«إنها ليست رسالة أثارت اهتمام الجمهور. ليس أداءً عظيماً ما حرّكه. ليست رواية مرموقة ما أسرَه. ما أثار حماسه هو السينما الخالصة». تلك العبارة قالها المخرج الإنكليزي ألفرد هيتشكوك (1899 ـــــ 1980) لنظيره الفرنسي فرانسوا تروفو في المقابلة الشهيرة التي جُمعت في كتاب «هيتشكوك/تروفو» في إشارة إلى فيلمه «سايكو» (1960) الذي طرح أخيراً على نتفليكس. شريط وُلد من اهتمام المخرج بصنع فيلم صغير، يكاد أن يكون فيلم «ب»، بعيداً عن أفلامه العملاقة السابقة. قرأ هيتشكوك كتاب روبرت بلوتش «سايكو»، فانساب تسلسل سردي في رأسه. هنا، اتخذ قراراً حاسماً بتحويل الكتاب إلى فيلم. شريط كلّف 800 ألف دولار فقط، وانتهى ليصبح أكثر أفلامه نجاحاً في شباك التذاكر، بالإضافة إلى كونه الأكثر شهرةً في حياته السينمائية (على الرغم من أنه ليس الأفضل).

التسلسل السردي الشهير هو لمشهد قتل جانيت لي في الحمام. حول هذا التسلسل، ألّف هيتشكوك ما اعتبره «أعظم لعبة مع المشاهد». تقوم هذه اللعبة على تضليل المشاهد، استناداً إلى التغييرات غير المتوقعة في القصة، وبالتالي إظهار روح دعابة غير عادية في الفيلم. بالمناسبة، طُرح العمل على أنّه كوميدي في الأصل، وتحوّل بعبقرية هيتشكوك إلى التشويق.

من الابتذال إلى التشويق فالرعب
بعد لقطة واسعة للمدينة، يدخلنا هيتشكوك من شباك غرفة، لتعريفنا إلى ماريون كرين (جانيت لي) وعشيقها سام (جون غافين). مشهد جنسي، فهي المرة الوحيدة التي نرى فيها امرأة مرتدية حمّالة صدر في أفلام هيتشكوك، والمرة الأولى التي ترى فيها المرأة فرصة لتحسين حياتها مع شريكها. ولهذا تسرق مبلغ أربعين ألف دولار (لسخرية هيتشكوك، المبلغ المسروق هو بالتحديد ما تقاضاه انطوني بيركنز لمشاركته في الفيلم) من مكتب تعمل فيه وتهرب بسيارة. هذه البداية هي ما اعتدنا عليه من المخرج: الـMacGuffin (المال)، والتعاطف مع شخصية اضطرت إلى اللجوء إلى السرقة. (الـMacGuffin هو شيء أو حدث ضروري لتحفيز الشخصيات للإقدام على عمل ما، لكنه غير مهم أو غير ذي صلة بالقصة بحد ذاتها. قدّم المصطلح كاتب السيناريو انغوس ماكفيل للفيلم، وتبناه هيتشكوك ليوسّعه لاحقاً في أفلام أخرى).

تجربة مكثّفة لا تُنسى. الفيلم مصوّر بذكاء، ومحبوك جيداً


ظهور الشرطي على الطريق، تغيير السيارة، هما السياق التشويقي الأول الذي تعامل معه هيشكوك، بينما يجعلنا نفكر بأنّه سوف يتم القبض على ماريون. قبل توقفها في أكثر الموتيلات شهرةً في تاريخ السينما، يقدم هيتشكوك عنصراً مبتذلاً للغاية اليوم، ولكنه لمع هنا بكل أناقته: المطر الذي يستخدم عادة كعنصر درامي، لكنّه هنا يشبه الباب، حيث العبور نحو كابوس سينمائي، ورعب نقي وبسيط، يغيّر تماماً نغمة الفيلم. يدخل نورمان بيتس (أنطوني بيركنز) المشهد. ومنذ تلك اللحظة، يبدأ هيتشكوك بإخفاء كل شيء، وتضليل المشاهد حول ما يحدث. ولأنّ هيتشكوك أعظم كاذب في التاريخ، يحضّرنا للتأقلم في الكون المتمثل في الفندق، ويخدعنا بدون رحمة، وبطريقة مبررة جداً، يقلب الفيلم 180 درجة بعد مشهد القتل الشهير، ويبدأ التركيز على بيتس. هنا تحديداً أصبح قتل ماريون MacGuffin ثانية! هيتشكوك يعشق اللعب معنا!

مشهد القتل (مشهد الاستحمام)
للمرة الأولى في تاريخ الأفلام، قام هيتشكوك بشيء لم يفعله أحد من قبل، أي تقديم ممثلة شهيرة هي جانيت لي وقتلها في منتصف الفيلم. مدة المشهد 45 ثانية، (بسببه صنع هيتشكوك الفيلم)، ومن بعده لن يبقى شيء كما هو. وُضع الـ «ستوري بورد» للمشهد مع المصمم الأسطوري شاول باس واستغرق التصوير أسبوعاً في لقطات مقربة للغاية، ومونتاج سريع جداً. الحمام يمكن إزالة كل جدرانه، ما سمح للكاميرا بالاقتراب من كل زاوية. استخدم هيتشكوك لقطة عكسية سريعة للحركة لتبدو كأن السكين اخترقت جسد ماريون بالفعل. الموسيقى والصراخ (الملحّن برنارد هيرمان) رفعا منسوب التوتر (كان استخداماً جديداً للكمان الذي كان يستخدم عادةً في الموسيقى التصويرية السينمائية لتعزيز الإحساس بالرومانسية أو الشفقة). ولتقديم المشهد بواقعية كبيرة، استُحدث صوت السكين الذي يخرق جسد ماريون من خلال طعن فاكهة الشمام (قام هيتشكوك وطاقمه باختبار أنواع متعدّدة من البطيخ حتى وجدوا النوع الملائم لصوت الطعن). شخصياً، مشهد القتل في الحمام يرعبني. ليس لاحتوائه على «لحظات دامية» كالطعنات التي تمزق الضحية، بل لتركيزي على حركة الباب الذي يُفتح في أقل من ثانية. حركة تترافق مع ظلّ «شخص غير معروف» على ستائر الحمام. ورغم مشاهدتي المتكرّرة للفيلم، إلّا أنّ تأثير هذا المشهد يبقى نفسه كأنني أراه للمرة الأولى، مراقباً «اللقطة العبقرية». تتغيّر وجهة النظر الآن. ماريون قتلت، والمشاهد يتعاطف مع بيتس إلى حدّ ما. بعد القتل والتنظيف الدقيق للحمام، يخفي بيتس كل شيء في سيارة ماريون ويغرقه في مستقنع. دفن هيتشكوك الـMacguffin (المال) تحت أعيننا، وهو كان حتى ذلك الوقت المحرك الأساسي للفيلم! بعد ذلك، تتحوّل النغمة. هناك عشيق وشقيقة قلقة، ومحقق غريب، والمفاجأة النهائية في الطابق السفلي من المنزل من دون التكلم عن باقي الفيلم. اللحظة التي ينزل فيها بيتس ووالدته إلى القبو لأنه يتوقع الخطر... هذه الرحلة من الطابق العلوي إلى الأسفل، يقدم هيتشكوك خلالها محادثة متقطعة بين بيتس ووالدته لإلهاء المتفرّج، وخداعه، وكشف ما يحدث لاحقاً في مشهد لا يُنسى. «سايكو» هو مثال واضح لما اعتبره هيشتكوك سينما خالصة وبسيطة. لغة سردية جديدة خلقت.

لعبة السينما
ذكر هيتشكوك أكثر من مرة أن دوافع الشخصيات وأفعالها لا تهمّه على الأقل. ما يهمّه هو الحصول على شيء من خلال التقنيات السينمائية، وقد نجح في ذلك، مُظهراً مرة أخرى الأهمية المطلقة للمونتاج. شركات الإنتاج لم تكن مقتنعة بالمشروع، بسبب وحشيته. لذلك، صوّره المخرج بالأبيض والأسود تجنّباً لإنتاج فيلم دموي للغاية. كل شيء استُخدم بطريقة لخفض الميزانية، من دون تأثيرات سينمائية خاصة وادّعاءات كبيرة. والنتيجة فيلم ترك بصمته في تاريخ السينما ولا يزال حتى اليوم بعد ستين سنة من إنتاجه جديداً له نفس التأثير على من يشاهده. تم تقليد الفيلم ألف مرة، سُرق ألف مرة ولم يتمكّن أحد من مطابقته، خاصة في ما يتعلق بلعبة المخرج مع المشاهد، لعبة التواطؤ والإيحاء والكذب. لعبة تنتهي بالنظرة النهائية الشهيرة لبيركنز إلى الكاميرا، ثم لقطة انتشال سيارة ماريون من المستنقع، وبالتالي تعود إلى الجمهور الـMacGuffin الأربعون ألف دولار التي تم خداعه بها في البداية. «سايكو» تجربة مكثفة لا تنسى. الفيلم المصور بذكاء، والمحبوك جيداً، كأنه رحلة استثنائية لقصة تحدث أمامنا وأخرى مخفيّة علينا اكتشافها. أسلوب يحولنا إلى مراقبين نتحيّن حدوث شيء، ومتأكدين بأنّ حدثاً غير متوقع سيحصل. لكن رغم كل التركيز، تبقى لمسات هيتشكوك مفاجأة تنسف كل التوقعات.



هيتشكوك/ تروفو
- فرانسوا تروفو: سيد هيتشكوك، وُلدت في لندن يوم ١٣ آب (أغسطس) ١٨٩٩. الشيء الوحيد الذي أعرفه عن طفولتك هو ذلك الحادث في مركز الشرطة. هل هذه قصة حقيقية؟
- ألفريد هيتشكوك: نعم، إنها كذلك. أعتقد أنني كنت في الرابعة أو الخامسة. أرسلني أبي إلى مركز الشرطة حاملاً رسالة. قرأها رئيس مركز الشرطة واحتجزني في زنزانة لمدة خمس أو عشر دقائق، وقال: «هذا ما نفعله بالأطفال المشاغبين».
هكذا بدأت المقابلة التي بنى عليها فرانسوا تروفو كتابه «هيتشكوك/ تروفو»، وهو كتاب عن مقابلته لهيتشكوك على مدى ثمانية أيام في غرفة من غرف استوديوهات «يونيفرسال». نُشر الكتاب للمرة الأولى باللغة الفرنسية تحت عنوان «السينما بحسب ألفرد هيتشكوك» قبل أن يصدر بالإنكليزية باسم «هيتشكوك/ تروفو».
لم أتوقف عن الابتسام والضحك في بعض أجزاء الكتاب على أجوبة هيتشكوك الفكاهية والذكية. طريقة كلامه فيها الكثير من الخفة والدعابة. تكلّم عن كل شيء: أفلامه، أمنياته، أهم المخرجين بالنسبة إليه، طريقة تصويره وتقنيات أفلامه. تكلم عن الإلهام وراء أفلامه وفن الرعب والتشويق، أعطى أجوبة صريحة واضحة ومحددة حتى عن أفلامه التي لم تلقَ رواجاً.
الكتاب كاشف للغاية عن عمل هيتشكوك وروحه المرحة واتقاد ذهنه، يزخر بالكثير من انطباعات المعلم الكبير عن أفلامه الشهيرة مثل «النافذة الخلفية» (1954) الذي قال عنه: «كنت أشعر أنني مبدع وخلاق للغاية في هذه الفترة، كانت بطارياتي مشحونة بشكل جيد». تحدث هيتشكوك في الكتاب أيضاً عن رؤيته التقنية في مشهد الحمام الشهير في فيلم «سايكو»: «السكين لا يلمس الجسد على الإطلاق. تم كل شيء في المونتاج». كما تحدث هيتشكوك عن أفلامه التي أخفقت مثل «تحت برج الجدي» (1949) الذي تدور أحداثه في أستراليا: «لو كنت سأنجز فيلماً آخر اليوم في أستراليا، لكنت وضعت فيه مشهداً عن رجل شرطة يقفز في جراب كنغر ويصيح فيه «اتبع هذه السيارة»!».
في عام 2015، أنجز المخرج كين جونز وثائقياً فرنسياً أميركياً عن الكتاب والمقابلة، عُرض في «مهرجان كان» خلال السنة ذاتها. تضمن الوثائقي أيضاً مقابلات مع مخرجين كبار وكيف أثر فيهم فن هيتشكوك أمثال: مارتن سكورسيزي، دايفد فينشر، وس اندرسون، جايمس غراي، ريتشارد لينكلايتر، أوليفييه أساياس وغيرهم.

Psycho على نتفليكس