من بديهيات الحياة الفنية والثقافية في أي بلد، أنها تتفاعل مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، تتأثر بها وتؤثر فيها. ولذا لا يمكن تقديم فن وثقافة راقيين في ظل تردٍ اجتماعي ووطني، وتدهورٍ للحياة الاقتصادية، بينما تنهض الحياة الثقافية والفنية مع نهوض الأوضاع، وتشكل امتداداً لها.

وإذا تحدثنا بالملموس عن الوطن العربي، ونحن في فلسطين جزء منه، فإننا يمكن أن نلاحظ وبسهولة، أن فترة المد الوطني/ الثوري، قد أنتجت فناً راقياً، بمضامين إنسانية ومستوى فني وثقافي مرموق.
فمعظم، إن لم يكن كل، الأغاني التي أنتجت في فترة المد الثوري والوطني في العالم العربي، في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وصولاً الى أواسط السبعينات، ما زلنا نحنّ إليها ونبحث عنها للاستماع اليها. هذا إضافة إلى ما أنتجته فترة السبعينيات من أغانٍ وطنية/ ثورية، كأغاني مارسيل خليفة واحمد قعبور، والشيخ إمام وغيرهم، التي كانت انعكاساً لحالة ثورية، كان للثورة الفلسطينية ونضال الفلسطينيين في مختلف الساحات، نصيب وافر منها، وكانت تنتقل من بلد الى آخر ومن يد الى أخرى، بعيداً عن أعين انطمة الحكم العربي، وسلطات الاحتلال الاسرائيلي، وتذكي في النفوس روحاً وطنية وثورية مقاتلة، وتغرس في النفوس قيماً نضالية وانسانية.
أثناء الاعتداءات الاسرئيلية المتكررة على قطاع غزة، وجنوب لبنان، تعود محطات البث الإذاعي الى مخزون أغاني «أيام زمان»، فنستمع الى صوت مارسيل خليفة واحمد قعبور والشيخ إمام، وفرقة «العاشقين» الفلسطينية، وغيرها، فهل نحن بحاجة الى عدوان احتلالي دائم كي نثقف أجيالنا الشابة على تلك الأغاني؟
ولكي نكون منصفين، فإن محطات البث الاذاعي المحلي (إف.إم)، تبث في غالبيتها في الأيام العادية أغاني فيروز في الفترات الصباحية، وهو أمر محمود، ولكن حتى هذا نجد فيه مبالغة ممجوجة، حيث تكاد الفترة الصباحية تقتصر في ما تبثه من اغاني على فيروز فقط، ولا يندر أن تدير مؤشر المذياع على أكثر من محطة لتجد ذات الاغنية لفيروز تبث من أكثر من محطة في الوقت نفسه!
لا شك أن للأغاني نصيباً وافراً من الحياة الثقافية والفنية، فهي على تنوعها، من أغان عاطفية ووطنية وشعبية، إضافة إلى أغاني الأطفال وأهازيج المواسم، والأغاني التراثية، تؤثر في الحياة اليومية للناس، وتسهم في شكلٍ أو آخر بالارتفاع بهم، أو تسميم أفكارهم والهبوط بهم إلى منحدرات ومنزلقات خطيرة.
أقول هذا، وفي ذهني ما تبثه المحطات الإذاعية العربية على مدار الساعة من «تفاهات» تطلق عليها زوراً وبهتاناً، اسم أغاني، وما تبثه محطات التلفزة على اختلاف مسمياتها من اغانٍ راقصة خليعة، تبرز مفاتن الجسد وتخاطب الغرائز، في ما يسمى أغاني «الكليب»، بعيداً عن أي ذوق فني أو مساهمة في تثقيف العقول، وغرس القيم الانسانية في عقول المشاهدين والمستمعين!
وفي المناطق الفلسطينية، وحيث انتشرت محطات البث الإذاعي كالفطر، في جميع المدن الفلسطينية، نستمع مجبرين، في كل مرة نفتح فيها المذياع، إلى أغانٍ غاية في التفاهة والإسفاف، بذريعة أنها أغانٍ «شبابية» حديثة، تناسب الأجيال الناشئة والتطور التقني والعلمي لما نعيشه من أيام، وعصر السرعة، وغير ذلك من مبررات.
لكن الانحدار لا حدود له! وصل مستوى هذا الانحدار بث أغانٍ تدعو إلى وتحرض على القتل!! وحتى أتحدث بالملموس، إليكم ما يقوله مطلع أغنية بثتها إحدى محطات الـ «إف.أم» من رام الله خلال شهر حزيران (يونيو) الماضي: «جوزوها لغيري لا والله، والله ما يجوز/ حالف لأقتل جوزها وأصير لها جوز»!
