ترتمي بيروت بين حالتين متناقضتين في معرض «ومن ثم السكون» لمحمد المفتي في «غاليري 392رميل393» (الجميزة ــ بيروت). لن ننتظر أن يدلّنا أحد على المدينة، سنرى مداها المقفل بالمكعّبات الاسمنتيّة. هناك اقتراحات للعاصمة اللبنانية بمشهديّات مختلفة، ستقودها إلى السكون في النهاية. تأمّلات وتوثيق لمدينة انكفأت مع انتشار وباء كورونا. انكفاء يزداد وقعه ما إن يتجاور مع صخب بدايات الانتفاضة اللبنانية كما تصوّرها بعض لوحات المعرض التي تُظهر حشداً بشريّاً. منذ ثماني سنوات، بدأت إقامة الفنان والمعماري السوري في بيروت. عاد في هذه الفترة إلى الشام من خلال لوحاته في معارض فرديّة وجماعيّة عدّة. في معرض Anamnèse الذي أقيم في باريس بداية السنة الحاليّة، حاول بناء ذاكرته هناك عبر مشاهدات وعمارات، تطلّ على مؤسّسات سوريا التعليمية والثقافيّة التي لا تنجو من أثقال البلاد السلطويّة بأكملها، بل تتحوّل في لوحته إلى ما يشبه نصباً لهذه السلطة. لكن حالة سوريا، ومساحة الذاكرة بكلّ ما تكتنزه من صدمات وندوب، أتاحتا له التلاعب بالعمران، واقتراح تكسّرات شكليّة له، تجريديّة أحياناً، يتبدّل الأمر قليلاً في بيروت، رغم أن عين المعماري وأدواته حاضرة في رسم المشهديات التفصيلية. يختار المفتي من بيروت أبنيتها ونصبها كمسرح للأحداث المتسارعة التي ألمّت ببيروت منذ 17 تشرين الأوّل حتى بداية الحجر المنزلي. زمنياً، تُراوح الأعمال بين هاتين الفترتين، لكن بعض اللوحات تبدو كحالات ثابتة للمدينة، ولتناقضاتها اليوميّة، ولمصير العمارات المحتّم أمام المشاريع الجديدة.

يبدو الفنان مأخوذاً بالتوثيق، بتفاصيله ومناخات المدينة التي يُضفي إليها عناصر متخيّلة تأتي كسيناريوهات تختصر هذه المرحلة. يرسم ساحة الشهداء الفارغة، بديكوراتها وبعض البالونات التي تطير بالحواجز الإسمنتيّة في وسط بيروت. الإسمنت نفسه الذي سيتكدّس على الواجهة البحرية ليخفي البحر تماماً، بينما يظهر منه رذاذ الأمواج فحسب في لوحة «أفق بيروت». بلجوئه إلى الألوان الزيتيّة والأكريليك، يتخذ المفتي توجّهاً تفصيلياً دقيقاً وواقعيّاً لبيروت بما يشبه الصور الفوتوغرافيّة عن بعد، إلا أن الاقتراب من اللوحات سيُظهر البقع اللونية الداكنة، والسائلة أحياناً، وخصوصاً في المشاهد المَدينية العامّة من الانتفاضة، مثل لوحة تتقفّى تظاهرة اللبنانيين إلى القصر الجمهوري. ينتقي المفتي من التظاهرات هذه اللحظات المكثّفة، والطافحة في سيرة بيروت.

«نظام محطّم» (زيت على كانفاس ــ 150×150 ـــ 2020)

حضور العمران، لا يمكن أن يكون اختصاراً مختزلاً للوحات، إذ أن هناك مستويات عدّة من الأبنية التي يرسمها المفتي. إنها نصب تكتنز فترات وتحوّلات شهدتها بيروت خلال عقود. ماذا يقول الإسمنت والحديد، وصلابة المواد العمرانية على سطح اللوحة؟ بتوثيقه لها، يقوم المفتي بما يشبه قراءة سياسية واجتماعية للمدينة. يقتصّ أحياناً بعض الأبنية، ويعزلها عن مشاهدها العامّة، لتظهر كبورتريهات لهذه المباني. نرى معمل البيرة الذي هُدم في مار مخايل. تأتي إعادة رسمه بمشهده المكتمل، تخليداً لوجه من وجوه المدينة الآفلة. نرى أبنية عشوائيّة في الأحياء، أبنية ذات خاصيّة عمرانية، لكنها متروكة على هامش مدينة لا مكان فيها إلا للعمارات الشاهقة والمتشابهة على حساب كلّ ما له علقة بالذاكرة. بهذه الطريقة، تصنع بيروت غربة قاطنيها باستمرار. هناك مبنى «فورد»، وقصر بشارة الخوري في البطركية... يرسم على خلفيات بيضاء، لكن حالة السكون تلك لن تطبع العمارات المهمّشة وتلك المهدّدة بالزوال فحسب. يتلاعب المفتي بحالة العمران. إذ يخلخل أبنية أخرى مثل مبنى «بنك البحر المتوسّط»، في دلالة على الأزمة الاقتصاديّة التي كشفت هشاشة هذه المؤسسات والمصارف.
ميل اللوحة إلى السكون لا يأتي بفضل كورونا فحسب، بل من ثبات العمران نفسه وخصوصاً حين تتخلّى اللوحة عن أيّ عناصر أخرى باستثناء المشهد المَديني، وهي اللوحات الأبلغ والأكثر كثافة في المعرض. كما أن الركود والخلاء يتزامنان مع لحظة استثنائية هي الأزمة الاقتصادية. الحياة المعطّلة تصل إلى كلّ شيء. ويمكن قراءتها كمستقبل الناس الذين يشعلون الطرقات ويحملون الأواني والأعلام اللبنانية في أعمال أخرى. هنا، تقترح اللوحات معانيَ لا تُحصى للفراغ الذي يبدو أحد العناصر البصريّة الأساسية فيها، إذ تقوم الأعمال على هذا التناقض بين الفراغ والصخب والهدوء والدخان المتصاعد. من ناحية أخرى، يمكننا قراءة هذا الفراغ بمعزل عن سياقه السياسي والاجتماعي، بل كمرادف لحالات وعزلات فرديّة تتوالد في هذه المدينة. انطباع كهذا تمنحنا إيّاه بعض اللوحات مثل أروقة الجامعة اللبنانيّة الخالية من الداخل بألوانها الباهتة. مطار رماديّ معطّل نبتت الحشائش في داخله، متحف يسير فيه شخصان مع ظلّيهما في الداخل. شعور العزلة يبلغ أقصاه في لوحة «حالة الأمكنة» التي تظهّر أبنية يسيل منها الرمادي على الشارع المقفر.
تدرّجات لونية باهتة أبرزها الرمادي بالإضافة إلى تفاصيل معماريّة مثل الضوء والظلال والخطوط المستقيمة


يقلّل المفتي من الألوان التي تأتي كلطخات وسط لوحات تحمل تدرّجات لونية باهتة أبرزها الرمادي. إنه لون بيروت، فضلاً عن الألوان الأخرى التي يظلّ الرمادي حاضراً فيها. مقابل ذلك، يركّز على تفاصيل معماريّة مثل الضوء والظلال بالإضافة إلى الخطوط المستقيمة، بمهارة وقدرة دقيقتين على تشييد مبنى مفصّل على الكانفاس. في لوحة «الحياة: دليل الاستعمال» التي اقتبسها الفنان من عنوان رواية للفرنسي جورج بيريك، نطلّ على مبنى وسكّانه وغرفه الظاهرة. لا بدّ أن هذه اللوحة رُسمت خلال الحجر حيث استحال فعل التلصّص السبيل الوحيد المتاح إلى الحياة. في كلّ غرفة خلف الستائر والزجاج، يمارس كل واحد من السكان يوميّاته ومشاغله العاديّة. في المعرض لا تتجاوز كلّ لوحة بمفردها الظاهر منها. إنها توثيق تفصيلي وحِرَفي ولو أضيفت إليها بعض العناصر الترميزية. لهذا تكتسب الأعمال قوّتها من أنها تأتي ضمن مجموعة من الأعمال تشكّل في النهاية سيناريو شاملاً للمعرض. إلى جانبها، تُعرض في إحدى غرف الغاليري، مجموعة من الاسكتشات السريعة بالحبر الهندي للعمارات كمشاهد تجريدية، تمنحنا فرصة لرؤية لوحات المعرض بحالاتها الأولى.
من بين كلّ الأعمال، يفرد الفنان ثلاث لوحات للحضور البشري المباشر. تحت عنوان «عصفوريّة» هناك ثلاثة بورتريهات متجاورة للوجه نفسه. تتبدّل الملامح والتعابير المصدومة وتلك التي تكاد تقترب من الجنون على وجه الرجل بقبعاته الملوّنة. وإن كانت هذه البورتريهات هي الوحيدة في المعرض، فإنها تحوي كلّ الكثافة التعبيرية للحالات المتناقضة التي كنا قد شاهدناها مسبقاً.

* «ومن ثم السكون»: حتى 18 تموز (يوليو) المقبل ــ «غاليري 392رميل393» (الجميزة ــ بيروت). للاستعلام: 01/567015