح أن الشعر تعبير عن الثقافة والروحانية في العديد من ثقافات الشتات الأفريقي والأفريقي، وتستجوب المفاهيم الغربية للتاريخ والاحترام، بينما تتعمق في الطرق الأفريقية للتعامل مع الماضي والحاضر والمستقبل من خلال سرد القصص، والحديث عن اللغة المجسدة لتصفيفات الشعر.
كذلك، تناقش الكاتبة تاريخ النساء السوداوات في تمليس شعرهن كيميائياً، وشعبية حركة الشعر الطبيعي، والقوالب النمطية الاجتماعية والسياسية لتصفيفات الشعر الأسود، وتصفيف الشعر باعتباره وقتاً اجتماعياً، والتوقعات الجنسانية لشعر النساء السوداوات، إضافة إلى النزعة التجارية والاستهلاكية والتمثيل والاستعمار وتحرير الشعر الأسود، دامجةً ذلك كله في انعكاساتها على تجاربها الخاصة.

* Twisted: The Tangled History of Black Hair Culture

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا