انطلق «مهرجان البستان» في 18 شباط (فبراير) الماضي بدورته المخصّصة للمؤلف الألماني بيتهوفن الذي تصادف هذه السنة ذكرى ميلاده الـ250. في ما يلي مراجعة نقدية مختصرة للأمسيات التي شهدها المهرجان لغاية تاريخه…. نحن تقريباً في منتصف الطريق، بين المواعيد التي مرّت وتلك المرتقبة في الأيام المقبلة.

افتتاح الدورة المسمّاة «لودفيغ» (الاسم الأول لبيتهوفن) كان مع السمفونية الخامسة، تلك التي تشكل النوتات الأربع الأولى منها نوعاً من علامة تجارية للإشارة إلى بيتهوفن. فغالباً ما تُستَخدَم كتابة «بوم بوم بوم بووووم» (محاكاة لصوت وإيقاع هذه النوتات الأربع) من دون الحاجة إلى الشرح أن المعني بها هو بيتهوفن. بمعنى آخر، هي أشهر أربع نوتات في تاريخ الموسيقى… ورغم ذلك، ورغم أنها اختيرت لافتتاح مهرجان يحمل اسم المؤلف الألماني، فوّتت الأوركسترا الوطنية بقيادة جيانلوقا مارتشيانو هذه اللحظة المهمة، وقدّمت واحدة من أسوأ القراءات الممكنة لهذا الدخول في واحدة من أشهر السمفونيات في التاريخ. هل المشكلة في الأوركسترا؟ أو في قائدها؟ برأينا المشكلة في الأوركسترا ثم في قائدها، إذ لنفترض أنه عجز عن «تلقينها» الحد الأدنى من أصول أداء هذا العمل (وغيره)، لماذا لم يرفض قيادة أوركسترا يعرف أنها ستسيء إلى سمعته؟! تابعنا بعد ذلك أداءً بلغ ـــ في حدّه الأقصى ـــ المستوى الجيّد واللائق. كونشرتو البيانو رقم خمسة في الأمسية ذاتها بدأ ضعيفاً لناحية العزف المنفرد الذي تولّته غلوريا كامبانر التي عادت وقدّمت نسخة، بمجملها جيدة، وختمت بـBis مفاجئ لشدّة بداهته: Für Elise، المقطوعة القصيرة من نوع الـ «باغاتَل» (Bagatelle) الشهيرة. لكن كامبانر كانت أذكى من أن تقدمها بشكلها المتوقّع، بل بالغت في استخدام أدوات أداء أكثر (الديناميكيات، التلاعب بسرعات الإيقاع،…) ما أعاد خلق العمل في ذهن المتلقّي كأنه يسمعه للمرة الأولى.
الحفلة الثانية تولّى قيادتها ميشال خيرالله، فقاد السمفونية الأولى بما لا يختلف عن مارتشيانو من حيث الأداء الميكانيكي الذي لا متعة فيه سوى أنه يسمَع حياً، ناهيكم بالأخطاء التي ارتكبها بعض أعضاء الأوركسترا الذين لا يرتقون إلى المستوى التقني والفني الذي يمنحهم حق العضوية في هكذا مجموعة (الهورنات مثلاً، والنحاسيات عموماً، كلّما عزفت أخطأت!). أما الكونشرتو الأول، الذي انضم فيه الشاب الإيطالي الموهوب فيليبو غوريني، فقد رفع من مستوى الأمسية. غوريني كان ممتازاً، بالأخص في الحركتين الأولى والثانية، في حين تحتمل الثالثة بعض الملاحظات الشكلية (رغم التحية لعازف الفلوت وقائد الأوركسترا لتظهيرهما تلك الأنشودة المقابلة للبيانو في المساحة التي تشهد ثاني تغيير نغميّ واضح إلى السلّم الصغير).
