عرضت إيتل عدنان (1925) لوحاتها في بيروت للمرّة الأولى سنة 1973، حيث عملت كمحرّرة ثقافية لجريدة «الصفا» الصادرة بالفرنسية ورافقت عبرها الحركات الشعرية والتشكيليّة والمسرحيّة. جاءت إلى مدينة مقبلة على الحرب، بعد سنوات أمضتها في أميركا، أو كاليفورنيا، كما تحب أن تختصر البلاد. وكاليفورنيا هي مساحاتها وجبالها وطبيعتها التي تركت أثراً كبيراً على لوحتها. في كلّ مدينة حطّت فيها، حملت إيتل شيئاً معها. بحر بيروت بلّل لوحتها، وكان عليها أن تقترح ألواناً جديدة لجبل تمالباييس الذي كان يظهر من نافذتها في كاليفورنيا حيث درّست فلسفة الفن لسنوات. مثلما قسّمت حياتها على بلدان عدّة، وزّعت الفنانة اللبنانية الأميركيّة تجربتها الفنيّة على الرواية والشعر والتشكيل والمسرح والتطريز الملوّن للوحاتها.

ليس حصر هويّة عدنان الفنية فكرة جيّدة على أيّ حال. وسائطها تتخذ هيئات وسائط أخرى. الكتابة تصير لوحة بكلمات تتقاسم تجريدها مع الأشكال، ومن القصيدة تنبثق ألوان وتتقاتل فيها أيضاً: «شمس صفراء ومطمئنة على أفق هادئ ومسترخٍ قرب الأزهار. في كلّ يوم/ شمس انتصار الأصفر على الأخضر والأخضر على الأصفر في مرج الدموع». تقول إحدى قصائد «سفر الرؤيا العربي»، التي يعلو صوت تلاوتها في غاليري «صفير زملر» (الكرنتينا ــ بيروت) حيث تعرض أعمال معرضها الفردي «انتفاضة الألوان». لكن لوحة مطبوعة بالحجم الكبير على جدار الصالة تحسم الأمر. الأصفر بعكس الصمت والانطفاء. شعلة من الأصفر والبرتقالي تتوسّط مساحة تتفرّع منها أشكال هندسيّة ملوّنة، لكنّها متكسّرة. إنها الألوان وقد اكتسبت ملكة أخرى هي السطوة. لا يشتمل هذا على أسلوب الفنانة نفسه، بل على قدرتها المدهِشة على الخروج بألوان كهذه بلا تردّد، كما لو أنّ لديها قناعة لا تهزّ بأن هذا هو كلّ العالم.

من دون عنوان (زيت على كانفاس ــــ 55 × 46 سنتم ــــ 2018)


من دون عنوان «بساط منسوج يدوياً ــ ـ230×209 سنتم ــ 2016)

