إنّها الأمسية السابعة في «مهرجان البستان» المخصّص هذه السنة للمؤلّف الألماني بيتهوفن. أي أنّ معها تنتصف الدورة الحالية (العدد الإجمالي هو 15 أمسية). بعد هذه الأمسية، سنقدّم تقييماً عامّاً للأمسيات التي شهدها المهرجان لغاية الآن، لكن اليوم سنعرض خصائص الموعد المرتقب هذا المساء.

هذه الدورة، المسمّاة «لودفيغ» (الاسم الأوّل لبيتهوفن)، تتميّز بتركيبة برنامجها الذي يطال فئات كاملة عند المؤلف الألماني (كل السمفونيات، كل كونشرتوهات البيانو، كل سوناتات الكمان والبيانو…). علماً أنه يهمل بعضها كلياً، حيث المهمَل ليس من النوع الشديد الأهمية، باستثناء سوناتات البيانو التي غابت عن الدورة، وهذه ثغرة كبيرة جداً، بل نقطة سوداء وحيدة في البرنامج. الليلة نسمع من أداء الفرنسي غوتييه كابوسون (تشيلّو) ومواطنه جيروم دوكرو (بيانو) فئة بكاملها، وهي سوناتات التشيلّو والبيانو الخمس، علماً أن لدى بيتهوفن أعمالاً أخرى لهذا الثنائي (تنوعيات على ألحان لموزار وهندل)، وعلى الأرجح أن يتمّ اختيار أحدها من خارج البرنامج في ختام الأمسية (bis).
كتب بيتهوفن هذه السوناتات الخمس في مراحل متباعدة من حياته. فهي تغطّي المراحل التأليفية الثلاث التي قسّمها النقاد وعلماء الموسيقى نظراً للتغييرات في أسلوب التأليف والمزاج العام، التي طرأت على مسيرته وميّزت هذه المراحل. السوناتتان الأولى والثانية تنتميان إلى المرحلة الأول، وهما بالتالي أقرب إلى الأسلوب الكلاسيكي في التأليف، حيث كان بيتهوفن لا يزال متأثراً بموزار وهايدن. السوناتة الثالثة هي من ثمار المرحلة الثانية، ونجد فيها بالتالي إرهاصات الانفصال عن الكلاسيكيين والتأسيس لحقبة جديدة، الحقبة الرومنطيقية. الرابعة والخامسة تنتميان إلى نهاية المرحلة الثانية وبداية المرحلة الثالثة التي اتّسمت بالرؤية والطليعية والتأمل وبإرساء قواعد الرومنطيقية، لا بل بدايات قواعد حقبات وأنماط ستولد بعد عقود من رحيل النابغة الألماني. نقول هذا الكلام لكي تتم مقاربة أمسية الليلة من هذه الزاوية. فالاستماع إلى هذه الفئة في ليلة واحدة يتيح مراقبة التطوّر في أسلوب التأليف عند بيتهوفن، وهو أمر ممتع جداً، ويتطلّب حضوراً ذهنياً تصاعدياً.
الموسيقيان اللذان يؤدّيان العمل، غوتييه كابوسون وجيروم دوكرو، هما من أرباب موسيقى الحُجرة في فرنسا والعالم، وبالأخص كابوسون الذي سبق أن سجّل كل أعمال بيتهوفن للتشيلو والبيانو مع مواطنه فرانك براليه، الذي للمفارقة، سجّل أيضاً كل سوناتات الكمان والبيانو العشر مع شقيق غوتييه الأكبر، رونو، الذي قدّم هذه الأعمال مساء الجمعة والسبت برفقة الأميركي كيت أرمسترونغ ضمن مهرجان «البستان» طبعاً... والخبر الأحدث في هذا السياق، أنّ الأخوان كابوسون وصديقهما براليه اجتمعوا وسجّلوا العملين الكبيرَين («الأرواح» و«الأرشيدوق») من فئة ثلاثيات البيانو والكمان والتشيلو، وصدر الديسك قبل يومين فقط! من جهة ثانية، الضيفان هما من مدرسة موسيقية عريقة، أعطت العديد من عازفي التشيلّو الذين سجّلوا هذه التحف، يبقى على رأسهم الراحل بيار فورنييه الذي أدى سوناتات التشيلّو ثلاث مرّات، مع ثلاث أساطير جرمانية (نمساويان وألماني) «بيتهوفينية» على البيانو: أرتور شنابل، فيلهلم كمبف وفردريش غولدا.

*الليلة ــ الساعة الثامنة والنصف مساءً ــ فندق «البستان» (بيت مري). للاستعلام: 04/972980