في الأمسية الثالثة، سمعنا السمفونية الثالثة والكونشرتو الثالث للبيانو والأوركسترا. الثالثة، المسماة «إيروييكا» (بطولية)، قادها مارتشيانو على رأس الأوركسترا الوطنية، ولم يكن متوقّعاً من الجهتين اجتراح معجزة في الأداء. باختصار، وكي لا نقسو كثيراً على الأوركسترا وقائدها، أتى أداء هذا العمل على شاكلة تعريف به لم يسمعه للمرة الأولى: هكذا هي، تقريباً، هذه السمفونية يا أعزائي. كيف تؤدّى؟ هذا ليس من اختصاصنا، اسمعوا كارايان (أي تسجيل يفي بالغرض) أو كلايبر الأب أو توسكانيني أو فورتفانغلر… أو أي تسجيل محترم آخر. وتماماً كالأمسيتَين السابقتَين، أتى الكونشرتو ليرفع قليلاً من مستوى الأداء. إنها الإيطالية فانيسا بينيلّي موزيل، التي قدّمت أداءً جميلاً شابته بعض الأخطاء غير المقصودة (وغير المزعجة أساساً، فهذا جزء من سحر الضعف البشري أمام صعوبة هذا النوع من التحف)، وبدا أحياناً «ناشفاً» (في الحركة الأولى خاصةً) في حين لم تقدّم الأوركسترا أكثر من واجب المرافقة، لكن أبت ألاّ تعكر المزاج ببعض النشاز (الوتريات في الحركة الثانية، بعد المقدمة) أو الركاكة في الإيقاع (في الجزء الأخير من الحركة الثالثة، وهذه مسؤولية المايسترو). في الختام، أضافت العازفة الحسناء، من خارج البرنامج، مقطوعة للفرنسي رافيل Pavane pour une infante défunte: إنها النغمات الأولى في الدورة التي لا تحمل توقيع بيتهوفن، إذا استثنينا النشيد الوطني الذي يسبق جميع الأمسيات ويؤدّى بتوليفات مختلفة (أوركسترا، مجموعة وترية من الأوركسترا، كلارينت صولو، بيانو منفرد، بيانو وكمان، بيانو وتشيلّو،…).
«اعترافات بيتهوفن»، إنه عنوان الأمسية الرابعة واسم كتاب جديد لألكسندر نجّار. هذا الموعد قدّمه عبد الرحمن الباشا عازفاً على البيانو والممثل جان-فرانسوا بالمر. بدأ العرض الأدائي المسرحي/ الموسيقي، بموسيقى مسجّلة لمطلع الكونشرتو الثالث، ونرى الممثل، الذي يلعب دور بيتهوفن في العرض، يقود العمل محرّكاً يديه في الفضاء، مقلداً قائد الأوركسترا (بشكل غير موفّق). بعدها يتم قطع الصوت المسجّل (قبيل دخول البيانو في العمل، وبشكل يفتقر للحس السليم لهذا النوع من «القص«!)، فيستدير الممثل/ بيتهوفن (وهو في الحقيقة شبيه فاغنر!) ويبدأ بـ«اعترافاته». في الحقيقة، هي ليست اعترافات (سبعة محاور تناولت لمحة عامة، والد المؤلف، ابن أخيه، المرأة في حياته، سمعه،…). سريعاً، هذه ملاحظاتنا الثلاث على مجمل العرض: أولاً، هذه ليست اعترافات، بل سيرة، وفي هذه الحال ذاتية، إذ لم يقدّم فيها نجّار أي جديد ينمّ عن تعمّق كبير في خبايا روح بيتهوفن من خلال أعماله وحياته. وهي تصلح جداً كمادّة تربوية، لا بل نقترح اعتمادها وتعميمها (بعد ترجمتها إلى العربية والإنكليزية) على المدارس والجامعات، لأنها مكتوبة بأسلوب سلس، ولو شابتها بعض المبالغات لضرورات المسرح. لكنها تبقى للمبتدئين… والأهم، هي ليست اعترافات. ثانياً، الممثل الذي تقمّص شخصية بيتهوفن، ولسببٍ مجهول، وقع في عدد كبير من أخطاء اللفظ (مع أو من دون تصحيح) لمفردات فرنسية غاية في السهولة، علماً أنها لغته الأم! باستثناء ثيابه، وبعض المقاطع الناجحة تمثيلاً ونطقاً، لم يكن ظهوره مقنعاً. علماً أنه قدّم العرض من قلبه. ثالثاً، وهنا الحيرة: عبد الرحمن الباشا. يبدو أن من شبّ على المستوى المتوسّط الذي يتمتع بالحد الأدنى من اللياقة والاحترام، شاب عليه. كما كان قبل ثلاثة عقود، لا يزال الباشا يقدّم بيتهوفن (عزف مقتطفات من سوناتات بالإضافة إلى مقطوعة مستقلة) بالطريقة ذاتها: لا جديد، لا مفاجآت، لا عذاب داخلياً، لا غبطة…

الجودة حان وقتها في الأمسية الخامسة، مع الثنائي رونو كابوسون (كمان) وكيت أرمسترونغ (بيانو)


الجودة حان وقتها في الأمسية الخامسة، مع الثنائي رونو كابوسون (كمان) وكيت أرمسترونغ (بيانو)، الذي قدّم خمساً من عشر سوناتات كمان وبيانو لبيتهوفن (1، 2، 3، 5 و9) وأكمل العدد في اليوم التالي. إنها أمسية لا تنسى (السوناتة رقم 3 بالأخص)، وصلت فيها الذورة في نهايتها، أي في الحركة الثالثة من أشهر أعمال هذه الفئة، الرقم 9. علماً أن أرمسترونغ غطّى بسهولة على زميله، فهو يتمتع بأصابع فولاذية، ولديه يد يسرى مهيبة، وبالتالي، مكانه ليس في موسيقى الحجرَة، بل في العزف المنفرد أو في كونشرتو من النوع الدسم. الأمسية الثانية لم نستطع حضورها، لكن قيل لنا بأنها لم تقلّ قيمة عن الأولى، وهذا بديهي. بعد أمسيتَي كابوسون/ أرمسترونغ، قدّم مساء الاثنين الفائت غوتييه كابوسون (تشيلو / شقيق رونو) وزميله جيروم دوكرو (بيانو) سوناتات بيتهوفن الخمس للتشيلو والبيانو. إنها ليلة تليق بمهرجان عريق وببيتهوفن، تخللتها لحظات تفاهم عالية، حبّذا لو تسمح المساحة بشرح أسهب. إذاً، لغاية الآن، كل الليالي ذات الطابع الأوركسترالي، تولّت الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية تقديمها بقيادة مارتشيانو وخيرالله. أما ليلة أول من أمس، فقد استضاف المهرجان أوركسترا سالزبورغ لموسيقى الحجرة. وبين «حُجرة» و«فيلهارمونية»، هناك ضخامة صوتية لصالح الثانية على حساب الأولى، لكن، يحصل العكس عندما تكون الثانية لبنانية والأولى نمساوية وقائدها يملك رؤية واضحة للعمل يريد استخراجها من موسيقييه! هكذا قدّم جيريمي رورير أجمل أمسية أوركسترالية لغاية الآن، سواء أكان في كونشرتو الكمان الذي شارك فيه العازف البارع شارلي سييم (اختار الـ«كادينزا» التي تحمل توقيع فريتز كرايسلر في الحركتين الأولى والثالثة، وهي مساحة ذات طابع ارتجالي وتبيّن مهارات العازف)، أم في السمفونية الثامنة لبيتهوفن… وهي أضعف سمفونية عند المؤلف الألماني، لكنه جعل منها عملاً يستحق السمع. فعلاً، كان ساحراً، وكذلك كان موسيقيو سالزبورغ… هذا القائد الأربعيني سيقدّم مساهمته الثانية الليلة، إلى جانب الأوركسترا ذاتها، لكن هذه المرة على البرنامج سمفونية من الطراز البيتهوفيني الرفيع (السادسة) موسيقى مسرحية إغمونت (أي الافتتاحية والمقاطع المغنّاة، تؤديها السوبرانو كريستينا غانش). الصوت «الكلاسيكي»، المتخفّف من الرومنطيقية، أتى ملائماً جداً للثامنة كما لكونشرتو الكمان، فهل يُظهّر في السادسة أبعاداً جديدة، غير «مسموعة» من قبل؟
أما السؤال الذي ما عاد يحتمل التأجيل فهو: ماذا يفعل الكونسرفتوار الوطني في لبنان في الوقت الذي لا يتطوّر فيه مستوى الأوركسترا ويزداد عدد الأجانب من أعضائها؟ هذا واحد من ملفات الفساد الكبيرة والخطيرة… وللبحث ثم للحديث صلة.

* مهرجان البستان الدولي للموسيقى: حتى 22 آذار (مارس) ـــ فندق البستان، بيت مري ــــ 04/972980