ليست هذه منامات جماعيّة. لكن إن كان لا بدّ من الحديث عن نوم جماعي، فسنعثر عليه في رؤوس النيام. ركام كثير ما زال يتداعى فيها كلّ ليلة، منذ انفجار الرابع من آب. الفارق أن مشاهد كهذه لا يتشاركها الجميع كما حدث في فيديوهات لحظة الصفر. لا خيارات كثيرة أمام النائم. عليه أن يتقدّم نحو خوفه بمفرده. يهرب الرأس وينكفئ عن ملاقاة البقية. هذه حقائق النوم. إغماض شاقّ، هذا إن تمّ بلوغه بنجاح. في بيروت صور تتقاذفها الرؤوس حتى في الصحو، يؤكّد الحالمون. بعضهم من لم يعُد بإمكانه السيطرة على ألواح الزجاج والغياب والأصوات والدخان في اليقظة والنوم على السواء. كان علينا أن نسأل الآخرين عن مناماتهم التي تتكرّر بلا هوادة كتمرين لصرف مشهد التفجير ولحظاته التالية. بدلاً من مشهد واحد، صارت لدينا أعداد منها. هذا بعض مما ستحفظه بيروت، ومما ستستعيده عيوننا التي ظلّت على المرفأ.


منام
«بيت لم يسبق لي أن رأيته من قبل، لكنه كان بيتي وبيت عائلتي. بيت من البيوت التي تعرفها وتعرف مساحتها، غير أنها تفتقر إلى الألفة التي تجعلها بيوتاً. بدلاً من النوافذ، تمدّدت فجوات سوداء في الجدران. كنت هناك وحدي، لهذا رحت أبحث عن أهلي في الغرف التي بدت أنها لا تنتهي. لم أرَ أياً منهم. عرفتهم من بصماتهم الحمراء التي ارتسمت كشجرة العائلة على الجدران. هذه أصابع ندى، يد أخي بجوارها، استطعت أن أميّز يد أمي أيضاً. أمرّ على الغرف واحدة واحدة، منقاداً وراء صوت شهيق قريب. أجد أبي أخيراً. يظهر بهيئة رجل يكبر أبي بنحو 20 عاماً، يجلس على سرير حديدي. يداه على ركبتيه، ورأسه منحنٍ قليلاً إلى الأمام. تحيطه من كل الجوانب قطع الزجاج المفتّت. خلافاً لخوفي، لم تكن تخرج من جسده نقطة دم واحدة. كان هادئاً ورائقاً، لكنه لم يكن يتحرّك».

منام 2
«اتّسعت حدقتا عيني. ولونهما البني راح يقطر، نقطة نقطة مثل مياه المغسلة. هطل البني وبقي الخوف. وكلّما انهمر من عيني، كان يظهر كسائل شفاف. كأنه لم يكن. أو أنه صُنع من البياض الهائل الذي حلّ مكانهما. أي مجتهد كان سيقول إنه العمى، غير أنني ظللت أرى. رأيت قدمَي المرأة المنتفختين، تجلس في حديقة الصنائع بمفردها، بجانبها عصا ملقاة على طرف المقعد. أنذرتني الدماء السائلة من ركبتيها بأن أمراً وقع، لكن الذباب الحائم حولهما يؤكّد أن وقتاً انقضى على حدوثه. خنقتني الرائحة. سددتُ أنفي، ولم يكن بإمكاني أن أسدّ عيني. أنصاف جثث. أشلاء واضحة، أكثر وضوحاً من جسد مكتمل. رؤوس حيوانات وبشر ملقاة في البركة التي صار ماؤها أحمر. أعضاء مقطّعة. دم في كلّ مكان. كنت الجسد الوحيد الذي يقف على قدميه في حديقة الصنائع».

(مروان طحطح)


منام 3
«وصلتني رسالة تقول إن غازاً سامّاً يسبح في سماء بيروت. كنت سأتجاهلها لو أن الحرقة لم تُصِب عينيّ. يبدو أن الرسالة نفسها وصلت إلى معظم الهواتف على واتسآب لأنها كانت تحمل وسم Forwarded في الأعلى. كنت أقرأها حين بدأت أسمع طرقات قويّة بالقرب من شقّتي. اقتربت بحذر من باب الشرفة ولم أقوَ على التقدّم أكثر. رأيته من وراء الستائر، يضرب زجاج نوافذ شقّته المقابلة بقوّة. بيده مطرقة يتقاذفها بحركة آلية إلى الأمام والخلف. ينهال بها على ألواح الزجاج السميك أمامه. كلّما كانت تهوي، تفتت الزجاج إلى صوت هائل. كان جاري يكرّر ضرباته من دون أن يرفّ له جفن. بدا كمن يلبس درعاً خفيّاً يمنع عن جسده الإصابة بالزجاج. وحين مال قليلاً لمحت على ظهره علبة أوكسيجين مثل تلك التي يضعها الغواصون. كان مستعدّاً لمواجهة الغاز وحده».

منام 4
«لا أرى وجهاً ولا يداً، ولا جسداً. أسمع صوت إطلاق رصاص في الخلف. أقف لثوانٍ لا أعرف فيها ماذا أفعل. إذا قرّرت الهرب، ربّما أدفع ثمن هذه المحاولة فوراً. وإذا وقفت مكاني، ستصيبني رصاصة لا محالة. أنظر إلى السماء. لا نجمة تظهر لي، ولا حتى غيمة واحدة. حمّلوا الأطفال بنادق، وتركوهم يلعبون بها. أشعر أنني عالقة بين الرغبة بالتقدّم وبين البقاء، ولا أفعل شيئاً. أحني رأسي فحسب. أقرفص وأحدّق باتجاه واحد ولا أقشع. تمدّدت السماء إلى الأرض والأرض إلى القعر. كلّها صارت طبقة واحدة بلون العتمة. أعرف أنني لن أنجو. هناك من يسعى إلى قتلي، ولا أرى وجهه... أختنق حتى قبل أن أُصاب. أختنق من غياب الهواء. أختنق من الخوف، ومن انتظار الرصاصة التي تهدّدني باستمرار ولا تأتي».

(مروان طحطح)


منام 5
«منذ ليلة الانفجار، أغلق عينيّ لساعات ولا أغفو. مع هذا، لم يعفِني الصحو من المنامات. منامات غيري التي كنت أشاهدها أو أشاركهم إيّاها بطريقة ما. لأن صمتاً طويلاً يخيّم على أيّامنا، صارت تأتينا جلبة النهار المكتومة في الليل. في وقت متأخّر، يتحوّل أفراد عائلتي إلى كائنات صوتية. تموء أمي بخفوت كقطة جائعة للحظات. صرت أنتظر هذا المقطع من نومها. أشعر أحياناً أن معارك تدور في رأسها طوال الليل. يعود المواء بعد دقائق، من دون أن تنجح في العثور على ما يبدّدها.
كانت كلّ الأصوات محتمَلة، حتى إنها صارت تؤنسني في الليالي التي لا تنقضي. حفظت تواقيتها. حزرت الغرفة التي يخرج منها الصوت. أكثر الليالي رعباً كانت عندما صرخ أخي صراخاً مُرتفعاً. كان لا يزال مغمض العينين. هززتُه مرّات لكي يستفيق. لكن هناك ما كان يمنعه من ذلك.
شعرت حينها أنني في مواجهة مع حلمه مباشرة. إما أن أنتصر أنا فيصحو أخي أو أخسر فيظلّ غارقاً فيه».
كنت الجسد الوحيد الذي يقف على قدميه في حديقة الصنائع


منام 6
«كنا كثراً. نتّجه نزولاً من أحد الشوارع المؤدية إلى كورنيش المنارة. عشرات الوجوه التي لا أعرفها كانت تسير معنا. فقط ياسمين وريم أميّز وجهيهما من بين كلّ الماشين. أسير بينهما، وألفّ يديّ حول عنقيهما. لا أعرف إن كان هذا تعب المشي الطويل، ما أعرفه حقّاً أن التعب كان عالقاً في حناجرنا حين كنا نردّد أغنية نعرف لحنها، اعتدنا على غنائها معاً في المظاهرات. ردّدناها هذه المرّة أيضاً، من دون أن ننجح في العثور على كلّ كلماتها، ولا في الثبات على اللحن الذي كان يتكسّر في نهاية جملنا.
لحن أقرب إلى الشكوى. كلّما اقتربنا من البحر، كان هديره يعلو. ألوان كثيرة اختلطت لتصنع لونه هذه المرّة. كان رمادياً كثيفاً، يختلط بالبرتقالي وبألوان أخرى. الغريب أنّه ظلّ شفافاً. صحوت عندما كان البحر يهمّ بالهجوم علينا. استفقت وحدي كي لا أغرق».

منام 7
«سمعت أمي تتهامس مع جارتنا وتعطيها خرقة بيضاء تلفّ بها شيئاً مهمّاً يجب أن يبقى آمناً. لم أعرف ما هو، غير أنها كانت خائفة عليه من البقاء في البيت. كنا على وشك أن نخسر بيتنا. رافقني الشعور بفقدانه طوال المنام، مع أننا كنا نقف فيه. تنبّهت بعد لحظات إلى أن الخرقة فارغة، وكان على أمّي أن تملأها. راحت تقوم بإيماءات مُتردّدة. رفعت يدها إلى وجهها مرّات متتالية. قرّبت أصابعها من عينها. ما أذهلني أنها سحبتها ثمّ وضعتها في الخرقة نفسها. انتزعت أذنها أيضاً، ثمّ أنفها ووصلت إلى شفتيها. تلتها حركات اقتلاع عدّة. رحت أرتجف حين عرفت أنني تأخّرت عن القيام بأي شيء لأحميها. أذكر أنني نظرت إلى أمّي ولم يكن لها أي وجه، فقد تركته بين يديّ جارتنا».

منام 8
«مشيت مع ربيع في طريق مليئة بالتلال الرمادية. تلال مصنوعة من الرماد المكوّم. لكي نعبر، كان علينا أن نصعد عليها. لم يكن الرماد طريّاً. ولم تخلّف دعساتنا عليه أيّ أثر. رماد بصلابة الإسفلت. تمكّن ربيع من اجتيازها. كانت قدماه ثابتتين. وأنا علقت في الأسفل بعد محاولات عدّة. خارَت قواي وبدأت أسقط على ظهري، إلى أن بلغت الأرض. كان عليهم أن يرفعوني. جرّبوا بأيديهم لكنني لم أقم. أحضروا رفشاً وبدأوا يدفعوني إلى الأعلى. أظن أنني بقيت ممدّدة طوال الحلم. ظلّ الثقل عالقاً على جسدي حين صحوت، ولم أشعر بأيّ رغبة في النهوض».

أذكر أنني نظرت إلى أمّي ولم يكن لها أي وجه، فقد تركته بين يديّ جارتنا


منام 9
«لا بداية ولا نهاية له. مشاهد متقطّعة. لا أعرف كيف يأتي ومتى يختفي. يندلع انفجار هائل. يكون قريباً إلى درجة أنني أحترق. يصعب أن أميّز إن كنت أراه أثناء النوم، أم في اليقظة. كلاهما حارق. تراءت لي النيران مراراً. يصلني اللهب أينما كنت. حرائق على جلدي ووجهي، وفي كلّ ما يحيط بي. أرى أهلي ينتحبون ويبكون. عرفوا أنني تفجّرت وحدي. يتكرّر المشهد باستمرار، ولا ينتظر أن أغمض عيني لكي يجيء».

منام 10
«اختبأتُ في الباحة الخلفية للمنزل مع جارتنا المجنونة. مكثنا لوقت هناك. جارتنا التي كنت أتفاداها حين كنا أطفالاً، كانت معي الآن وحدنا. كنا محاصرتَين. عندما اقتربت السيارة من باحة المنزل، احتميت بجسدها الممتلئ وأغمضت عيني. دخلت علينا من دون إنذار. بعدها لم أرَ جارتي إلا في صندوق السيارة الذي ظلّ مفتوحاً. حصل كلّ شيء بسرعة. كانت تلوّح لي بيدها وتطلق ضحكتها المألوفة، بينما لفّها دخان كثيف حتى اختفت عني. بقي صوت الزيت المغلي يرتفع. ظهرت مكانها ثلاث دجاجات تدور سريعاً برؤوس طافية على سطحه. كان قد خفت الدخان وعاد مجدّداً. ارتجّت الأرض للحظات وتشظّت السيارة أمامي».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا