«أعيش محاطاً بكل هؤلاء الذين جعلوني وحيداً». جملة للشاعر اللبناني عباس بيضون تختصر الكثير، فكما أن الحكمة ضالّة المؤمن، تبدو العزلة كأنها مقصد الشعراء والمبدعين، ولهم فيها أحوال كأحوال الصوفيين مع العشق، كأن أهل العزلة في الفن والأدب قد ابتدعوا طقوس «الحَجر الإبداعي» قبل «الحَجر الصحي» الذي يفرضه فيروس كورونا على الكوكب بأسره ويشلّ قارّات بأكملها من المطارات إلى المتاجر والمدارس والجامعات وصولاً إلى دور العبادة والملاهي والمسارح ودور السينما. كيف يعيش هؤلاء المبدعون عزلتهم «الكونية»؟ وكيف تتحول هذه العزلة إلى «غرفة سوداء» على قول مارغريت دوراس، أي إلى مختبر يحوّلون فيه العناصر الأولية التي تجول في حواسّهم ومشاعرهم وعقولهم إلى لغة الشعر والرواية والأدب؟ لقد كتب بورخيس مثلاً نصاً حول ما تشتمل عليه العزلة من الخيمياء أو تحويل العناصر: «كم من عزلة في هذا الذهب/ قمر الليالي ليس القمر عينه/ الذي شاهده آدم الأول/ فقد ملأتْه قرون السهر الإنساني الطويلة/ بنحيب قديم/ انظري فيه. فهو مرآتك». حول العزلة في مفهومها الإبداعي وطقوسها وتجاربها وأحوالها، وصولاً إلى رؤيتهم للمرض والوهن البشريين والعزل الذي يفرضه والوباء وما يرتبط فيه من حذر وريبة وشكّ، استطلعنا في «كلمات» كوكبة من أهل الشعر والرواية ممن شقّوا لنا ستار النافذة قليلاً لننظر في أقاصي عزلتهم التي بدونها هم كالمُدمن يبحث عن سيجارة


«تحليق السحرة» لغويا (زيت على كانفاس ــ 43.5×30.5 سنتم ــ 1797-1798)


محمد علي شمس الدين *
هذه التجربة جديدة في العزلة. سبق ومارست عزلات كثيرة قبلها. وكان تجنّب الخليقة في ذروتها. لكن هذه العزلة الآن في شهر آذار (مارس) هي عزلة الكورونا. وهي أمر آخر، حيث تتداخل شتى المشاعر والأفكار وتشتعل الأسئلة: هل رأس الطبيعة الممتلئ بالبلابل والقبّرات يمتلئ الآن بالقمل والخفافيش هو سببها، أم أنّ سببها هو وجه دونالد ترامب الخفاش القاتل؟ إنّ رؤوس سادة العنف ورأس المال المفترس والجرائم الشاسعة المتعددة الطبقات والأطراف والأسماء في العالم أورثونا القهر والخوف وكره الجَمال، وكشفوا لنا عن الوجه الآخر للعناصر، عن كاريكاتور الكائن. البحر مثلاً ليس ذاك المدى المتماوج للسفر والإبحار واكتشاف المجهول، بل هو حركة الموت والسفن الغريقة والبحّارة المفقودين. العصافير ذات الريش الملوّن والزقزقات المرحة تنقل لنا بمناقيرها القاتلة نقرات الموت. القبلة من الفم الريان للحبيب قد تحمل السمّ والسعال. جميع من نحبّ هم على قاب قوسين من الريبة. الحياة بذاتها هبة ملغومة وكل متعة من متعها هي بطعنة من الخلف. ما تثيره هذه العزلة القهرية في نفسي هي أحاسيس وأفكار تمتد على قوس ينحني بين العرش والطاعون. ذاك أنها معالم حرب كونية ثالثة نخوضها بلا رحمة ولا اختيار وبجانب من العبثية في الوجود هي أقسى من أن يكتفي العقل بميزانها والوجدان البشري بقول الأشعار والمراثي. أولاً ومن الأعلى: هل فيروس «كوفيدـ ١٩» المتربّص بكل كائن بشري على وجه الأرض صنعته الطبيعة من أخلاطها وخفافيشها وقذاراتها الكثيرة وقذفت به في وجوه الناس جميعاً، متحديةً وجودهم بالذات وعقولهم ومختبراتهم وعلماءهم وأسلحتهم وأساطيلهم ومسابرهم وعنجهيتهم العلمية، وبالتالي ستكون طبيعة خرقاء وأجمل ما تقدمه مقرف وأعلى ما تعطيه وهو الحياة مشبوه كجائزة قذرة؟ أم أنّ من صنع هذا الكائن المنتهي في الصغر والقذارة والعدوانية هم من صنعوا ويصنعون الحروب والاغتيالات والقهر على الكرة الارضية، وهم أنفسهم الذين صنعوا القنبلة الذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية ليقتلوا بها ملايين النفوس البريئة وبلا ندم وليرفعوا شارة النصر فوق قبر العالم. من صنع الجرثومة القاتلة؟ يلوح لي شبح للصهيونية من بعيد ووجه خفاش عجوز اسمه ترامب. السؤال الثاني: كيف نقاوم؟ والجواب في المختبر وبالعلم. من الأساس، كانت لديّ قناعة راسخة بأن الحق أو الدم الحرام أو الضحايا أو الشهداء وجميع المضطهدين والمهدورين والمسفوحين في التاريخ بمناحاتهم وأشعارهم وقيمهم لا يسمعها أحد من دون قوة. ولعلني أشرت في قصيدة «الغيوم التي في الضواحي» إثر حرب تموز ٢٠٠٦ إلى هذه المسألة بقولي: «في شهر تموز من عام جرح وألفَيْن بعد المسيح / وخمسين مجزرة في القرى في طريق الإمام الذبيح/ سجِّلوا في دفاتركم ما يلي: لقد أزف الوقت وانتصرت كربلاء/ مثلما شاءها الأقوياء». السؤال الأخير وجودي ميتافيزيقي، فالكورونا مهما كان وصفها ومصدرها سبب من أسباب الموت. وهنا فإن رؤيتي للتاريخ كله هي على أنه فراغ ممتلئ وأن الموت هو النار التي عليها تغلي قِدر الحياة، لذلك فبين العدم والرجاء، نحن ملزمون بأن نملأ فجوة الوجود. نحن ملزمون بالحياة إلزامنا بالموت، ونحن لو دقّقنا قليلاً وفتحنا قلب الوردة لوجدنا الخفاش قابعاً في قلبها.
* شاعر لبناني

رنا التونسي *
لا أريد أن أفكر في فنائي لأني أدرك وقتها أن الذين أحبهم بحق لن يمكنني عندها رؤيتهم. كنت دوماً أردد عبارة فلسفية درستها منذ زمن ولا أتذكر قائلها «لماذا أخاف الموت فعندما يجيء الموت، سأكون قد مت». ظلت هذه فلسفتي في الحياة على مدار سنوات ومهما ارتعبت وانقلبت، كنت أقابل الدنيا دوماً بقلب مفتوح وأشعر أنني في مغامرة من الممكن أن تكلفني حياتي. لكن المهم أن أخبر نفسي في السرّ أنني قد عشت. ثم يحدث أن نولد فجأة مع ولادة أبنائنا، ونجد أننا نتحول إلى حب الحياة أو ليس حب الحياة بقدر ما هو التمسك والتشبث بها. أريد أن أعيش حتى أرعاك. إذا لم أتمكن من الحضور، على الأقل ستعرف أني أردت دوماً أن أرعاك وأثق بك يا صديقي. كتب ريلكه «أريد ممن يحبني أن يحترم عزلتي». لكنه أيضاً كَتب «ليس هناك شعور واحد ثابت، تعلم أن تحتضن الجمال كما الرعب»، بينما كتب هرمان هسه عن رغبته في أن تأتي روحه في مائة شكل، أن يحلم أنه من القساوسة والمتجوّلين، الطهاة والقتلة، الأطفال والحيوانات، وأكثر من أي شيء آخر العصافير والأشجار، وأنه فقط من خلال هذه الصور سيمكنه فعلاً الوجود. في الحقيقة كشاعرة، أحب الأرواح الهشّة التي تتكسّر دوماً من رغبتها في الحياة. كتب أمل دنقل عن العالم والشعب، لكن أفضل دواوينه كان «الغرفة رقم 8» وهو يواجه الموت وحده ليولد من جديد. كيف يواجه الشاعر الوباء والمرض، ربما لا أقدر على مواجهته. لذلك ألجأ إلى الإيمان والدعاء أحياناً لأطمئن على الآخرين، لكي ينجوا كي أنجو معهم. تصبح الماسأة والألم والمرض والخوف إنسانيةً أكثر منها حالة شعرية.
* شاعرة مصرية