بعد تجربة وسنوات طويلة، من المرجّح أن يقتصر حضور الفنان على المناسبات الاستعاديّة لأعمال قديمة. لكن ذلك لا ينطبق على الفنانة التسعينية. بعد معرضها الأخير في بيروت سنة 2013، نرى مجموعة من أحدث لوحاتها ووسائطها الأخرى المنجزة بين 2017 و2019. الفنانة التي كتبت قصائد سياسيّة وحروباً دمويّة لا تغفل عن سياق المعرض في العاصمة اليوم. لم تسقط ألوانها الهادئة إسقاطاً على المدينة بصراعاتها الاقتصاديّة والسياسية، بل أرادتها «بارقة أمل» لهذه البلاد في مخاضها اليوم، ولو أن رؤية هذه اللوحات اليوم تعكس نقصاً وتكسّراً في الفضاء المديني لبيروت، خصوصاً في الطريق المؤديّة إلى الغاليري في الكرنتينا إحدى ضواحي بيروت الصناعيّة بشاحناتها وثكنتها العسكريّة وذاكرتها الممتلئة بالحواجز والدمّ. هكذا لن نرى لوحات إيتل، رغم كل سعيها للسفر عبرها بين الأمكنة، بمعزل عن هذا الخارج الذي يجعل من وجودها في بيروت أشبه بمجرّد عبور بها.
يغطي معرض «انتفاضة الألوان» أساليب ووسائط كثيرة عملت عليها إيتل من السجادات المطرّزة لبعض لوحاتها، ولوحاتها الزيتيّة الكثيفة، وبعض الرسومات ودفاترها الجامعة للأشكال والكلمات بوصفها أشكالاً أخرى. ثمة مساحة وافرة رسوماتها الزيتيّة لمناظر طبيعية. تلك التي تلوح أمامنا ما إن يؤتى على ذكر إيتل التشكيليّة. تتمدّد الألوان الزيتيّة على اللوحة بهدوء، كأنها تستريح هناك. يتّخذ كلّ لون مكانه. ولعلّ هذا ما يبرّر وفرة اللوحات التي تبدو مفتوحة على احتمالات لا تُحصى من الأشكال المجرّدة والألوان. حين تتبدّل الطبيعة ستتبدّل بين لوحة وأخرى، وليس في العمل الواحد نفسه رغم التداخلات والمقترحات اللونيّة الكثيفة ما بين الرمادي والأصفر والأحمر والأخضر والأزرق الطافي. تنحدر الشمس قليلاً، فيتبدّل لون السهل أمامها. تلوّن إيتل بالزيت وفي رأسها تبدّد هيبة الزيت وتتحايل على المسار الطويل الذي يفرضه على اللوحة. تجلس خلف مكتبها وتمدّد ألوانها السميكة، ولا تقوم إلا بعد إنهاء العمل تماماً. يتطلّب الأمر بضع ساعات فقط. تدفّق لوني وشكلي شاعري يركن في النهاية إلى قالب هادئ وتأمّلي، يترجم أمكنة ومشاهد طبيعية متكدّسة من أسفارها بين المدن. لكنها في كلّ الحالات، تصبح على سطح اللوحة أمكنة خاصّة جدّاً، تقوم على فائض وطفرة لونيّة ضمن قالب تجريدي من الأشكال والمربعات والدوائر والخطوط التي تقسّم المشهد. اللونيّة المسطّحة، هي أسلوبها في تلمّس الحياة وقد تمثّلت بالطبيعة الخالصة. كأن إيتل في نقل الطبيعة إلى اللوحة تستنطق مفاهيمها الواسعة، وتسعى إلى ما هو أبعد من تلوين تضاريسها الماديّة.

من دون عنوان (زيت على كانفاس ــــ 55 × 46 سنتم ــــ 2018)

إنها خلاصات عن الطبيعة لكنّها لا تستقر إلى وضع نهائي أو ثبات كما هي حالة الخلاصات. لها القدرة على التوالد إلى عدد لا يُحصى من الاقتراحات البصريّة، حيث الصفاء التام يروح ويجيء ويسافر بين مساحات داخليّة وأخرى كونيّة. حين شبهت أعمالها، بالفنان السويسري بول كلي لم تكن الإشارة فقط إلى التكثيف اللوني التجريدي، بل أيضاً إلى ذاكرة مليئة بالحروب يشترك بها الفنانان، خصوصاً في بيروت التي عايشت فترة من عنفها، إلّا أن ذلك لا يظهر له أثر في هذه اللوحات.
لم تركن إيتل إلى وسيط واحد. في المعرض، نرى سجّاداتها المطرّزة والمشعّة للوحات أنجزتها في الستينيات، حين كانت ألوانها صاخبة. السطح هنا لا يخفي تضارباً بينها. ثمّة صراع بين الألوان. ومع خيطان السجادات تبدو الألوان نافرة كما لو أنها تفيض عنها. تعود ذاكرة عدنان مع السجادات المفروشة في بيت العائلة في بيروت، قبل أن ترى ترجمتها الفعليّة للمرّة الأولى في زيارة إلى مصر إلى مركز الفنان والمهندس المصري رمسيس ويصا واصف الذي كان يسعى إلى تنمية الفنون المحليّة في الحرانيّة من خلال التطريز بالصوف. وسرعان ما نقلت هذه الممارسة إلى أعمالها ولوحاتها الملوّنة والفاقعة والطفولية. أما أعمالها المعروضة حالياً فقد صنعت في أوبوسون الفرنسيّة.
يغطي المعرض أساليب لجأت إليها مثل السجادات المطرّزة، ولوحاتها الزيتيّة، ودفاترها الجامعة للأشكال والكلمات


لطالما تعاملت عدنان مع الفن على أنّه لغة أخرى. ولدى اللغة العربيّة تحديداً تلك الليونة لكي تصبح لغة فنية في حرّية التحكم بمدى وأحجام الأحرف والكلمات. هذا المزج بين لغة الكلمة ولغة الفن عبّرت عنه إيتل ذات مرّة بأنّ «الرسم هو الكتابة، والكتابة هي الرسم». لعلّ هذا التداخل يكتمل في دفاترها المطويّة «ليبيريللو» المستلهمة من الدفاتر اليابانيّة. في السابق نقلت قصائد بعض من الشعراء العرب مثل عبد الوهاب البياتي وأنسي الحاج إلى الدفتر مع بعض الرسومات. وفي المعرض تعرض مجموعة من هذه الدفاتر التي تصبح فيها الكلمات مجرّد أشكال أخرى في تجاورها مع الأشكال المرسومة: بيت، بلد، ابن عربي، الكون، سمع، قال. تتوالى الكلمات بعشوائيّة بين صفحاته بما يشبه من يقف في مرحلة مبكرة جدّاً من تلمّس معانيها، بتساؤل أوّلي لا يخلو من الدهشة نفسها التي تبتكر فيها أشكالاً طفوليّة في بعض لوحات المعرض من فترة التسعينيات، استخدمت فيها إيتل الألوان الخشبيّة والمائية.

* «انتفاضة الألوان» لإيتل عدنان: حتى 11 نيسان (أبريل) ـــ غاليري «صفير- زملر» (الكرنتينا ــ بيروت). للاستعلام: 01/566550



بيروت يا بيروت


بعد فترة 14 عاماً قضتها في تعليم تاريخ الفن في جامعة «دومينيكان» في كاليفورنيا، عادت إيتل عدنان سنة 1972 إلى بيروت التي ولدت فيها وغادرتها باكراً إلى باريس. وسط فورة الصحافة، عرض عليها العمل كمحرّرة ثقافيّة في جريدة «الصفا» الناطقة بالفرنسية التي كانت قد افتتحت لتوّها. كانت بيروت حينها ملجأً لكلّ الثقافات من الشرق والغرب، وللفنانين والشعراء من كلّ البلدان العربيّة. في إحدى مقابلاتها في المعرض تستذكر تلك الحقبة من تاريخ بيروت، والتي لم تلبث أن انطفأت مع قدوم الحرب. لكنها تعرّفت إلى هؤلاء الشعراء والفنانين والمسرحيين الذين كانوا يجلسون في بضعة مقاه في الحمرا. في «الصفا» كتبت مقالات سياسية وثقافية وأعدّت فريقاً من الشابات والشبان من بينهم المخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب، قبل الانتقال إلى «الأوريون لو جور» حيث لم يسمح لها بالكتابة في السياسة، بل فقط اقتصر عملها على كتابة المقالات الثقافيّة. بشكل أو بآخر، تعدّ بيروت ولادتها الأدبية. ما إن بدأت الحرب حتى عادت إيتل إلى باريس. غادرت بيروت لكن بيروت طاردتها في روايتها «الست ماري روز» (1978) التي كتبتها بالفرنسية ضمن مناخات الحرب الأهلية وميليشياتها.