«الأزمة الحقيقية للكتاب العربي تتلخّص بكلمة واحدة مزدوجة، الحرية- الرقابة... فما دام الكتاب يُعامل في العالم العربي من أدناه إلى أقصاه معاملة المخدّرات ويُعامل مؤلِّفه معاملة المهرّب ويُعامل ناشره معاملة الإرهابي ويُعامل قارئه معاملة اللص، فلا أمل لهذا العالم العربي بأن يلحق بركب القرن الواحد والعشرين». برحيل رياض نجيب الريس، غاب ناشر الكتب الأنيق صاحب المقولة الشهيرة: «أنا ناشر ولست بطابع كتب» ومنتهك المحرّمات في النشر والصحافة. الرجلُ شغف بالصحافة التي اعتبرها متعته الشخصية، وكان يفخر بالانتماء إلى فترتها الذهبية من منتصف ستينيات القرن الماضي حتى بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥.


(مروان بوحيدر)

هو الذي نفى في إحدى مقابلاته تواضعاً نسبته الى «جيل الرواد»، بل صنّف نفسه تلميذاً نجيباً لقطبين علَمين في «مهنة المتاعب» هما كامل مروة في «الحياة» الذي خاصمه سياسياً من موقعه العروبي، وأُعجب به مهنياً وأتاح له مروة فرصة السفر إلى فييتنام كأول مراسل حربي عربي، وغسان تويني في «النهار» الذي اعتبره الريس مايسترو الصحافة اللبنانية وأخذ به كمفكّر وبتجربة آل تويني في «النهار»، عند تقديم «القبس» التي أشرف عليها والده نجيب الريس توأماً للجريدة البيروتية في الشام. من المهنة «الشغف»، انتقل رياض الريس إلى مهنة نشر الكتب، «مهنة لقمة العيش» كما أسماها. بعد مغادرته لبنان إلى لندن مطلع الحرب الأهلية وإصداره في مدينة الضباب جريدة «المنار» عام ١٩٧٧، عاد المشاكس إلى بيروت ليعلن عن مشروع «دار رياض نجيب الريس للنشر» عام ١٩٨٦. تحدّث لاحقاً حول مشروع تأسيسها وعن النقلة من الكتابة إلى إنتاج الكتابة: «فشلت في تحقيق مشروعي الصحافي. فشلت في أن يكون لي دور ككاتب مؤثر في الصحافة اللبنانية. نجحت جزئياً كناشر. لكن هذا لا يرضيني. أنا صحافي. النشر هو وسيلة لتأمين العيش. هذا ندم مهني. ندمي الشخصي أكثر مرارة بكثير. لقد عدت إلى بيروت بحنين عاشق لامرأة تركها ربع قرن، ظانّاً أن الزمن لم يغيّرها. رغم الصدمة، حاولت أن أغفر لها. ثم اكتشفت أن التغيّر أكبر من لهفتي وحنيني».
«دار رياض الريس» أتحفت المكتبة العربية بمؤلفات محمود درويش، وزكريا تامر وفاضل الربيعي وجوزيف حرب وعزيز العظمة والصادق النيهوم وصولاً إلى الكتب الممنوعة من الرقيب العربي، كالنصوص المحرمة لأبي نواس و«نزهة الخاطر» للشيخ النفزاوي... اعتمدت الشعار ذاته الذي اعتمده صاحبها في الصحافة: لا بديل من الحرية. المتنوّر المشاكس لم يدخل على حدّ قوله في حزب أو حتى نادٍ رياضي وإنما اعتمد على فرديّته وحريّته في مهنة النشر، أجرى في أحد كتبه حديثاً صحافياً مع الإمام علي، ووفّرَ فضاءً من الحرية غير المشروطة للكتّاب المنضوين في مشروع الدار التي رفعت في أحد معارض الكتاب شعاراً يختصر حال الثقافة اليوم: «من واشنطن إلى قندهار، الرقابة في ازدهار».
نشرت داره الأعمال الممنوعة كنصوص أبي نواس و«نزهة الخاطر» للشيخ النفزاوي

كان يؤمن من موقعه المنتهك للمحرمات الثقافية أن «الثورات لا يصنعها السياسيّون، بل الكتّاب، تماماً كما صنع كتّاب فرنسا وفلاسفتها في القرن الثامن عشر الثورة الفرنسيّة». مجلة «الناقد» الثقافية التي أصدرها الريس عام ١٩٨٧، أراد منها الابتعاد عن الكتابة السياسية. كانت من المحطات الأبرز في سيرة صاحب «مصاحف وسيوف» و«صحافي ومدينتان» و«المفكرة الأندلسية»، ليعود ويكتشف أن السياسة منغمسة في صميم العمل الثقافي والإبداعي، فأراد «الناقد» مجلة عربية علمانية منفتحة متجهة بتوجيه صلب ضد الفكر الأصولي أينما وُجد. المجلة التي ضمّت في كتابها كوكبة متنوعة ومتنوّرة من الشعراء والروائيين والكتّاب من أجيال مختلفة، من أنسي الحاج ونزار قباني ومحمد الماغوط وزكريا تامر والصادق النيهوم وغيرهم، قدّمت ما يربو على ١٢٠٠ كاتب جديد لم يكتبوا من قبل، وأربعين رسّاماً تشكيلياً، وخاضت الكثير من المعارك من ضمنها معركة الدفاع عن حق سلمان رشدي بنشر كتابه والتي صدّرها رياض الريس بجملته الشهيرة «إن كلّ كتاب يُحرَق يضيء العالم». اعتمدت «الناقد» التي استمرت لسبع سنوات على استراتيجية ثلاثية الأبعاد: كاتب جريء وناشر ملتزم بأعلى المعايير المهنية وقارئ متنوّر. المجلة التي كانت تصدرها بيروت مدينة النور ومختبر الحداثة العربية إلى كل العواصم المجاورة، لم يتأخر الرقيب في أن يقطع عن توزيعها الماء والهواء، ما أوصل رياض الريس إلى قناعة اختصرها في جملة مقتبسة عن عبارة الماغوط: «التفاؤل ليس مهنتي». هكذا، انطفأت شعلة «الناقد» وهي من المجلات الثقافية القليلة التي صدرت عن دار عربية خاصة ولم تخرج من ضلع وزارة ثقافة عربية أو من تحت أختام «المتطوّعين». لطالما قدّم رياض الريس مؤسسته على «أنها تقدم الكتب المثيرة للجدل»، وبرحيله فقدت الثقافة العربية «آخر الخوارج».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا