تعتبر سيرورة التاريخ السجل الزمني الذي يدوّن التراث خلال أطواره ليختزل ما أنجزه الانسان خلال احتكاكه بالطبيعة، ثم ما ترتب عن ذلك من افرازات حضارية ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وفنية ومعمارية رسمت ملامح مدن ودول تختلف في مجملها وتتشابه في بعض تفاصيلها. ثم إن التراث يكتسي أهمية في حياة الشعوب لأنه يوثق لذاكرة جماعية مشتركة، كما يقدم تفسيراً وقراءات للحاضر. لذلك رغم ما يعيش العالم على وقعه من مأساة في ظل اجتياح وباء كورونا وحصده أرواح ملايين البشر، إلا أن وزارة الثقافة التونسية عدلت عن فكرة الغاء احتفالية شهر التراث أو تأجيلها، فرفعت شعار الدورة لهذه السنة «أقعد في دارك، تراثك كنز ليك ولصغارك». دورة استثنائية تتمثل في نسخة رقمية هذه السنة في ظل الحجر الصحي الشامل في تونس ثم الموجّه، وقد تضافرت جهود كل مواقع وزارة الثقافة في نقل ندواتها وعرض الأفلام المشاركة في التظاهرة.

تزامن شهر التراث من كل سنة في تونس مع «يوم التراث العالمي»، وتواصل حتى «يوم المتاحف العالمي» ليختتم في الثامن عشر من شهر أيار (مايو).
انطلق شهر التراث في تونس القرطاجية أو كما كانت تسمى قرطاج ثم افريقية -التي أعطت اسمها لقارة برمتها- على منصات رقمية، اعتبرتها وزيرة الشؤون الثقافية شيراز العتيري تمريناً لتحتل تونس مكانتها في العالم الرقمي، ولتكون قبلة سياحية في المواسم السياحية وخارجها.
على امتداد شهر، شملت التظاهرة عدداً من المدن، وتنوع برنامجها بين الندوات والزيارات الافتراضية والعروض الموسيقية والسينمائية وعلى وجه الخصوص الأفلام الوثائقية.
يتسم التراث المادي في تونس من مبان أثرية ومنشآت دينية كالكنائس والمساجد، ومن مبان خربية كالقلاع والحصون وغيرها بالثراء والتنوع. ولعل مرد ذلك هو تعاقب حضارات عديدة على هذه الأرض. صوّرت هذا التنوع مجموعة من الأفلام الوثائقية على منصات وزارة الشؤون الثقافية على غرار «أوذنة... المدينة التي بعثت من جديد» الذي يتناول تاريخ الحضارة الرومانية في تونس. وفي السياق نفسه، يستعرض فيلم «مسرح الجم صرح شامخ وفن راسخ» أطوار تشييد ثالث اكبر المدرجات الرومانية، فيما يؤرخ فيلم «دقة.. من الحجارة إلى الحضارة» لتأسيس هذه المدينة الأثرية في القرن الرابع قبل الميلاد.
ولأنّ لكل مدينة في تونس حكاية وتاريخ وذاكرة تميزها عن غيرها، فإن فيلم «ذاكرة تحفظ ألف قصة وقصة» قدّم نظرة جديدة للقيروان، وهو فيلم جديد يروي تاريخ هذه المدينة منذ أن أعلن عقبة بن نافع عن ميلادها كأولى المدن الإفريقية وبلاد المغرب الإسلامي لتكون أولى القواعد العسكرية قبل أن تصبح المنارة العلمية الأولى في بلاد المغرب خلال القرن 3 هـجري أي ما يوافق 9 ميلادي.
تقرير آخر كان عن مدينة صفاقس العتيقة التي تقع في الجنوبي الشرقي لتونس، وكلمة صفاقس تعني المدينة المسورة المحصنة، وهي مدينة لها وقعها وأهميتها في الاقتصاد التونسي منذ القدم حتى سميت بعاصمة الجنوب.
وكانت تونس على مرّ العصور أرضاً خصبة للتمازج الحضاري والثقافي. لذلك، فإن المدينة الواحدة تتعاقب عليها حضارات وفترات حكم متباينة. فمدينة الكاف كانت تسمى سيكا خلال الفترة البونية والنوميدية. وقد عُرض تقرير يعرّف بالمدينة، وما خلفته الحضارات الوافدة عليها من معالم أثرية كالمسارح والحنايا والأسوار.
ولا يقتصر التراث على البحر والجبال، بل يتعداه نحو المناطق الصحراوية حيث تنفرد بسحر من نوع آخر يوثقه فيلم «قصر دغاغرة»، وهو أحد أهم القصور الواقعة في الجنوب الشرقي. فهي ذات غرف مثيرة بارتفاع منخفض يعود تأسيسها إلى الفترات القديمة، ليزداد عددها خلال الفترة الوسيطة خاصة بعد الحركة الهلالية واستقرار بعض القبائل العربية في الجنوب الشرقي كأولاد دباب والمحاميد.
علاوة على التراث الثقافي المادي، فإن التراث غير المادي كان حاضراً خلال التظاهرة الرقمية من التقاليد الشفهية إلى الممارسات الاجتماعية والمهارات التقليدية، فوثقت أفلام أخرى لأنشطة وأطباق وحلويات تعتبر جزءاً من ذاكرة مشتركة منها فيلم «موسم الجز» وفيلم «الطريقة التقليدية لصيد السمك» و«صناعة الكعك» في مدينة قليبية التي تقع قبالة تخوم ايطاليا.
وشمل برنامج الاحتفالية الحفريات القبصية -نسبة إلى عاصمتها قبصة وهي قفصة حالياً بما أنها شكل من أشكال البحث والاستقصاء والتوثيق لغابر الأزمان وكيف كان الانسان يؤمن غذاءه ومسكنه.
بين التدوين والمشافهة والحفريات، يأتي مفهوم التراث الثقافي كمجموعة من العادات والتقاليد والفنون والعلوم والألعاب والقصص والخرافات بين الأجيال.
ومن هنا برزت أهمية التوثيق والمحافظة على تراث شاهد على عراقة حضارة وجذورها التاريخية، وكذلك الاحتفاء به والنقاش حوله.
إلى جانب التوثيق السينمائي، تخللت شهر التراث ندوات ومحاضرات منها المسجلة ومنها المباشرة تحت اشراف باحثين. كان الاستهلال بمحاضرة حملت عنوان
«التراث والتنمية زمن الجائحة» وأخرى بعنوان «إدارة التراث الثقافي في فترة الأزمات»، وأخرى عما اوجد الانسان قديماً من طرق ترفيه وتسلية قدمها رئيس الجمعية التونسية للمحافظة على الألعاب والرياضات التراثية عز الدين بوزيد.
تجندت منصات وزارة الثقافة والتلفزة الوطنية (العمومية) لنقل وإشراك المتابعين في التظاهرة الثقافية. وحازت المداخلات الشعرية نصيبها، على اعتبار الشعر من أولى ملكات التعبير عن هواجس الانسان وعواطفه وقصصه، فضربت الوزارة للمتابعين موعداً مع الشاعر بلقاسم عبد اللطيف أحد رموز ذاكرة التراث الثقافي الصحراوي التونسي. وعلى المنصات الرقمية أيضاً، تم تنظيم زيارة افتراضية لأهم المتاحف في تونس وهو «متحف باردو» الذي يزخر بأهم الفسيفساء إلى جانب تماثيل من الحضارة القرطاجية.
يبدو أن المد التكنولوجي الذي طال الثقافة رغم احتشام رواجه بين المهتمين بالشؤون الثقافية في تونس، أزاح مشكل التنقل لحضور حفل أو تظاهرة ثقافية، ووفر على وزارة الثقافة هذه السنة مغبة تكبد مصاريف علّنا نراها في دعم المثقفين ودفعهم نحو الانتاج.