قليلة هي الفضائيات أو الإذاعات العربية، التي نجحت في الحفاظ على مستوى راقٍ من اللغة العربية الفصحى، ولم تنحط إلى الدَّرْك الأسفل منه تحت الذريعة الذائعة المعلومة عن لغة الإعلام المبسطة. ذلك على الرغم من أن بعض هذه القنوات والإذاعات تخاطب عشرات الملايين من المشاهدين العرب ذوي اللهجات المتباينة، وتخاطب كذلك الناطقين بالعربية في شتى بقاع الأرض.

ولقد قال في ذلك العلامة اللغوي النَّحْوي مازن المبارك إن «السخف المأثور في أن الخطأَ المشهور خير من الصواب المهجور!». وصدق عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين حين قال إن «المثقفين العرب، الذين لم يتقنوا معرفة لغتهم، ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً»! في حين أن المستشرق الأميركي فان ديك (Van Dyck) أكد أن «العربية - هي أكثر لغات الأرض امتيازاً. وهذا الامتياز ذو وجهين: الأول من حيث رصيدها المعجمي، والثاني من حيث استيعابية آدابها». وقال المستشرق الإسباني فيلا سبازا (Villa Spaza) إن «اللغة العربية - هي من أغنى لغات العالم، بل هي أرقى من لغات أوروبا لتضمُّنها كل أدوات التعبير في أصولها، في حين أن الفرنسيةَ والإنكليزية والإيطالية وسواها قد تحدرت من لغات ميتة، ولا تزال حتى الآن تعالِجُ رِمَمَ تلك اللغات لتأخذ من دمائها ما تحتاج إليه. وإني لأعجب لفئة كبيرة من أبناء الشرق العربي يتظاهر أفرادها بتفهم الثقافات الغربية ويخدعون أنفسهم ليقال عنهم إنهم متمدنون...».
ولا تكفي هذه الصفحات لإيراد نزر يسير من أبرز ما قاله المستشرقون والمستعربون في مديح لغة الضاد.
أما أستاذ الصحافة العربية الراحل محمد حسنين هيكل، فكان يحفظ نحو عشرة آلاف بيت شعر عربي. وكان يحرص على ذكر بعض منها. وكان مولعاً خاصة بشعر أبي الطيب المتنبي وأمير الشعراء أحمد شوقي. وكان «الجورنالجي» يحفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم، ما انعكس على أسلوبه السهل الممتنع.
والجدير بالذكر أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الدولية السادسة في هيئة الأمم المتحدة.
ولعلكم تذكرون كيف أن وزيرة خارجية النمسا كارين كنايسل استهلت كلمتها في المداولات العامة للدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 2018، باللغة العربية، التي يخجل مسؤولون عرب كثيرون من التكلم بها في المحافل الدولية، ويرطنون بدلاً من ذلك باللغات الأجنبية
أما مقدمة البرامج الروسية الشابة آنا كنيشينكو، فتجيد لغة الضاد وتنطق بها أحياناً أفضل من «كسير» من «المزيعات» العربيات، اللواتي يلتزمن بقاعدة «سَـكِّنْ تَسْلَم». ولقد عجزت مذيعة إحدى القنوات العربية الشهيرة عن قراءة اسم التنظيم الإرهابي «واستقِمْ كما أُمِرْتَ»، المأخوذ من آية قرآنية معلومة، على نحو صحيح، في حين أن إرهابياً غير ذي شأن قرأ على أبناء قرية الفوعة السورية المنكوبة إبان تهجيرهم آيات من القرآن الكريم لم يخطئ في حرف منها.
كذلك، فإن معرفة اللغة الأم وإجادتها هما الشرط الأساس لمعرفة اللغات الأجنبية ونقل مؤلفاتها إلى العربية.
وكان قد تنطح لصنعة الترجمة من الروسية إلى العربية في الحقبة السوفياتية كل شارد ووارد، وبخاصة مع وجود دار نشر لا يستهان بها مثل «دار التقدم» الموسكوفية الذائعة الصيت. بيد أن المترجم العربي المتروِّس إن كان قد أجاد التحدث باللغة الروسية ورواية النكات، فإن إجادته للغة العربية الفصحى المهمشة في وطنه الأم تبقى موضع شك.
ولعله لذلك تبقى ترجمة الأديب السوري سامي الدروبي للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي هي الأفضل في رأيي رغم أنها كانت عن الفرنسية.
جدير بالذكر أن انحسار الفكر القومي العربي، المتواصل منذ ظهور الكيان الصهيوني، قد تفاقمت أزمته على أثر حرب 1967. ولا أظن أنني أبالغ القول حين أؤكد أن أحد أسبابه كان الإعراض التام عن اللغة الفصحى، التي أصبحت موضع سخرية «المسكَّفين» العرب بدلاً من تطويرها، وكذلك لتجاهلهم التراث العربي، وتحولهم التام إلى التلمظ بقشور الحضارة الغربية.
وقد تعاظمت قوة الأصوليين على نحو لا يصدق منذ ذلك الحين، ولعل ورقتهم الرابحة الوحيدة كانت اللغة العربية الفصحى، التي رددوا مأثوراتها كالببغاوات، وأودوا بـ «الربيع العربي» إلى مأزقه المعلوم. هذا في حين أن الكيان الصهيوني أحيا اللغة العبرية الميتة، التي كانت لغةً مكتوبة، خاصة بالطقوس الدينية، وفقيرة برصيدها المعجمي، فتحولت إلى لغة محكية لا تشكو من قلة المفردات، وغدت اللغة الرسمية للدولة الإسرائيلية المصطنعة وعمادها، ووسيلة تفاهم بين شذاذ الآفاق القادمين من مختلف أقطار العالم. وقد ساعد المثقفون اليهود بالذات في أوروبا وغيرها على تطوير لغتهم القومية وازدهارها.
ويقول في ذلك أحدهم عن حق: «قوم يحيون لغة ميتة، وقوم يئدونها حية!». غير أن هذا كله لا يعني ضرورة العودة إلى لغة عنترة بن شداد، أو الالتزام بـ«منفلوطية» جديدة في الإعلام، لا سيما أن لكل عصر لغته، بل إنها دعوة إلى الالتزام بلغة عربية عصرية أنيقة مثل تلك، التي يحافظ عليها أدونيس مثلاً، والتي لم تقف عائقاً أمام رسالة التحديث، التي أخذها على عاتقه هذا الشاعر المفكر الكبير.
إن الإعلاميين العرب، وخاصة التلفزيونيين والإذاعيين، ملزمون بصون اللغة العربية الفصحى – سلاحهم الثقافي –، وصقلها والحفاظ عليها من الصدأ، ولا سيما أنهم «ملح الأرض... ونور العالم». ذلك كله لكيلا تبقى لغة القرآن الكريم حكراً على الإرهابيين، الذين يغرون بها ضعفاء النفوس والدين والثقافة، ولكيلا يأخذ الغيارى من المستعربين الأجانب (غير المغرضين منهم بالطبع) هذه المهمة على عاتقهم، مقتدين في ذلك بالمستعرب الروسي-السوفياتي الراحل إغناطيوس كراتشكوفسكي (1883-1951). ومن يدري! فقد لا يبقى ذلك مجرد هلوسات ليلية!