ما الذي تغرسه مثل هذه الأغاني في عقول الشباب؟؟ أليس هذا تحريضاً ودعوة صريحة للقتل؟
كل شاب يسمع هذه الأغنية سيرسخ في ذهنه وعقله الباطن، أنه يجوز له قتل شخص تزوج من فتاة، كان هو يريدها، من دون أن يشعر بالحرج أو الذنب!
ولا أدري إذا كانت مثل هذه الأغنية يجري بثها في حفلات الأعراس لتتمايل معها الأجسام، وتهتز الأرداف، مع بسمة على الشفاه!
فما يبث في حفلات الأعراس من أغانٍ راقصة، خالية من الروح والمعاني والقيم، وبمكبرات للصوت لا تجعلك تسمع صوت جليسك، من التفاهة بحيث يمكن الكتابة عنها عشرات ومئات الصفحات، بدءاً من «بحبك يا حمار»، مروراً بـ «تيي رشرش وتغنج يا حبيبي تغنج» وصولاً إلى «قوم اقف وانت بتكلمني»، و«جنّوا ونطّوا» وغيرها الكثير الكثير مما تعج به صالات الأفراح وتبثه محطات الـ «إف.أم» على مدار الساعة.
لنفرض، وهي فرضية قائمة، أن هناك «مطرباً» تافهاً يغني كلمات أكثر تفاهة منه، لماذا تتلقفها محطات البث الإذاعي الفلسطينية لتغرسها في عقول المستمعين، خاصة الشباب منهم؟
وعودة إلى ما بدأت به مقالي، فالأغاني التي تبث على مدار الساعة، ومنذ أكثر من عقدين من السنوات، ما هي إلا انعكاس للأوضاع الوطنية والاقتصادية والاجتماعية المتدهورة التي نعيشها، والانحدار الأخلاقي في القيم والمعتقدات المفاهيم، حيث السطحية في الأفكار، والتفاهة والتخلف في المعتقدات، ليس في المناطق الفلسطينية فقط، بل وعلى مستوى العالم العربي ككل، وما ذلك إلا أحد نتائج العولمة التي اجتاحت بلادنا، من أجل إبقائنا في دائرة التخلف، ليسهل على منتجي العولمة استمرار السيطرة على بلادنا ومقدراتها ونهب ثرواتها، ولا يتأتى ذلك إلا بخلق أجيال تافهة وسطحية، منسلخة عن تراثها وثقافتها وتاريخها.
أستغرب لماذا تنخرط محطات البث الإذاعي المحلي في هكذا مهازل، بقصد أو بغير قصد، لتصبح أداة تُسَهّل على من لا يريدون خيرا لبلادنا وشبابنا مهمتهم.
وأستغرب لماذا لا يتم تقديم اسم المطرب/ة والملحن وصاحب الكلمات قبل بث أي أغنية، مثلما كان عليه الحال في الماضي؟
لماذا لا تقدم محطات البث المحلي أغاني الزمن الماضي الجميل، إلا في القليل النادر، بحيث صارت الأجيال الشابة والناشئة، لا تعرف من هي أم كلثوم وفايزة أحمد، ونجاة الصغيرة، وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وغيرهم الكثيرون/ات، ممن شدت حناجرهم بأغانٍ غاية في الروعة والجمال، بكلمات ذات معاني، وألحان ترتاح لسماعها الأذن.
نستمع إلى أغانٍ لا نعرف اسم المطرب او المطربة فيها، ولا نعرف من كتب كلماتها ومن قام بتلحينها، ولا يعلق في أذهاننا بعد دقائق معدودة من بثها أيٍّ من كلماتها، ناهيك عن انعدام المعنى والقيمة.
الأغاني الخالدة، تتكامل فيها ثلاث أشياء تجعلها تعلق في أذهاننا: صوت واداء جميلين، كلمات ذات معاني انسانية راقية، ولحن لا يفارق سمعنا، لذا تجدنا نترنم بتلك الالحان والكلمات في اوقات خلوتنا بأنفسنا، أو نرددها مع مغنيها، ونبحث عنها بمختلف الوسائل لنستعيد سماعها.
اما الأغاني الهابطة، فلا يكاد يعلق منها في أذهاننا شيء، لتفاهة كلماتها وألحانها، وانحطاط معانيها ومدلولاتها، رغم وجود حالات نادرة من الأصوات الجميلة.
مطلوب من محطات البث الاذاعي والتلفزيوني المحلية، في جميع مدن المناطق الفلسطينية، أن تأخذ دورها في تثقيف الشباب وتوجيه ذائقتهم الفنية نحو القيم الانسانية والحضارية، بعيداً عن السطحية والتفاهة، لتساهم من موقعها في خلق أجيال واعية، تعتز بثقافتها وتاريخها وقيمها الفنية الراقية.