إنها من أبرز الروائيات العربيات منذ «الذروة» (2010 ـــ دار الآداب)، حتى آخر أعمالها «قلب الملاك الآلي» (منشورات الاختلاف/ الجزائر و«ضفاف»/ بيروت ــ 2019). رواياتها تفكّك ثيمات ومواضيع عديدة. وفي تجربتها الجديدة، تبرهن الجزائرية ربيعة جلطي أن الرواية قادرة على أن تكون حاضنة للعلوم والمعارف كافة، حين تتوفر لدى الكاتب ترسانة الثقافة الإبداعية والفلسفية واللغوية. في «قلب الملاك الآلي»، تتناول ربيعة جلطي قضايا فلسفية وإشكاليات معاصرة، تتمحور حول الكوارث التي يسببها جنون الإنسان ووحشيته، سواء تجاه الطبيعة أو تجاه أبناء جنسه. ما يشكّل السبق لدى الروائية هو شخصية البطلة، وهي روبوت، أي امرأة آلية. وبذلك تكون جلطي أول روائية عربية تستثمر في ما يسمى بتوحّش «الذكاء الاصطناعي» في عصر التوحش الرأسمالي.

تندرج رواية «قلب الملاك الآلي» ضمن ما يسمّى برواية الخيال العلمي أو الرواية العارفة. ومن القراءة، يتّضح أنّ الكاتبة استعانت بالأبحاث التكنولوجية الحديثة، وقاربت فلسفة الذكاء الاصطناعي وما يتمتّع به من قوة وسلطة تنافس سلطة وقوة الإنسان نفسه الذي أنتجه. كما أن الروائية تعود في كثير من مفاصل عملها إلى استحضار مدارس التحليل النفسي بهدف اعتمادها في الاقتراب من بعض سلوكيات الشخصيات الروائية. فالأخيرة هي عينات من البشر الذين يعيشون هذا الزمن القلق تكنولوجياً وسياسياً وأخلاقياً ومادياً.
استخدمت جلطي طريقة مبتكرة لم يتطرق إليها الأدب السردي العربي من قبل، إذ أسندت البطولة الروائية إلى شخصية من غير البشر. إنّها السيدة مانويلا، الروبوت المجهز بشرائح إلكترونية تمكّنها من القيام بما يقوم به الإنسان، بل تتجاوزه إلى التحكم السريع بكلّ شيء، بل حتى استكناه أفكار الآخرين، وقراءة أفكارهم باستعمالها الرقاقات الإلكترونية المزروعة في جسدها الجميل المتقن. هكذا، تدرك ما يخطّطون له بمجرّد التفكير في ذلك.
مانويلا الحسناء هي من صنع وتركيب شركة «كونسيونس روبوتكس» المتخصّصة في صناعة الروبوتات. وقد قامت العالمة أسيان خلسة بزرع رحم في جسدها، بينما كان الاتفاق أن تُصنع بقلب فقط. مهمة مانويلا هي رصد حياة البشر عن كثب، وتأليف كتاب عنهم. ترصد تفاعلاتهم وسلوكياتهم في قالب فلسفي سردي ممتع، وفي الوقت نفسه غني بمعطيات معرفية تكنولوجية، من دون السقوط في الخطاب «العلموي» الثقيل، الذي يفسد متعة الحكاية.
ضمن لعبة روائية محبكة، تقع مانويلا أسيرة بين سبايا «البردادي» (عناصر النص الروائي توضح أن الكاتبة تقصد بـ«البردادي» زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي الذي تتوقع الرواية نهايته وهو بالفعل ما حدث له، إذ أن الرواية صدرت قبل مقتله بأشهر). ما أن وقعت عينا «البردادي» على مانويلا، حتى فُتن بجمالها، واعتبرها هبة ربانية فسمّاها «ما ناول الله». يقرّر أن ينجب منها خليفة له في الأرض. تقف الروائية هنا عند ظاهرة التسليع التي تتعرض له المرأة من قبل تجار الدين السياسي.
لكن مانويلا التي تشفق على البشر، تأبى إنجاب مخلوق مشوّه نصفه بشري ونصفه الآخر آلي، فتبدو فكرة الإجهاض واردة. ومن هذه المفارقة تحاول أن تقول الكاتبة الكثير، وتقارن ما يقوم به العلم والعلماء في مخابرهم من أجل إنقاذ البشرية والمساهمة في بناء الإنسان، وما يفكر فيه وما يقوم به تجّار الحرب والدين والخراب ومصائر البشر، الذين لا يرون في المرأة سوى جسد للاستهلاك، ويعتمدون على القتل والتجهيل المؤسّس. وهم أنفسهم ضحايا الجهل والكبت والأمراض النفسية التي تسوقهم نحو التوحش. يأوّلون الدين بإخراج نصوصه عن سياقها التاريخي، كجهاد النكاح والفتوحات وما إلى ذلك.
ولتقديم صورة الآخر الراهن في عيون الدواعش المسكونين بحنين إلى زمن الفتوحات، لجأت جلطي إلى توظيف حادثة تاريخية مهمة، حين ألحق جيش شارل مارتل هزيمة بعبد الرحمن الغافقي عام 732 في معركة بلاط الشهداء. فلو انتصر فيها المسلمون، لصارت فرنسا وما جاورها مسلمة. لذا يحلم «البردادي» ويخطّط ويحن إلى إعادة فتح الأندلس انتقاماً من شارل مارتل. لكن بسبب انقسام حدث في صفوفه، تتبدل استراتيجيته الحربية بأن يأمر كلّ تابع له حالم بـ«الدولة الإيمانية الكونية» في أي مكان من الأرض أن يشنّ عمليات إرهابية، في حال أخفقت عملية الانطلاق من مدينة بواتيي الفرنسية للانتقام لعبد الرحمن الغافقي.

