تداول متعاطو نظريّات المؤامرة على مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة أخيراً مقطعاً من رواية للكاتب الأميركي دين كونتز صدرت قبل أربعين عاماً يصف فيه تعرّض الصين لتفشي فيروس وبائيّ طُوّر في مختبرات عسكريّة على نسق كورونا. في المقطع يتحدّث أحد أبطال رواية «عيون الظّلمة» (1981) أو The Eyes of Darkness عن أن الفيروس الذي «أطلق عليه اسم ووهان-400»، هو «السّلاح المثالي» لمسح مدينة أو دولة بالكامل من الوجود. ووهان هو اسم المقاطعة الصينيّة التي كانت أوّل وأخطر بؤرة لانتشار فيروس كورونا في العالم الآن. أمر أطلق موجة من التساؤلات حول حرب أميركية غير معلنة استهدفت الصين من خلال سلاح بيولوجي، وأنّ الكاتب اطلع بشكل أو بآخر على تحضيرات حكوميّة بشأن ذلك في وقت سابق.

رغم استبعاد خبراء في الأدب للبعد المؤامراتيّ في هذه «الصدفة» على أرضيّة أن كونتز كاتب ذكيّ يجري حتماً أبحاثاً مكثفة قبل شروعه في رواياته، وأنّ «ووهان» معروفة منذ نصف قرن بوصفها عاصمة الأبحاث العلميّة في الصين، لا سيما لناحية الحرب البيولوجيّة والجرثوميّة، فإن أجواء المؤامرة توسعت بعدما كُشف عن أن اسم الفيروس المتخيّل في الطبعة الأولى من «عيون الظلمة» كان «غوركي 400» نسبة إلى المدينة الروسيّة التي صُنّع فيها الفيروس، قبل تعديل فضاء الرّواية الجغرافي بداية من طبعة عام 1989 إلى ووهان الصينيّة في أجواء نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدّة والاتحاد السوفياتيّ، وتغيير العقيدة الاستراتيجيّة للدولة الأميركيّة نحو العداء لنظام بكين.

مينار مونرو ــ «أبوكاليبس» (برونز ــ 2018)

وقد أطلقت نبوءة كونتز المزعومة هذه حمى إعادة استكشاف للأعمال الروائيّة والأدبيّة ــــ كما كتب المتنبئون الشعبيون من نوستراداموس إلى سيلفيا براون ـــ التي تتعاطى مع موضوعة «الحرب المقبلة مع الصين» بحثاً عن المزيد من «الصدف» التي قد تفسّر للقراء حالة العالم اليوم في ظلّ أجواء عدم التيقّن والاتهامات المتبادلة بين الجانبين الصيني والأميركي حول أدوار محتملة للطرف الآخر بالمسؤولية عن تطوير فيروس كورونا، إن لم يكن عن إطلاقه عمداً كجزء من الصرّاع - البارد إلى الآن - المتصاعد بين الطرفين.
ومن اللافت طبعاً أن سوق الرواية الشعبيّة الأميركيّة (والأنغلوفونيّة عموماً) حفل منذ لحظة تحويل النخبة الأميركيّة لهدف عدائها الاستراتيجي من روسيا السوفياتيّة إلى الصين نهاية الثمانينيّات وبداية التسعينيّات بكم متتابع من الأعمال الروائية التي ترسم وقائع حرب عالميّة ثالثة، وهذه المرّة بين الصين (المتحالفة مع روسيا أحياناً) والولايات المتحدة. ويراوح الخيال فيها بين غزو صيني للولايات المتحدة، أو هجوم أميركي كاسح على الصين، أو نوع من مواجهة إقليميّة قاصمة في إطار صراع النفوذ حول الممرات البحريّة في غربي المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي. توسعت سوق هذا الأدب في السنوات الأخيرة لتأخذ تدريجاً مساحة كانت محجوزة قبلها لأعمال روائيين متأمركين من أصل صيني تصف تجارب الهجرة والاندماج والحنين للوطن الأم وتسهم بشكل أو آخر في بناء ثقة روحية متبادلة بين الثقافتين، فيما اندفع كتاب آسيويون من الصين (وهونغ كونغ) وكوريا (شمالية وجنوبية) واليابان إلى نشر أدب روائي معاكس يرسم وجهة نظر شرقيّة لذات الصراع.
التفسير العقلاني المجرّد لظاهرة نشوء هذه الأنواع الأدبيّة (الصينيّة) وازدهارها في سوق الثقافة الشعبيّة لا يخرج عن إطار الفكرة الكلاسيكيّة حول تداخل الأدب بالحياة، وأن الروائيين إنّما يرددون في أعمالهم أصداء من خبرتهم المعاشة في مجتمعاتهم. لعل نظرة سريعة إلى النتاج الفكري الأميركي في مجالات السياسة والتأريخ والفلسفة والعلوم العسكرية ستجد بالفعل جبالاً من الورق الذي أنتج معظمه خلال العقود الثلاثة الأخيرة للبحث في الصين وقراءة عقلها وطموحها وتركيبتها الحالية وجذورها التاريخيّة. وأصبحت مراكز الدراسات وأقسام الجامعات التي تتخصص في الشؤون الصينيّة صناعة ضخمة قائمة بذاتها، فيما لا يكاد يخلو عدد من مجلات النخبة الأنغلوفونيّة من ملفات ومقالات ودراسات وتحديثات تتعلق بالمارد الصيني.
لكن ما لا يعرفه كثيرون أن المؤسسة العسكرية الأميركية تتبنى رسمياً منهجيّة استكشاف المستقبل من خلال الأعمال الروائيّة كجزء لا يتجزأ من مجهود التخطيط الحربي. وهي لذلك تحتضن المواهب الروائية في برامج عمل مشتركة مع الأجهزة الأمنيّة يتّم فيها «تثقيف» الروائيين بأبعاد الصراع مع الصين (كأولويّة حاليّة للنخبة) من النواحي التاريخيّة والعسكريّة والتكنولوجيّة والثقافيّة توازياً مع خلاصة الموقف الرسمي الأميركي، وتمنحهم الفرصة للاطلاع عن قرب على مستوى الجهوزيّة لخوض الصراع وتصورات القيادات العسكريّة بشأنه، وغالباً ما يتم ترتيب لقاءات عالية المستوى لهم مع ذوي الرتب الرّفيعة، وتنظّم لهم زيارات ميدانيّة للقطاعات الحربيّة على تنوع أسلحتها وأماكن تموضعها حول العالم. ويفترض حينئذ أن يصوغ الروائيون ثقافتهم المكتسبة تلك أعمالاً أدبيّة مبدعة تمثّل بالنسبة إلى الجيش الأميركيّ سيناريوهات معقّدة حول مسارات مستقبليّة ممكنة للصراع يعكف مخططو الحرب على تقييمها ووضع برامج استراتيجيّة للتعامل معها.
وتخدم هذه البرامج الطرفين: الروائيّون يطّلعون من قلب المطبخ الإمبراطوري على أسرار ومعلومات وخبرات عمليّة حول البلد المستهدف لا تتوافر عادةً للعموم، مما يعدّ مكسباً معرفيّاً استثنائياً يمنح العمل الروائي عمقاً ومصداقيّة (لأغراض المادة الأدبيّة)، فيما يتجنّب الجيش - عبر الإفادة من طاقات الخيال المبدع للروائيين – خطر الوقوع في دائرة من الانغلاق الذاتي والتفكير الجمعي والافتراضات المسبقة في التخطيط لإدارة الأزمات والتطورات الممكنة من قبل رفاق السلاح الواحد. أمر كاد أن يتسبب بإشعال حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على خلفيّة أزمة الصواريخ الكوبيّة في الستينيات. وعادة ما ينظّم الجيش لقاءات ومناقشات بين منسوبيه والروائيين المحتضنين قبل وأثناء وبعد اكتمال النصوص الروائيّة ويحضرها عادة كبار الضباط في القواعد المختلفة داخل الولايات المتحدة وعبر البحار، كما في قاعات البنتاغون.
أوغست كول، أحد الروائيين المنخرطين في برامج الاحتضان العسكري الأميركي والمؤلف المشارك مع زميله بيتر وورن سينغر في رواية واسعة الانتشار موضوعها الصراع مع الصين عنوانها «الأسطول الشبح: حكاية الحرب العالميّة المقبلة» (2015)، يسمّي هذا النوع من الكتابة بالأدب الاستخباراتي، ويصفه بأنّه نتاج عبقريّ لتقاطع الخيال الأدبي بالمعطيات الاستخباراتيّة لرسم مسارات مستقبليّة للصراعات الحضاريّة والسياسيّة الاستراتيجيّة متجذّرة في معطيات الواقع الموضوعي. مسارات لا يمكن لأي من الطرفين ـــ الروائيّون والمخططون العسكريون ـــ توقعها من دون العمل مع الطرف الآخر . وفي الحقيقة، فإن رواية «الأسطول الشبح» بالتحديد حصلت على رضى العسكر الأميركي، ونقل عن ضباط في الجيش أن الروايّة غيّرت طريقة تفكيرهم بشأن الحرب المقبلة مع الصين، والتي تبدو وفق توجهات النخبة الأميركية مسألة وقت لا أكثر. وقد تمكّن الروائيّان كول وسينغر بسبب خبرتهما (الاحتضانيّة) من الحصول على وظائف مرموقة كمستشارين في بيوت خبرة وبنوك أفكار تقدّم خدماتها لأجهزة أمنيّة أميركيّة ودول صديقة، إلى جانب وضعهما سلسلة من الأعمال الروائيّة اللاحقة حول أشكال متنوعة من الحروب المستقبليّة تتم فيها مثلاً عسكرة مواقع التواصل الاجتماعي، أو شن حروب بالروبوتات أو عبر الفضاء السيبيري أو من خلال حلول بيولوجيّة وجرثوميّة متقدّمة أو حول الجندي السوبرمان الجديد حيث تتداخل البيولوجيا بالتكنولوجيا.
في رواية «عيون الظّلمة» (1981)، أطلق على الفيروس اسم «ووهان-400»


قائمة الاحتضان الأميركي واسعة تشمل معظم أسماء الروائيين المعروفين الذين أنتجوا أعمالاً في سياق صراعات المستقبل ومنهم مثلاً الشهير توم كلانسي (1986 - Red Storm Rising) وإيريك هاري (Invasion – 2000)، وهيمفري هوكسلي وسايمون هولبرتون (Dragon Strike – 1997) وديل ريليغ (How we lost the Great Pacific War – 2017)، وجيفري لويس (The2020 Commission Report – 2018)... . وكثيراً ما تفتح برامج الاحتضان هذه الباب لتعاون وثيق بين المؤسسات الأمنية الأميركية وهوليوود في تحويل تلك الأعمال الأدبيّة إلى أفلام ومسلسلات (وهذا بحث آخر).
الجمهور الأميركي ــ بمن فيه الجنود العاديّون ــ يقبل على هذه الأعمال بشراسة، وعادة ما تنتهي إلى التّربع على قوائم الروايات الأكثر مبيعاً، ناهيك بمشاهدتها لاحقاً في السينما أو عبر منصات الستريمينغ (نتفليكس وأخواتها)، فهي تطرح بنفس أدبيّ قضايا معاصرة يضاء عليها بكثافة في الإعلام الأميركي الموجّه غالبه أيديولوجياً لخدمة الإمبراطوريّة، وتقدّم معالجات مبنية على معطيات استخباريّة مثيرة غير متوفرة للعموم، إضافة إلى أنّها تؤنسن وتمنح وجهاً فردياً محبباً للمجهود الحربيّ المؤسسي في التمكين لهيمنة الدولة الأميركية. ولا تبدو الغالبيّة المغيبة من الشعب الأميركي بوارد الاعتراض على هذا العلاقة الحميميّة بين الأدب والإمبراطوريّة، بل ربما تراها بعد عقود صناعة الوعي المزيّف نوعاً من شهادة لوطنيّة كاتب الرواية، وحكنة مشهودة للأجهزة الأمنيّة التي تراها تناضل لحظيّاً لتوفير الحماية والأمن للوطن.
السؤال الذي قد يطرح الآن بشأن قيمة الأدب الاستخباراتي الذي ألهمته المؤسسة العسكرية الأميركية، فهو أقرب إلى سلاح موجّه منه أدباً للترفيه والعظة. لا شكّ في أنّه يمكّن قارئه من التفكير بمختلف الممكنات والسيناريوهات بدل اللجوء إلى الاستقرار اللّحظي الزائف. لكنّه على مستوى آخر، يمثّل نافذة أخرى يمكن منها لمعارضي الهيمنة الإطلال على طريقة تفكير النخبة الأميركية وتوجهاتها المستقبليّة وسقوف الأيديولوجيا التي تحكمها.... فكأنها نوافذ على الظلمة الحالكة التي تعتمل في قلب النخبة الحاكمة.