لعله أكثر شوارع رام الله والبيرة ازدحاماً بالمحالّ التجارية والأسواق (المولات) والمتسوّقين، والأكثر تغيّراً في السنوات الخمسين الأخيرة، التي واكبتُها ساكناً فيه، وأطولها، إذ يناهز طوله الثلاثة كيلومترات، من بدايته في ميدان المنارة، وحتى نهايته عند حدود مدينة البيرة الشمالية، قبل أن تبدأ حدود قرية سردا.

ما يميّز شارع الإرسال ليس فقط الحركة التجارية النشطة فيه، وامتداده، بل إنه يجمع من على جانبَيه مدينتَي رام الله والبيرة، ففي الكثير من مقاطعه، يكون يمين الشارع يتبع إدارياً لمدينة البيرة في حين يتبع يساره لمدينة رام الله، والعكس فيما لو سرتَ بالاتجاه المعاكس.
شارع الإرسال هذا، يضمّ في جنباته العديد من مواقف السيارات، لخطوط داخلية، وأخرى خارجية منها، على سبيل المثال، سيارات طولكرم وجنين وقلقيلية، وسيارات بيرزيت.
أما الشارع نفسه، فقد جرت عليه تغييرات أيضاً، إذ أعيد تأهيله، كما جرى تنظيم أرصفته وزراعتها بأشجار الزينة، وجرى بناء «جزُر» في وسطه في معظم مقاطعه، تفصل بين اتجاهَي السير فيه، وجرت زراعتها بأشجار حرجية، ليصبح من أجمل شوارع المدينة.
عندما كان يسألني زائر عن عنوان بيتي قبل خمسين عاماً، بل ربما قبل أعوام خمسة فقط، كنت أقول له بأنني أسكن في الشارع الخلفي لمدرسة الوكالة سابقاً، المتفرّع من شارع الإرسال، هي المدرسة التي كان بعضهم يطلق عليها اسم مدرسة الدخان، لكون البناية نفسها استُخدمت قبل ذلك مخزناً للسجائر.

المقاطعة حديثا


المنارة حديثا


أمّا الآن، فأقول لمن يسألني عن العنوان: «الشارع الخلفي لعمارة «رام الله مول»»، وفي هذا دلالة على تغيّر ملامح المكان. وبناية «رام الله مول» هذه، صارت تحجب عن منزلي شمس الصباح، التي لم تعد تصلني إلّا قُبيل الظهر بقليل، بعدما كانت تسطع بُعيد شروقها في ساحة منزلي، وحتى غيابها. هذا الشارع سمّته بلدية رام الله شارع «أحمد شوقي»، وهو شارع ضيق صغير، يقلّ طوله عن 500 م، ولا يليق بقامة أمير الشعراء.
حتى اسم شارع «الإرسال»، يخالف التسمية الرسمية له، فالكلّ يعرفه باسم شارع الإرسال، لكن التسمية الرسمية له حسب لافتة ثبّتتها البلدية في بدايته عند ميدان المنارة هو «شارع الإذاعة»، إذ اكتسب اسمه منذ إقامة محطة إرسال للراديو فيه منذ عهد الانتداب البريطاني باسم «الإذاعة الفلسطينية»، وأصبحت تلك المنطقة، المقامة فيها أعمدة الإرسال، تُعرف الآن باسم حديقة الاستقلال، التي أقامتها وتشرف عليها بلدية البيرة، بعد رحيل قوات الاحتلال الإسرائيلي عنها، وهي الأكبر مساحة من بين حدائق مدينتَي البيرة ورام الله. ولا يندر أن تجد من يطلق عليه اسم شارع بيرزيت، لأنه يؤدي إلى بلدة بيرزيت وجامعتها الشهيرة الأعرق بين جامعات فلسطين.
كان يتوسط أعمدة الإرسال الثلاثة عمود إرسال شاهق الارتفاع، ويمكن رؤيته من مسافات بعيدة، تصل إلى تخوم جبال بلدة سلفيت، التي تُصنف على أنها تقع في شمال الضفة الغربية، وقد أقامته سلطات الانتداب البريطاني، وكان أحد معالم المدينة الشهيرة. وقد «نسفته» سلطات الاحتلال الإسرائيلي في اجتياحها لمدينتَي رام الله والبيرة، في عملية «السور الواقي» عام 2002، في إجراء عقابيّ وانتقاميّ من المدينة، ولم يتبقّ من هذه الأعمدة سوى عمود واحد، ما زال يشمخ عالياً في حديقة الاستقلال، حزيناً على فقد شقيقَيه، وشاهداً على جرائم الاحتلال.
عودة إلى مدرسة الوكالة، التي أقيم على أنقاضها «رام الله مول». لقد كانت أحد المعالم الرئيسَة لشارع الإرسال، بناية تاريخية يعود بناؤها إلى ثلاثينيات، وربما عشرينيات القرن الماضي، تلاصق بيتاً سكنياً قديم البناء لآل الزرو، إحدى عائلات رام الله الأصيلة. بيت سكنته عجوزان شقيقتان، ثم رحلت عنه إحداهما بعد وفاة شقيقتها لتقيم في عمان، في كنف ابن أخيها سليم، ابن رئيس بلدية رام الله في عام الاحتلال (1967) نديم الزرو، الذي توفي منفيّاً في عمّان، ومن الجهة الأخرى بيت ذو طابقين، من طراز بناء الستينيات، كان يسكن الطابق الأرضي منه، الأستاذ بيترو زخريا ، «أبو تيدي»، مدرّس اللغة الإنكليزية في مدرسة رام الله الثانوية، التي أنهيت فيها دراستي الثانوية في عام 1970.
