دبدبة أولى بالفن والثّقافة، وبلاد تعيش على أنقاض حرب، ووقاحة زعرانها، ولا تزال مستمرّة إلى اليوم الحاضر. يأتي أوّل وأكبر النّاشرين العرب من عاصمة الضّباب والثقافة لندن، إلى عاصمة معتمة لا كهرباء تنيرها، ولا الثّقافة بأحلى حالاتها. يأتي رياض الريّس ناقلاً دور نشره إلى بيروت، هل هو ضرب من الجنون؟! كنت لا أجده إلا على صواب، بالنّسبة إلى حماس وثورة مراهقة في أوّل الحياة. تبدأ حفلات توقيع الكتب، حفلات تبهج شباب بأوّل طلعتهم، لم يعرفوا سوى التلطّي في زوايا بيوتهم، من القصف العشوائي بين المناطق، ويذهبون إلى مدارسهم وجامعاتهم على إيقاع الموسيقى نفسها. أقف على مسرح الحياة مندهشة وأقهقه. بالنّسبة إليّ لعبة ومغامرة ممتعة، أن يأخذ الريّس الثقافة وطباعة الكتب على محمل الجدّ، ويتبنّى كتّاباً جدداً، ينشر لهم ويقدّم الجوائز بالشعر والرواية، في مدينة لا تعرف إلا عبث الدمار والخراب والموت. ما الذي جعل الريّس يترك أجمل حديقة منزل في لندن، وهدوء وطمأنينة، ويحمل كتبه ويأتي إلينا؟! كنت طالبة فنون وأصبحت أستعجل سنوات الدراسة كي تمرّ، لأواكب الحركة الجديدة، بعدما اعتدت سخرية أي أحد يعلم بأنني أدرس الفن، في بلد الإنسان نفسه رخيص، فكيف بالفن. من سيقدّره؟ كنّا حين نعرف بأي نشاط لرياض الريّس، نركض متعطشين لنعيش بأجواء الثقافة ونلتقي كتّاباً وإعلاميين من أعمار مختلفة.

قال لي رياض الريّس في يوم، أريد أن أشاهد أعمالك. هذا المتذوّق للفن التشكيلي ومن أهم المقتنين للأعمال الفنيّة، وأنا ما زلت طالبة، أعلّق بعض اللوحات على جدران استديو أعيش فيه وفوق السرير. ما المميّز الذي سأريه إيّاه. أتى رياض بخفّة ظلّه. شاهد وذهب. في اليوم التالي، بعث يريد شراء إحدى اللوحات التي أعجبته، رغم علمه بأنّها ربّما الوحيدة التي لا أرغب ببيعها لما تعنيه لي، وأصلاً لم أكن أحتسب أن أبيع عملاً من أعمالي قبل التخرّج. أصرّ لأيام وطرح المبلغ. مبلغ لا يحلم به إلا فنان محترف. قبلت، وأنا أضحك الآن كيف تردّدت. أخذها وطار من الفرح، وطرت معه. لم يعد عندي النهار نهاراً ولا الليل ليلاً. كنت أقضي وقتي بعد دوام الجامعة وفي العطلات وأنا أرسم. أنا الشغوفة زادني حماساً وإصراراً وجنوناً، وما كان ينقصني إلا الريّس! وأنا أكتب الآن، تسبقني دموعي وأسأل: هل جنى عليّ رياض؟ ألم يكن من الأجدى لو التقيت بمن ينصحني بترك الفن، في أرض أصبح من النّادر مصادفة مهتم حقيقي بالفن دون اعتباره سلعة، خاصّة لبعض الصالات التي تديرها عقول تاجرة، وأيضاً خبيثة وهذا الأخطر. لن أدخل في تفاصيل غير ضروريّة هنا. تخرّجت وقمت بمعارض عديدة، وكان نجم المعارض رياض نجيب الريّس، يرى ويدقّق، وهو المعروف بصيّاد الأعمال الفنيّة. أغاظ زوّاره في مكتبه وبيته كثيراً، قبل أن يجيبهم عمن هي صاحبة اللوحات التي يُعلّقها أمامه. كان يردّد أمام الجميع «في بيتي حائط مبكى لأعمال سهى» وكنت أبتسم بخجل حين يخبر الأصدقاء أمامي. أزداد قلقاً كي أطوّر نفسي كل يوم ولا أخيّب ثقته بي.

أصبحنا مافية رياض الريّس
ها أنا محتارة، أنا هنا لأتحدّث عن رياض أم عني؟ بالتأكيد هناك كتّاب كثر، لم يجدوا إلا دار رياض نجيب الريّس للطباعة والنشر، ليشاهدوا مولودهم يطلع إلى النّور. هو الذي عُرِفَ بمغامراته، يطبع لكتّاب جدد عرفوا الشهرة بين يديه. أضاء بيروت بالثقافة قبل أن تأتي إليها الكهرباء وحتى الماء. أقام المآدب لنا. مآدبه للكتّاب والشعراء ولمبدعين يتعاطون الثقافة والسياسة، وبعض مشاغبي الكتابة لم يجدوا ملاذاً إلا عنده. كان كريماً وكان المبدعون ضيوفاً مكرّمين على مائدته. كم فرض علينا ضيافته في منزله، فرضاً وحكماً، لا مشاريع تعذرنا للتغيّب، وبعض المستفردين بالسّاحة يتأملون المشهد، ربّما مع بعض الغيظ. وَسُعَت السّاحة لنا، نحن الذين لا تحميهم لا عصابة ولا مافيا. أصبحنا مافيا رياض الريّس المحميين. عرّفنا إلى أصدقائه القدامى وكل مَن مركزه قلعة، وكنا ثلّة من المبتدئين المدبدبين في الحياة، طبعاً غير الذين سبقونا بالاحتراف. كم كنا سنواجه مصاعب قبل أن يعترف بنا متعجرف من متعجرفي الثقافة المافيويين، وكم حمى براعمنا الطّريّة في الإبداع والفن والحياة، ولن أذكر هنا أيّ أسماء، وأترك لهم أن يتحدّثوا ما شاؤوا.
في آخر سنتين أو ثلاث، كان معرض الكتاب السنوي في بيروت كئيباً. اشتدّ مرض رياض ولم يعد قادراً على إضاءة المعرض بوهجه وضيافته المميّزة لأفخر أنواع الحلويات، وحركته التي لا تهدأ، ومعرض كاريكاتوري على هامش المعرض لوجوه عديدة من الكتّاب الذين نشر لهم، يطلب من رسّام الكاريكاتور حسن إدلبي أن ينفّذها. من سيعطي إدلبي هذا الزخم وهذه الجرأة في الرّسم دون حواجز بعدما مرض رياض؟ هاجر إدلبي. وبعض من كانت مقالاتهم تُكتب بجرأة ليضحك ويرضى رياض، أين أصبحوا؟ «ياما ضحكنا»، حين كنا نسمع أن الرّقابة في البلد أو في أي دولة عربيّة منعت إصداراً عن دار الريّس، لجرأته الزائدة. ما الذي نسمعه الآن من أخبار بالله عليكم؟ جوائز أدبيّة ترعاها الممالك وأخرى ترعاها دول غربيّة لبعض المطبّعين بأفكارهم وأمور عديدة يعرفها كل قارئ.

الريّس حالة ثقافيّة وليس شخصاً
رياض نجيب الريّس، لم يكن شخصاً بقدر ما كان حالة ثقافيّة عملاقة، سبق إعمار الحجر، وسبق حملة شراء المثقّف والمبدع، لحسن حظّنا، و«لسوء حظّ بعضنا» مِمَن أخذ الطعم المضاد للفساد وللتطبيع الثقافي، لنصبح غرباء في هذا المستنقع. في السنوات الأخيرة، حتى الصحافة والميديا بأشكالها، لم تعد تغطي النشاطات الثقافيّة إلا بفقر رهيب من الاهتمام والتقدير، وبعضها من يتعمّد التجاهل. كيف أنسى في أحد معارضي حين دخل رياض برفقة أحد أصدقائه وهو أيضاً من مقتني الأعمال الفنيّة، ليتسابقا على اختيار الأجمل من الأعمال. كلما تذكّرت المشهد، أُمطر دموعاً. ما بالي وأنا لا يعرفني الأصدقاء إلا مبتسمة، لا تفارقني الدموع مع تلك الذكريات.
رياض الذي جال العالم كصحافي وعاد بمونة وثروة لا بأس بها من المشاهدات الذي كان شاهداً حياً عليها، من فيتنام إلى رحلاته إلى زنجبار وسمرقند وغيرهما. أحد كتبه عنوانه وحده موقف «أكتب إليكم بغضب». كل حضوره الذي ملأ المدينة والعالم العربي بأكمله بمشاغباته وكتبه التي طبعها بعناوينها المختلفة، ولم يحقّق طموحه ومبتغاه، كما كان يُصَرّح. مئات الكتب نشرها من دون جزع. «إسلام ضد الإسلام» للكاتب الصّادق النيهوم، ووصلنا إليه في حاضرنا، كُتب عن أسرار التوراة، عن اليمن، عن العراق، عن سليمان وبلقيس، عن الخليج وأسراره، وما وفّر أبا نواس الذي تمنعه الرّقابة وهو من أصول تراثنا، وعن الجنس والحب وعن وعن...

ما استحقَّ الريّس من دولة مهترئة تكريماً
الأبناء نحضنهم برموش العين، فهل يحضنون تاريخ وآثار آباء وأمّهات؟ فعلها رياض وأكمل طريق والده نجيب الريّس، الذي كتب من سجنه السوري: «يا ظلام السّجن خيّم، إننا نهوى الظّلام، ليس بعد الليل إلا فجر مجدٍ يتسامى». رياض نجيب الريّس، سوري على الهويّة، لبناني النشأة، وبعد هجرته القسريّة في الحرب، يعود إلى بيروت، على أنقاض مجد لعصر ذهبي من الثّقافة والإبداع والحريّة، وبقي حتى نفسه الأخير. ألا يعني ذلك بشيء لنا نحن المنسيين في بلادنا؟ ألا يورّطنا رياض أكثر، باختيار هذه الأرض رغم أوجاعها الكثيرة، كي لا نتركها للّصوص والمجرمين والذّئاب؟! ودولتنا المهترئة لم تنتبه لتكريمه يوماً، وتتشرّف بتقديم الجنسيّة له، بدلاً من أن تعطيها لمافيات ومموّلين مشكوك في أمرهم آتين من أقصاع الأرض. أليست ورطة، أن كلما التقيته، لا يسألني السؤال التقليدي، كيف صحّتك، بل، هل ترسمين حبيبتي سهى؟ وإن أجبته بنعم، يهزّ برأسه مطمئناً؟!
رحلت زينات نصّار زوجته، الإعلاميّة المعروفة آنذاك قبله، وهي التي كانت تدير مكتبتهما «الكشكول» في بريطانيا قبل أن يُقفلها، وولداهما نجيب وسارة في المهجر، ورياض يُنهيه وباء كورونا وهو في الحجر المنزلي منذ سنوات؟! سأبقى أرسم، ربّما، هذا ليس وعداً، بل وباء ألعن من وباء كورونا، وتلطٍّ خلف اللوحة في هذا الزمن الرديء، الذي أصبحنا فيه نفتقد لحضن إنساني وجنون يحاكي حياة وإبداعاً.