نادين أغوستيني *
أنا في الحجر الصحي منذ الأمس ولأسابيع عديدة (وربما أشهر؟) مثل كل مواطنيّ. حين تركت الوكالة للعمل من البيت، قلت في نفسي يجب أن أنهي نصي الطويل «كاسندرا» الذي شرعت فيه منذ أشهر عديدة، وكاسندرا في الأسطورة هي التي تزفّ للناس الأخبار السيئة، إضافة إلى رواية عالقة في رأسي منذ أكثر من سنة، ولا أعرف إن كان بمقدوري إنجاز كل ذلك. حتى اللحظة، (وبعكس كاسندرا) لا أرغب إلا برواية الحماقات لأحمل الآخرين على الضحك، لئلا ييأسوا.
* شاعرة فرنسية

منذ أيام يتردّد في ذهني بيت المعرّي عن شوق الأرض إلى الطوفان (هدى فخر الدين)


عالية ممدوح *
أريد أن يجدني جالسة ومسترخية بدون غضب ولا بغض فيما لو حضر. سمعت نفسي تنتحب بدون صوت، لكن بعد لحظات كان النشيج قد بدأ يتصاعد بالتدريج، فقهرت صوتي لكي لا يصل إلى الطوابق العليا من العمارة التي أشغلها منذ عقود في الحي الخامس عشر في باريس. هنا في هذه العاصمة، عليك أن تقيم حدوداً بينك وبين الدموع المباحة. لا بأس عيناك ممتلئتان مترعتان وهما ماضيتان في اللاتوقف. شعرت أن على الحزن والانتحاب أن يبقيا بين شقوق الجدران مثل نمل شره، على الأحزان أن ترتدي أحذية رياضية لكي لا تثير الجلبة. ما هذا الجو المذلّ؟ ها هي السيدة المريضة جالسة تكتب، ليس وصايا للمحبوب، تكتب كما لو كانت تريد إطلاق النار على أفعال الصراخ فيما لو ارتفع قليلاً عن المألوف بسبب المرض، مرضي. كنت أذهب إلى الجانب الآخر من العالم، بلدي العراق ونحن نغرف من حوض لم يتوقف يوماً عن الامتلاء بالدموع، وكنا نستمتع بحرية تامة في بسط أكفّنا وأذرعنا ونحن نمسح أو نلتقط دموع أهلنا وإخوتنا. كانت لدينا الأوقات كلها لكي نضفي وظيفة مدعمة بجميع السلالات التي مررنا بها. الدموع هي التشبّث بحرمة البيوت والمساكن التي حافظنا عليها من عوادي الاندثار فمهرت بالشخصية والثقافة والإرث العراقي. هناك لا أحد يبكي بمفرده فيحضرون لكي يكون الانتحاب هو قول الحقيقة.
‎عشت تحت مظلة احتضار بدأ يتضاعف وأنا أريد أن يكون صوتي مرتفعاً في إعلان ذلك وأمام حالي، أضعه في عنقي وأربطه بظلفة الشباك الذي فتحته إلى الأخير، وأنا أنتظر ختام النزهة. على السيدة التي ستموت وهي مقطوعة الأنفاس والأصوات أن تبدو رابطة الجأش، لا يجوز أن تكون القوانين الفرنسية بهذه القسوة فيما لو صرخت عالياً، هكذا تراءى الأمر لي. حسناً، أريد أن أنادي على ابني بالدموع، أغمره بصوتي المبحوح العليل. كان لديّ اسطول تام من عدة الألم، وما عليّ إلا أن أجد مكاناً له في هذه اليوميات (مقطع من «كتاب النقص» المعد للنشر).
* روائية عراقية

هدى فخر الدين *
أقفرت المدينة والجامعة، همد الحيّ، هدأت جلبة الأوقات الممسوسة. الوقت العام مكتظّ بالأخبار العاجلة والأرقام المتصاعدة والتدابير والتكهنات. أما الوقت الخاص، فقد خلا فجأة من صخب الآخرين. وها نحن نعيد اكتشاف فضاءاتنا الداخلية: زوايا الخزائن التي أُهملَ ترتيبها، الرفوف العليا التي تكدّس الغبار على كتبها، مخاوف دفينة أجّلت مواجهتها. ‎ومنذ أيام يتردّد في ذهني بيت المعري عن شوق الأرض إلى الطوفان. أظنه ككثير من كلام المعري يواجهنا بحقائق صعبة لا مراوغة فيها. يتردد في ذهني وأراني أجد فيه شيئاً من العزاء، ربما لأنه يكشف عن داء يعتري البعض منا. هذا الداء هو الرغبة العارمة في قول شيء، خاصة حين يُظلم الدهر، كما هو الحال في هذه الأيام. هي رغبة عارمة في مواجهة الزمان حين يجمح، باللغة، بكلمة أو جملة تلمّ الوجود وتلجمه في نظم ما:
‎«والأرض للطوفان مشتاقةُ لعلّها من درنٍ تغسلُ»
إذاً هذه ليست عزلة بل صحبة أفضل. فجأة أسمع فيها الأصوات الحاضرة دوماً، تلك التي يطمسها ضجيج الزمن الرخو، آنس فيها إلى رفقة مَن وجدوا في اللغة، في هذه المعجزة المدبّرة، سكناً وأمناً من حوادث الدهر. واليومَ مثلاً أصحب ريلكه الذي ينتصر على القلق الوجودي الجارف حين يمسك به في قصيدة، فيقول:
‎«لا الإنسان ولا الملاك/ بل وحده الحيوان/ هو الذي يعي بفطرته/ كم نحن قلقون وغرباء/ في عالمنا المترجم هذا».
‎الشعراء في بحث دائم عن عزلة يؤلفونها ويرسمون حدودها كما يرسمون حدود النص. إلا أن عزلة الشاعر عزلة يختارها لنفسه حين يحتشد الآخرون. أما هذه التي نحن فيها الآن، هذه العزلة الجماعية المفروضة، هذه ليست عزلة للكتابة، فعلّها إذاً تكون عزلة للقراءة، عزلة الصحبة الأفضل
* شاعرة لبنانية

فيديل سبيتي *
في ما يخص ضرورة العزلة لكتابة الشعر، أستخدم مقولة محمود درويش «العزلة مصفاةٌ لا مرآة»، فنحن حين ننعزل لكتابة الشعر أو لخلق أي عمل فني من أي نوع كان، لا يكون الهدف التعرّف إلى ذواتنا كما يعتقد كثيرون، بل هو تصفية ما علق في دواخلنا من جرّاء الاختلاط. فالشاعر في عزلته ينزع عن نفسه «الماسك» الاجتماعي، ذاك الذي يتطلبه الاندماج والتواطؤ مع الجماعة. لذا، نعم كتابة القصيدة تحتاج إلى العزلة، وهذا لا يعني انتظار نزول الوحي على الشاعر، بل الدخول إلى خباياه، وفتح تلك الخبايا التي يقفل عليها خلال تعامل الآخرين معه على أنه ملكية عامة. ويؤكد نيتشه، منظّر العزلة، هذه الفكرة بقوله: «إن العزلة ضرورية لاتساع الذات وامتلائها، فالعزلة تشفي أدواء النفس وتشدّد عزائمها». ولا حاجة إلى التعليق على قول نيتشه، فهو واضح لناحية قدرة العزلة على تحقيق الاندفاعة الخلاّقة لأي مفكّر أو مبدع فنان.
بخصوص العزلة التي فرضها وباء الكورونا، فلم تغيّر شيئاً في سير يومياتي، إذ كنت قد اخترت عزلتي منذ ما قبل ظهور الكورونا بمدة طويلة، فعدت إلى الطبيعة والأرض في القرية، حيث يمكنني أن أكون على تماس مباشر مع أبطال قصيدتي من أشجار وأزهار وحشرات وتراب الأرض وأناس طيبين لم تفسدهم عقلية المدينة النفعية. لذا فالعزلة مكتملة مع الكورونا أو بدونه. لكن الأمر الإيجابي في العزلة «الكورونيّة» المفروضة على البشر أجمعين، يختصرها بدلاً مني وديع سعادة بقوله: «لو يصمت العالم الضاجُّ، قليلاً. ماذا يحدث لو صمت العالم؟ لو اختفى ضجيج البشر لحظة؟ أما كانت الأرض تستعيد بعض فتوَّتها، بعض صحتها؟».
لو كان سؤال الشاعر موجهاً إليّ، فسأجيب. بلى أيها العزيز ستستعيد الأرض فتوّتها وصحتها... إنها أمنا الطبيعة تُجري عملية تنظيف ذاتي ضروري.
* شاعر لبناني

دارين حوماني *
«بينما يمضون صامتين/ في رؤية الأشياء/ من مكان أعزل/ أياديهم تصير أوراقاً/ لأشجار خالدة». لا أدري إذا كانت هذه الكلمات التي كتبتها ذات يوم تعبّر عن حاجة الشاعر إلى العزلة ليكتب، العزلة هي مدخل الشاعر إلى شعره، يمضي الكتّاب في عزلتهم وفي المكان الأعمق سيجدون الكلمات، الكلمات التي لا تنبت وسط الفوضى والضجيج، ثمة متّسع لرؤية الأشياء من مكان آخر من الزمن حيث يبتعد الكاتب فيصغي إلى نفسه ويعزف مغمض العينين ويهب العالم أعمق ما لديه. هل العزلة هي المغارة السحرية للكاتب؟ يُجمع معظم الأدباء على أن الكاتب يحتاج إلى العزلة ليكتب. يرى غوته أن العزلة تصقل الموهبة ويجدها نيتشه ضرورية لاتساع الذات وامتلائها، لكن هل يمكن أن يبدع الكاتب إذا لم يكن منعزلاً عن الآخرين؟ هناك كتّاب يكتبون في المقهى وفي الباص وفي الحديقة العامة، في أماكن يستنطقها الضجيج والهذيان الجماعي، لكن أولئك الذين يكتبون هناك لهم وحدتهم الخاصة، عزلتهم اللامكانية والروحية، هم منعزلون أيضاً. ثمة فرق بين الوحدة والعزلة، قد نكون وحيدين وسط الضجيج وقد نكون بين الجميع في عزلتنا. أعتقد أن الأدب يبدأ من العزلة، أن نركن الحياة والآخرين جانباً وننظر إليهم من ثقوب صنعناها بأنفسنا لننأى عن ضجيج العالم، هو المكان المغلق الذي يمنحك تلك الرؤية العميقة تجاه الوجود واللاوجود. في زمن الكورونا والأمراض المعدية، يصير للعزلة إطار مكاني يمنح الكاتب الإخلاص لعزلته، وهذا يحيله الى أن يكون مخلصاً لأدبه. هذا الزمن ستكون العزلة فيه واجباً لا خياراً، سيصير لها قلقٌ آخر، فالعزلة الاختيارية تمنح الكاتب هدوءاً ذاتياً يلتقط الكلمات والأشياء فرحاً بالتقاطها. لكن الشاعر الحبيس داخل غرفته مجبراً على ذلك، سيتناول وحيه الشعري بيد مرتجفة. سيكون ذلك مصحوباً بالخوف والقلق حتى إنه لن يسمع بوضوح أصوات الكلمات التي ستستحيل وجوهاً مستعارة ملفوفة بأقنعة لا تريد أن تحدّق بك ولا حتى أن تخبرك شيئاً... لا يمكنني أن أكتب إلا في مكان أعزل، لكن ليس في عزلة قلقة، هو قلق من نوع آخر، كأن ننام على الأسرّة منتعلين أحذيتنا، فكيف نكتب وسط هذا القلق كله على أطفال العالم؟
* شاعرة لبنانية

سوزان علي *
من الذي مشى نحو الآخر؟
الضعف الطويل يستفرد بماضيه، يجعل من التنهّدات موسيقى، ثم يمارس الجنس باكياً.
كم عمر العزلة في قلبي؟ هل أكون جدّتها؟
الخوف يستطيع الإنجاب.
في طفولتي كنت أحب النوم تحت السرير، في مراهقتي أحببت مقهى لا نرى منه سوى أحذية وخطوات المارة، في عزلتي تزوّجت إدوارد هوبر. علمت في ما بعد أن العزلة أنقذتني من الوحدة التي كادت أن تخنقني، وكان أول أعراضها التلعثم والخجل والهروب. أرقب شجرة السرو من شرفتي كل يوم في الساعة الرابعة عصراً، حيث الشمس تبدأ في التحضير لغروبها ونثر كل ما جمعَته خلال يومها بين أغصان الشجر، كالماضي. في يوم خريفي، يبدو فيه الضوء كمتسوّل مقعد، موت وحياة في الشجر والطريق والوجوه، رحيل ونسيان في آن معاً، كنت على موعد مع معالج نفسي، وكانت جلستي الأولى. حفظت العنوان وتمنيت أن أشفى وأنسى عنوان بيتي، مضينا سوية أنا وشوبان والرف الخشبي في الزاوية وشرفتي المطلة على كنيسة وفرن. مضينا وقررنا ألا نعود إلى البيت، كل أواني العزلة خرجت ورائي، حتى إنني لمحتها في كل مكان أو تفصيل رأيته من شباك سيارة الأجرة. رأيت الكرسي الخشبي على باب مقهى، رأيت سبحة أمي تتدلى من مرآة السائق، سمعت صوت صرير باب غرفة النوم يخرج من عربة بائع جوّال. كل من مسّته الجدران في قلبه سيرى هذه المشاهد التي أكتبها. لم يفهم المعالج سبب زيارتي له، ولم أصغ لنصائحه جيداً، كانت في غرفته نافذة كبيرة تطل على ملعب لكرة القدم، مجموعة من الصبية راحوا يركضون خلف الكرة ويتشاجرون ثم يشتم بعضهم بعضاً ويضحكون، العشب أخضر وندي، والحمام كان يهدل فوقهم، عند السور الحديدي وقف رجل طويل القامة يرتدي ثياباً سوداء، كان يرقب الصبية بحماس وجدية، يشبهني ربما، يهرب من أواني عزلته بحماقة، الفرق الوحيد بيننا مجرد سؤال صغير: كيف تربي عزلتك من دون أن تصير أمها؟ ولأنني فشلت وصرت بيتاً وأماً ومدفأة، جئت إلى عيادة معالج نفسي، بينما ذهب الرجل إلى ملعب كرة القدم.
* شاعرة سورية

مَن منا لا يتذكر اليوم كتاب اللعبي الرائد: «قصائد تحت الكمّامة»؟ (عبد الهادي السعيد)



عبد الهادي السعيد *
الشعر أرض غابوية، هو بلاد الصمت داخل اللغة، من العزلة يجيء وإليها مردّه. لكن طريقه تخترق بالضرورة مجال المشترك البشري، بل تتخذ وتبني من ذلك المشترك معالمها الكبرى. الشعر نداء التحام وجواب على ذلك النداء، ما بين الذات المتفردة للشاعر، وبين ما هو عام ومشاع. إنه مخاطبةٌ للإنساني المشترك واحتفال به وتخليد له، بأدوات خاصة وبرؤية غير مسبوقة. وهكذا فالشعراء لا يسعون إلى شيء بقدر ما يسعون إلى العزلة، ولا يهابون شيئاً بقدر ما يهابونها. على الدوام يطلبونها، يبحثون عنها، ينزعجون ممن يصادرهم إياها، وعلى الدوام ترهق أرواحهم وتثقل كواهلهم، فتراهم مستعدين للمساومة عليها عبر توافقات وتكتيكات اجتماعية معقّدة لا يفهم ميكانيزماتها أحد ولا حتى هم. لكن عزلة اليوم ليست كعزلة الأمس: هل أفسدت التكنولوجيا عزلة الشعراء؟ أَمحتها أم عمّقتها أم غيّرت جذرياً من خصائصها؟ أي معنى للعزلة وسط ٥٠٠٠ صديق إلكتروني؟ ثم كيف يَحُل الشاعر مفارقة الواقعي/ الافتراضي، ولا سيما في علاقته بقرّائه: ففي العالم القديم، عالم الكتب والمطبوعات، كان القارئ مجهولاً، بلا هوية، كان افتراضياً. اليوم، في العالم الافتراضي، صار للقارئ بروفايل وبلد إقامة ومعلومات شخصية محددة. في العالم الافتراضي، صار القارئ من لحم ودم. أمّا الوباء التاجيّ العالمي، فقد ألزم الجميع بالمكوث في البيت، شعراء وغير شعراء. صعب في بداية هذه المحنة الطويلة الأمد تقييمُ تبعاتها النفسية والاجتماعية والتنبؤ بتأثيراتها على المبدعين بخاصة. لكن المؤكد أنه إن كانت عزلة الشعر اختيارية في معظم الحالات، فعزلة الكورونا على النقيض أشبه بتجربة السجن أو الاعتقال. لكن، من يدري، ألم تُكتبْ روائعُ داخل السجون؟ ومن منا لا يتذكر اليوم كتاب عبد اللطيف اللعبي الرائد: «قصائد تحت الكمامة»؟
* شاعر مغربي

عامر الطيب *
ثمة مقولة شهيرة لبلزاك «العزلة أمر جيد لكنك بحاجة إلى شخص لتخبره ذلك». يتخيل المرء لأول وهلة أن العزلة تتمثلُ بمكانٍ عالٍ لا أحد هناك غير الشجر والنسيم والسماء التي تبدو من الأسفل كسقف سجن هكذا كما يصفها الرحالةُ المتشائمون. لكنّ عزلة مثل تلك لم تعد متوفّرة حيث البيت رمز الأمان والانعزال والسكينة بات مهدداً بالتلفزيون والفايسبوك والواتسآب، أخبار الموت والذعر والفشل والمرض تصل مباشرة... إنك تختلطُ مع العالم بأصابعك!
تلك الكارثة الهائلة تحولُ الإنسان إلى وحش مطمئن، إلى كائن متردد بين الجنوح إلى عزلة تامة وبين الفشل في تحقيقها، والشاعر أياً كان، لم يعد بمعزل عن ذلك، لا توجد أبراج عاجية مأهولة للسكن. أما مسألة الرغبة في الهدوء والوحدة وإمكانية الابتعاد بين فترة وأخرى، فهذه ليست طارئة، والشعراء يحققون ذلك منذ وقت طويل. شخصياً ثمة أوقات قليلة للمتعة واللعب مع أصدقاء وأوقات أطول للفراغ، لكنه الفراغ الذي تستدعى به الكتب والشياطين والأوهام. ثمّ جاء هذا المرض الذي عزل الناس مجبرين، لم يفترض أن نتحدث عن المرض؟ كيف يمكن أن أنظر إلى المرض وأنا سليم لا أشكو من خلل ضئيل ولا أفكر به في السياق الحاضر؟ أتصوّر أن المرض مثل الموت هو مجال يجربه الآخرون الذين يواجهونه حتى مع كونه يشكل حرجاً لغوياً لم يعد الشاعر قادراً على الكتابة عن القبل والعناقات من دون أن يراوده الشك بأنه يكتب عن علاقات ناقلة للوباء والموت. من جهة ثانية، أعاد كورونا فتح الجدال البيزنطي بين العلم والدين، واشتعل تراشق الاتهامات، ففيما يتزعم الدين حملة لوم العلم على حداثته المفرطة التي كانت عاقبتها مزيداً من الخطايا والأمراض النفسية والعضوية وهي تثبت مرة أخرى قدرة الخالق على إهانة البشرية المتطوّرة بفيروس لا يمكنها رؤيته، ينهمك العلم بمعالجة الأزمة بعقلانية وحكمة. هي لحظة راهنة إذن يترقبها الشعراء بإصغاء ومسؤولية متوسلين آلهة العالم أياً كان اسمها لخلاصنا من هشاشتنا، من حيرتنا وخيالنا الشاحب:
يا إله العالم حاول أن تسامحنا هذه المرة على الأقل
يا أطباء العالم اتحدوا
* شاعر عراقي