مقابل تلك العمارة (مدرسة الوكالة سابقاً)، يجد الزائر اليوم مطعم K.F.C، الماركة الأميركية للدجاج المقليّ المعروف باسم «كنتاكي» نسبة إلى ولاية كنتاكي الأميركية، يلاصقه مطعم لصنع البيتزا (بيتزا هوت)، وفي هذا دلالة أخرى على التغيير الذي طرأ على شارع الإرسال. فقد حلّت بناية K.F.C مكان فيلا جميلة كان يملكها أحد أبناء مالكي مصنع الورق الناعم، المعروف باسم «تاكو» الذي تعود ملكيّته إلى عائلة أوهانسيان، وهي عائلة أرمنية سكنت المدينة منذ عهد طويل. هذه الفيلا كان أقامها الدكتور إلياس دواني، زوج السيدة منى ميخائيل شقيقة الدكتورة حنان ميخائيل (عشراوي)، وعاش فيها مع زوجته وأولاده فترة قصيرة، إذ توفي شابّاً، قبل أن تشتريها عائلة أوهانسيان الأرمنية. وفي هذه الفيلا كان ينزل الملك حسين عندما كان يأتي رام الله مصطافاً.
تغيّرات كثيرة ودراماتيكية طرأت على شارع الإرسال منذ سكنتُه في عام 1971 (قبل 49 عاماً)، تسارعت في السنوات العشرين الماضية بشكل لا يُصدّق!
سأبدأها من ميدان المنارة، المركز الرئيس لمدينتَي رام الله والبيرة، ذلك المكان الذي يشكل عقدة المواصلات في المدينتين، وعنق الزجاجة، الذي إن دخلته سائقاً بسيارتك، فعليك التحلي بالصبر وطول البال والأناة، لازدحام السيارات فيه، والفوضى العارمة للحركة المرورية، وتدفق الناس في الشوارع بلا انتظام، ما يُفاقم الأزمة، ويزيد من تعقيداتها.
ميدان المنارة نفسه، وهو يشكل نقطة الالتقاء بين مدينتَي رام الله والبيرة (شرقاً وغرباً)، ويُعرف على أنّه «مركز المدينة» طرأت عليه تغييرات عدّة:
أقيم في عهد الحكم الأردني للضفة الغربية، في خمسينيات القرن الماضي، «دوار» بسيط وجميل، يشكل عقدة المواصلات للمدينتين الشقيقتين (رام الله والبيرة)، يتوسّطه عمود حجري، في أعلاه إضاءة كهربائية، وفي الأسفل بضع شجيرات ذات ارتفاع بسيط، وفي أسفل العمود تماثيل لرؤوس أسود يتدفق الماء من أفواهها على شكل نافورة تصب في حوض مائي يسقي النباتات المحيطة به. ويذكر أن تماثيل رؤوس الأسود قام بنحتها في حينه النحّات أبو الصادق غنيم من رام الله.
في ثمانينيات القرن الماضي، قامت سلطات الاحتلال الإسرئيلي باجتثاثه، لتقيم بدلاً منه وفي جواره، مثلثات «مرورية» شبيهة بالقبور، في تشويه لمعالم المدينتين التوأمين، لأسباب اعتُبرت حينها أمنية، لتسهيل حركة السيارات العسكرية الاحتلالية لمطاردة المتظاهرين، ولمحو تاريخ يعتزّ به أهالي المدينتين.
على دوار المنارة هذا، أقيمت وتقام العديد من الفعّاليات الوطنية، ويتم تنظيم «وقفات» احتجاجية، ضد أو مع، أو تضامناً مع جهة ما، وذلك لتوسطه المدينتين، في محاولة لجذب الانتباه إلى تلك الفعّاليات.
بعد قيام السلطة الفلسطينية، أجريت تغييرات جديدة على الميدان، إذ أعيد الشكل الدائري إليه، مع وضع عمود حجري تعلوه إضاءة بالليزر، وجرى وضع تماثيل حجرية لأُسود خمسة، تمّ نحتها في الصين، مختلفة الأحجام، ترمز إلى عائلات رام الله الخمس، مع بعض النباتات في المكان، ولكن من دون «نوافير ماء»، ويحيط بها «سياج» حديدي، وتمّت زراعة بضع أشجار نخيل غير مثمر بالقرب من المكان، للزينة وتحسين مظهر الميدان.

برج الارسال


المنارة قديما


بعض الفنانين والمهندسين، اعتبر الشكل الجديد للمنارة تشويهاً فنياً وهندسياً، لا يتناسب ولا يتواءم مع مكان وتاريخ المدينتين.
على جانبَي شارع الإرسال عند بدايته قرب المنارة، تربض عمارات قديمة، يعود تاريخها إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ويُعتبر فرع «البنك العربي» أحد أهم معالمها. وعلى بعد أمتار قليلة من المنارة، على جانبَي الشارع الذي تتقاسم مدينتا رام الله والبيرة صلاحية إدارته وملكيته، كانت تنتشر المنازل السكنية، ذات الحدائق الجميلة الخضراء.
على بعد عشرات الأمتار، على يمين السائر بعكس اتجاه المنارة، كانت بناية قديمة، ذات سقف قرميدي أحمر، ومدخل ذو ممرّ تحفُّه أشجار الصنوبر المعمرة، تدعى «فندق حرب»، وتنتشر عشرات أشجار الصنوبر الباسقة في حديقته، ذلك الفندق الذي زاره في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عدد من الفنانين العرب، وأقاموا الحفلات الغنائية في رحابه.
ذلك المكان، أجهزت عليه «يد التغيير»، بعد شرائه من أحد أثرياء المحافظة، فاجتُثت كل أشجاره المعمرة، وسُوّيَت بالأرض بنايته التاريخية، ليصبح مكاناً لوقوف السيارات بالأجرة (باركينغ)، لتختفي منه الخضرة والظل، وليصير مكاناً كئيباً، بأرض سوداء (معبّدة)، وسماء مكشوفة تحت لهيب الشمس.
إلى الشمال من «فندق حرب» وبمحاذاته، كانت بناية سكنية جميلة، ذات بستان مزروع بالأشجار، ترتاده العصافير نهاراً، وتسكن إليه ليلاً، ثمّ أقيمت بناية «ضراغمة»، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، والتي اعتُبرت في حينه، أضخم عمارة في المدينتين، لتصير في ما بعد (التسعينيات وما بعدها، بعد قيام السلطة) عمارة أقلّ من عادية.
وفي الاتجاه نفسه، كان في حديقة متواضعة منزلٌ متواضع، قبيل «فندق حرب» بأمتار قليلة، أقيمت على أنقاضه عمارتان شاهقتان، هما عمارتا «الأعرج» و«الهندي»، ذواتا الطوابق المتعددة التي تنتشر فيها المكاتب والعيادات الطبية، ومرافق أخرى، وفي أسفلها على الشارع مباشرة، محالّ تجارية.
وفي ذات الاتجاه، بعد عمارة ضراغمة، كانت قطعة أرض خالية، أقيم عليها أخيراً «عياش مول»، ليلاصق عمارة «النجمة مول»، التي أقيمت على أنقاض بناية سكنية كان يعلوها القرميد الأحمر القديم، في الطابق الثاني، وفي أسفلها شقة سكنية لها ممر يوصلها إلى الشارع الرئيس، وذات حديقة جميلة.
الطابق الثاني المسقوف بالقرميد، سكنته شقيقتان مدرّستان، تنتميان الى عائلة نسيبة في القدس، وقد جرى هدم البناية ليلاً، تحت جنح الظلام، لترتفع مكانه لاحقاً بناية شاهقة بطوابقها المتعددة، لتلاصق عمارة «الماسة» التي أقيمت قبلها، ولتمحو العمارتان بذلك كل أثر للبناء القديم بحديقته وأشجاره، والعمارتان الضخمتان تقابلان مسكني، حيث أشاهدهما عند خروجي من منزلي وعودتي إليه، متذكراً ذلك البيت الجميل في مكانهما.
وحده، «فندق قصر الحمراء»، ببنايته التاريخية القديمة الفائقة الجمال، ما زال صامداً في ذلك الجانب من شارع الإرسال.
أما في الجهة المقابلة من الشارع، بدءاً من المنارة، باتجاه «المقاطعة»، فلم تكن سوى «عمارة شنارة»، ذات الطوابق الثلاثة، وفي أسفلها محالّ تجارية، تضم مطعمَي «الاقتصاد»، و«الوطني» المطلّين على الشارع.
في أرض «خراب»، أقيمت إلى جانبها عمارة «أمية» التي اعتُبرت في حينه من أكثر بنايات المدينة ارتفاعاً، بطوابق لا تزيد على الخمسة.

برج فلسطين 2


شارع الارسال قديما


كان يجاور تلك الأرض، بيت قديم بسقف قرميدي، استخدمه أحد أطباء المدينة، بيتاً وعيادة طبية، ذلك الطبيب الذائع الشهرة في حينه الذي كان معروفاً باسم «المسكوبي»، نظراً إلى أصوله التي تعود الى موسكو في روسيا، كان من هواة الصيد وتربية الطيور، إذ أقام لها قفصاً أمام عيادته، وكان واحداً من خمسة أطباء، هم كل من في رام الله من أطباء حتى ذلك الوقت (الخمسينيات، وبداية الستينيات).
على أنقاض بيت «المسكوبي» وحديقته، أقيمت بناية «عمارة حنانيا وخراز»، في سبعينيات القرن الماضي، التي حصلت، استثنائياً، على ترخيص من بلدية رام الله بأن تكون ذات طوابق خمسة، وهي مشيّدة من الباطون، إذ لا يسمح النظام والقانون في بلديتَي رام الله والبيرة بإقامة بناء غير حجري، للمحافظة على الطابع المعماري لهما. وفي المكان ذاته، بيت «المسكوبي» وحديقته، تقام الآن بناية يُتوقع لها أن تكون ذات طوابق تزيد على العشرة.
وفي ذات الاتجاه، الجانب الأيسر من شارع الإرسال باتجاه «المقاطعة»، تقام الآن أيضاً بناية ذات طوابق لا تقلّ عن العشرة، مع مواقف للسيارات تحت الأرض بخمسة طوابق، مكان بيت وحديقة العسعس، لتلاصق عمارة «مخماس» في الجهة الشمالية، وعمارة سردا، في الجهة الجنوبية، وتمتد ما بين شارعَي الإرسال والمعمدانية.
تلك العمارات التي أقيمت أيضاً مكان منازل وحدائق وبساتين تمّ هدمها و«جرفها»، لتغيب عن ذاكرة الأجيال الناشئة، التي لا تعرف عن تلك الأمكنة، سوى ما هو قائم من عمارات تجارية و«مولات».
أما بيت «الينّي» الذي كان يقع أسفل الشارع، في الاتجاه نفسه، بحديقته ودرجه الموصل إلى الشارع، فقد اختفى هو الآخر، لتقوم في مكانه عمارة «الإسراء» التي صارت أحد معالم شارع الإرسال، وتمتد ما بين شارع الإرسال وشارع المعمدانية المقابل له من الجهة الغربية.
إلى جانب عمارة الإسراء من الجهة الجنوبية، أقيمت عمارة «شهاب سنتر»، في مكان بيت قديم مهجور، وهي تمتد أيضاً ما بين شارعَي الإرسال والمعمدانية.
كان يجاور عمارة الإسراء من الجهة الشمالية، إلى عهد قريب، بيت «دار عقال»، ذو الحديقة التي تمتد من شارع الإرسال إلى الشارع الموازي له (شارع المعمدانية)، لتربط بين الشارعين، وقد تم بيع البيت إلى أحد المستثمرين الذي قام بهدمه، وتحويله الى موقف للسيارت، تمهيداً لإقامة بناية تجارية ضخمة في المكان.
إلى شمال بيت «دار عقال»، كانت تقع بنايتان، إحداهما تتألف من طابقين وتسوية، بثلاث شقق، والأخرى من طابقين وتسوية، بخمس شقق، تملكهما عائلة «ركب» وتسكنهما، وقد جرى هدمهما من قبل مالكهما، ثم بيعت الأرض مكانهما لمستثمر من المدينة، حوّل الأرض إلى موقف للسيارات، تمهيداً لإقامة مجمع تجاري في وقت لاحق، وهما تحدّان منزلي من الجهة الجنوبية، ويفصل ما بين البيتين (بيت عقال وركب) درج يربط شارع الإرسال بشارع المعمدانية.
بهدم البنايتين السالفتي الذكر (بيت ركب)، لم يبق صامداً في المكان في خط الدفاع أمام زحف الحجارة والباطون والعمارات الشاهقة، سوى بيتي (المستأجر) القديم الذي تعود ملكيته إلى عائلة «البجالية» من حامولة الحساسنة في رام الله، وأسكنه منذ عام 1971، والذي لن يصمد طويلاً أمام إغراءات البيع وإنشاء المجمعات التجارية.

قصر الحمراء في شارع الارسال



نموذج من بنايات تيجرد في فلسطين


هذه التغييرات فقط في مقطع الشارع ما بين المنارة و«المقاطعة». أما بناية «المقاطعة»، فهي الأخرى لحقتها التغييرات:
كانت في الأصل بناية من الباطون، بلونٍ أصفرَ كالح، أقامتها سلطات الانتداب البريطاني لتكون مقراً لها، وأقامت بنايات أخرى مشابهة من حيث الطراز الهندسي في كل مدن فلسطين الرئيسَة، عُرفت باسم بنايات «تيجرد»، نسبة إلى المهندس الإنكليزي الذي صمّمها.
سلطات الحكم الأردني أقامت فيها بعد ضم الضفة الغربية في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي، وكانت مقراً «للقائمقام» والمحكمة العسكرية وعدد محدود من أفراد الجيش الأردني، وكان فيها سجن صغير، استخدمه البريطانيون إسطبلاً للخيول. وبعد عام 1967، أقامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مقرها الرئيس لمنطقة رام الله فيها، فصارت مقراً للحكم العسكري لمنطقة رام الله، ومقراً للمحكمة العسكرية، وحرس الحدود، إضافة إلى احتوائه على السجن، وبعض وحدات جيش الاحتلال، وحرس الحدود.
بعد إقامة السلطة الفلسطينية، اتخذها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مقراً له، فأضيفت إلى المكان بعض المرافق الضرورية، وتمّ نقل السجن إلى مكان آخر، وصارت تُعرف على أنها مقر الرئاسة الفلسطينية. وقد قامت قوات الغزو الإسرائيلي، في عام 2002، بمحاصرة المقرّ وقصفه وهدم معظم بناياته بالجرافات، في عملية «السور الواقي»، وصولاً إلى غرفة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وبقي على هذا الحال سنوات عدة، شاهداً على همجية الاحتلال الإسرائيليّ.
بعد تولي محمود عباس الرئاسة، تمّت إزالة الأجزاء المتهدّمة، وأُعيد تأهيل المكان وتوسيعه، وأضيفت إليه حديقة من الجهة الغربيّة، على شارع الإرسال، وبعض المزروعات الأخرى للزينة في الداخل، كما ضمّ ضريح الرئيس الراحل عرفات، وأخيراً متحفاً يحمل اسمه.
وبهذا تغيّرت معالم المكان كلياً، ولم يبق أثر للبناية «الإنكليزية». أما ما بعد «المقاطعة»، وهي منطقة كانت حتى قيام السلطة الفلسطينية قليلة البناء، وتُعتبر نائية نسبياً، وحركة الناس فيها قليلة، فقد طرأت تغييرات كبيرة أيضاً، إذ أقيم برج فلسطين، وهو أعلى عمارة تجارية في الضفة الغربية، إذ يبلغ عدد طوابقه فوق الأرض 13 طابقاً، ويضم بين جنباته الكثير من المكاتب والمصالح التجارية، إضافة إلى سينما حديثة، وفندق باسم «بلازا فلسطين»، ومحطة راديو باسم «البرج F.M» ومطعم دوّار في طابقه الأخير، حيث يمكن للجالس مشاهدة معظم أحياء مدينتَي رام الله والبيرة، بسبب دورانه الذي لا يكاد يُلحظ.
بعد «برج فلسطين»، أقيمت العديد من البنايات السكنية والتجارية، لعل أشهرها بناية سلطة النقد، وبرج عمار، ومقر شركة كهرباء القدس، وعمارة السفينة، وفندق «بست إيسترن» الذي يقع في نهاية الشارع.
خمسون عاماً مرّت، وأنا شاهد عيان على التغييرات الدراماتيكية، المحزنة والمفجعة، التي تتالت على شارع الإرسال، لتحوله من شارع هادئ تنتشر البيوت القديمة والبساتين على جانبيه، وكان البعض يطلق عليه اسم «شارع العشاق»، وتظلّله الأشجار الحرجية من على جانبَيه، إلى شارع يغصّ بأكوام الحجارة والباطون، بمسمى «مولات ومجمعات تجارية»، لتنتزع منه روح الجمال، وتسلبه هدوءه وانسياب الحركة فيه بسهولة ويسر.
ليست مجرد تغييرات على الجغرافيا والديموغرافيا تلك التي حصلت لشارع الإرسال، بل واكبتها تغييرات حزينة أكثر، هي سلوك الناس وعلاقاتهم، فبعدما كان هذا الشارع، وغيره من شوارع المدينة، مثالاً للنظافة والأناقة، صار منظر النفايات في جنباته وعلى أرصفته شيئاً «عادياً»، ويقطعه المارة من أحد أرصفته إلى الجانب الآخر، من أي نقطة، من دون مراعاة حتى لسلامتهم، في واحد من المؤشّرات على الفوضى. وبعدما كان رواده والمارّون فيه، يعرفُ بعضُهم بعضاً، في الغالب، صار الناس غرباء عن بعضهم، وبسلوك أقل ما يقال فيه بأنه «عدوانيّ وغير مؤدّب».
هل هي «ضريبة» الحداثة المشوّهة، التي تدفعها رام الله، المدينة التي كانت هادئة وادعة، ببيوت ذات طابق واحد أو اثنين، بسقوف قرميدية وبساتين غنّاء، فصارت تعجّ بالناس والصخب والسيارات، وغابات الإسمنت (البنايات الشاهقة)، وأكياس النفايات البلاستيكية المتطايرة في سمائها، ومظاهر شراهة رأس المال؟

* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا