ما إن «نيسان دق الباب»، أَطلت فيروز لِتسأل الرب عن «اختفائه في زمن الضيق»، لِتقرع بابَ قُدسِهِ بيدٍ من مزامير، بهديةِ رجاءٍ للبنان والعالم.

الخطوة المأمولة والمفاجِئة، أبهجت القلوب المأسورة بالأثقال، فتنهدت النفوس «إيه في أمل». ليست المرة الأولى التي تُصلي فيها سفيرة النجوم، فالموسيقى الرحبانية لحناً وتأليفاً مسيرة صلاة للرب، الوطن، القدس والإنسان من «خذني» ويا «ساكن العلالي» و«زهرة المدائن» إلى ألبومات «أغاني الميلاد» و«الجمعة العظيمة» وغيرها، الذاكرة تعج والروح تُصلي!
لقد أتقنت ابنة الرحباني اختيار النص، التوقيت، الإخراج والوسيلة. فيروز تقرأ آياتٍ من سفر المزامير (لمن لا يعرف، السفر يُشكل جزءاً من العهد القديم في الكتاب المُقدس يُنسب إلى الملِك داوود وفيهِ يناجي الرب الإله واثقاً من نُصرتِهِ للشعب في الأزمنة الصعبة). لقد لجأ الرحابنة قبلاً للعهد القديم مُستوحين «أنا لحبيبي وحبيبي إلي» من سفر نشيد الأناشيد!
صحيح أنها ألقت الآيات من غير لحنٍ، لكِنها داعبت آذان المشتاقين لَحناً، تنهُداتٍ مُرنمة. النصُ جامعٌ، فهو ينادي الرب «المُتفق على عبادتِهِ من كل المؤمنين» من دون الدخول في جدليات العقائد المُختلفة، مُحسِناً توسُل الصلاة الكونية، علماً أن الترانيم الفيروزية الخاصة بالطقسَين الماروني والبيزنطي تلقى قلوباً مُصلية من معتنقي الأديان الأُخرى وحتى من العلمانيين. للتوقيت الدور الموازي للمضمون، فنحنُ فعلاً في زمن الضيق لبنانياً وعالمياً، ونحنُ أيضاً في زمن صوم على مشارف أسبوعَي الآلام (اختلاف ليتورجي) والأهم أننا في قلبِ نهارِ جُمعة! لقد جمع التوقيت الصلاة من طرفيها، فيما ظهر الإخراج المكاني حاملاً في بساطتِهِ رسالة عميقة. فمنذ انتشار الوباء، أوصت الكنيسة مؤمِنيها بالصلاة في منازِلِهم بتحويلِها كنائسَ صغيرة، وفيروز بِصوتِها الخارج من جدران «صومعتها» صارت كذلك سفيرةً للصلاة!

صحيح أنها ألقت الآيات من غير لحنٍ، لكِنّها داعبت آذان المشتاقين لَحناً، تنهُداتٍ مُرنمة


خرجت الكلمات من حُنجرتِها لتطوف العالم وتحمل معها آهات البشرية إلى «الذي عَلّق الأرض على المياه» بِـ «إيمانٍ ساطعٍ» لا يتعب. وتبقى الوسيلة أيضاً هدفاً. ريما استخدمت طريق التواصل شبه الوحيد في هذِهِ الأيام، فكان الطريقُ مقصداً بحدِّ ذاتِهِ أن حتى فيروز يمكن أن تصل إلى قلوبنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي ذلك رسالة «توعوية» ضمنية.
لُنصلي مع «وعد الصوت» من «أرضِ الخوف» لَـ«يوسع المدى» لأنهُ وحدهُ لا ينسانا.