سومر شحادة *
واحد من الأساليب التي يقاوم عبرها البشر الذعر، هو إطلاق روح السخرية. وقد درجتْ في الأيام السابقة مزحة بسيطة، شعرت بأنّها تمثلني إلى حد ما. إحداهن تشخص بعينيها متفاجئة، ونظراتها تنطوي على شيء من الغبن، وقد اكتشفت أنّ حياتها كانت عبارة عن حجْر صحي، إذ يبدو أنّ حياتها لم تتغير، مع تغيّر حياة الآخرين. هذا يلخص حياتي! مع فارق جوهري، أنّني لا أشعر بالغبن، وإنّما قد استسلمت منذ سنوات لأن أكون متفرجاً من عزلتي على العالم. بهذا شعرت بأنّي أضمن غياب الروائي وراء ما يكتبه، إذ كثيراً ما تحرّر الكلمات حيواتٍ مقيّدة. لم تكن العزلة أمراً طارئاً لديّ. وإنّما هي أسلوب حياة، ربما تصنعه ساعات القراءة الطويلة، ومع الوقت الانتماء إلى ما نقرأ، واغترابنا عمن يحيط بنا. تعلّمت، لأسباب شتى أن أجعل العزلة غنية، أقرأ وأشاهد الأفلام وأكتب، والآن أرمّم لغتي الإنكليزية. لكن لا أخفيك، أحياناً يؤرقني أنّني تحولت مع الوقت إلى رجلٍ مكتّفٍ، لا شيء أو أحد يدفعه إلى مغادرة ذاته، رجل يفتقد إلى التحفيز خارج الكلمات التي يصنعها.
ثمة رواية اسمها «العابر» للروائية اللبنانية رينيه الحايك. الرواية من أحلى الكتب، تتحدث عن رجل مسنّ ومريض. تنقل إلينا الكاتبة صورة عذبة عن حياة رجل يعرف أنّه مغادر. إدراك المريض أنّه مغادر هو ما يمنحه الألق، حتى بالنسبة إلى الآخرين. تعرف، ربما لأنّي شخص يميل إلى التخلّي، أجد الحفاوة بالمغادرين أمراً متألقاً. لأنّهم ما إن يغادروا، نكتشف أنّنا غرباء ووحيدون من دونهم، هذا واحد من الدروس التي يحيا عبرها الأدب. أن يلمس الجانب العميق في الإنسان وهو، أن يدرك إنسانيته عبر الآخر.
* روائي سوري


حيدر صايغ *
الجسد البشري بطبيعتهِ يمتلك شراهةً لأن يزول. لذا فإنّ المرض كان وسيكون موجوداً دائماً بوجود الإنسان، محاولاً العمل بنظام عبثي لا يميّز بين فرد وآخر، ليرينا بأننا نمتلكُ جسداً ضعيفاً ومناعة ربّما تكون عاجزة أمام هذا التعقيد. الأمراض ذات التأثير الصغير والكبير بهجومها المُكرّر على الإنسان، يمكن أن تكون أشبه بالحرب بل ربّما هي أكبر من الحرب؛ فهي تقتل الآلاف من الناس سنوياً، تعيث تدميراً بالاقتصاد العالمي ككلّ، تؤثر على التوزيع السكّاني والهجرات، تغيّر من طابع المدن وتعزلها، تُسقط أنظمةً وأيديولوجيات وثقافات راسخة. على مدار التاريخ لم تخف الأمراض وخاصة الأوبئة الكبرى من الإنسان، بل عملتْ بجدٍّ على اختراقهِ، وتحويله إلى جثّة متفسّخة، أيضاً لم تحاول أن تزيل نفسها بزوالهِ، فقد بقيتْ متمسّكةً بالجثث منتقّلة إلى أقرب مضيف لتنتشرَ مرّة أخرى عند توفّر ظرف مناسب. ومع كلّ تقدّمنا في الطب فإننا نقف عاجزين أمام هذا النظام السادي للطبيعة وخيانة الجسد المستمرة لنا في كل يوم. في لحظةٍ ما من وجودنا، نكتشفُ أننا نحمل مرضاً مُستعصياً يفتكُ ببطءٍ بنا من الداخل أو يتحوّل إلى وباءٍ كارثي يكون من الصعوبة السيطرة عليه. يكمنُ خلف هذه المأساة خوف ويأس يرتبطان بالعزلة. ربّما أبرز ما يميّز عزلة المرض هو التجريد أو خلوّ كلّ شيء من المعنى. إنها لحظة عدميّة من خلالها سنكتشفُ أننا لسنا أحراراً حقاً وأننا مقيّدون بجسدٍ على وشكِ الفناء. إنه صراع على السرير بين إحساس وجودنا وإرادتنا بالعيش وبين خيانة وانهيار الجسد.
* قاصّ عراقي