تقف الروائية عند تسليع المرأة من قِبل تجار الدين السياسي


أرادت ربيعة جلطي أن تقول إنّ هناك أمماً تعيش لأجل أن تنهض بمستقبلها ومستقبل أبنائها، في حين هناك على الضفة الأخرى أمم أخرى تعيش على الماضي وأطلاله الذي لا يماثل الحاضر ولا المستقبل، ولن يسهم في بناء الإنسان ومواكبة التطور. وفي الرواية شخصيات عديدة لا تشبه الواحدة الأخرى، من بينها شخصية فريدة في تركيبتها وهي سيدة إسبانية من أصل يهودي اسمها «حدة آل ميمون» انضمت إلى صفوف «البردادي» بعدما وهبته كل ثروتها بغية الأخذ بثأر أجدادها وما حدث لهم من قتل وتهجير بعد سقوط مدينة غرناطة عام 1492.
ومن هذه الفكرة بالذات توضح لنا الكاتبة بأن التنصل من الذاكرة ليس بالأمر الهين، وأن الاستثمار في الماضي قد يكون بالإيجاب كما قد يكون بالسلب تبعاً للفلسفة التي تحكم هذا التوظيف أو ذاك. نهاية الرواية أتت عنيفة وبالغة الرمزية، خاصة الخاتمة التي آلت إليها شخصية مانويلا، فهي صورة لمصير الإنسان الذي صرناه. ولعل هذا ما شاهدناه وما نشاهده مع هذا الفيروس غير المرئي الذي يثبت صحة ما ذهبت إليه أحداث الرواية التي توقعت نتائج طغيان الإنسان وتجبره. فرواية «قلب الملاك الآلي» رواية استشرافية للمستقبل الذي يجعل الخيال العلمي يضيء لنا الحقيقة كما نعيشها بكل التفاصيل.
من قرأ الرواية قبل زمن كورونا، لن يشعر بالتأثيرات ذاتها بعد الجائحة. لذا علينا إعادة قراءتها، فهي تزاوج بين الآلة والبشر في زمن الكورونا الفيروس المستجد، وقد تشترك مانويلا وكورونا في مصدر منشئهما وهو البشر أنفسهم.
تمنحنا الرواية مساحة واسعة من الإبداع والجمال والخيال والفانتازيا والبلاغة والسرد المتجدّد الذي يواكب هموم الإنسان. ربيعة جلطي تثبت مرة أخرى من خلال هذا النص التأملي الاستشرافي أنها روائية مجدّدة وقادرة على توظيف شتى العلوم والمعارف في قوالب سردية شيقة معاصرة، بفضل ما تتمتّع به من خيال واسع وقدرات سردية حكائية غنية.