بعض التصنيفات في السينما تتجاوز جوهر الموضوع، ومنطق الصراع، وتتخذ من الأسلوبية والشكل والبناء، متكئاً لتحديد نوعية الفيلم! من هنا أتى تصنيف «سينما المكان الواحد» التي تستوحي نوعيتها من القالب الدرامي الذي تحتويه. يترك للمكان مساحة وافرة من الدلالة يكون فيها بطلاً رئيسياً في الحدث ومنطلقاً أساسياً نحو تطور الشخصيات وصراعها، كذلك يكون للحوار فسحة متوازية مع المكان لجدل يقارب المناظرة الفكرية تمنح المشاهد فرصة للميل نحو إحدى الشخصيات من خلال منطق نقاشه!

وفقاً لهذا، يبدو فيلم المكان الواحد كأنه رواية مصورة. الكلمة فيها هي العليا من دون مبالغة بالمؤثرات الإضافية. على هذا الأساس، قدّم المخرج والممثل السوري سيف الدين السبيعي أولى تجاربه في السينما من خلال فيلم «يحدث في غيابك» (تأليف سامر اسماعيل. بطولة: يزن الخليل، ربا زعرور، جلال شموط، عبد الرحمن قويدر) الذي افتتح أمس في «سينما سيتي» بعرض خاص على أن يبدأ عروضه الجماهيرية في الصالات السورية قريباً.
لا بد من محاكمة الشريط بطاقة إيجابية على اعتبار أنها التجربة الأولى لمخرجها، وربما يحق له فيها ما لا يحق له في تجارب لاحقة. الحكاية تعتمد على قصة حقيقية حدثت في حمص، تنطلق من بيت صحافي يعود حاملاً امرأة مخدرة نكتشف أنه اختطفها ليقايض عليها زوجته وابنه الرضيع اللذين اختطفا مع عشر رهينات أخريات من قبل جماعات أصولية، بحجة أنهن من أحياء موالية للدولة السورية وبذريعة التفاوض عليهن! الرجل المعتكف عند نشرات الأخبار وموسيقى زياد الرحباني التي تبثّها إذاعة «شام. إف. إم» التي كان لها صولات واسعة في تغطية أخبار حمص على وجه التحديد، لا يحترف الخطف. لذا لن يقوم بسلوكيات العصابات الخاطفة واحتراسها من الضحية. كل ما يفعله هو إشهار مسدسه لإخافة الفتاة التي يكتشف أنها تعمل طبيبة وستساعده لاحقاً عند تعرضه لنوبة ربو وإصابته بجرح بسيط.
تتصاعد الأحداث ببطء وتراوح العلاقة بين الصحافي والطبيبة في مطارح متباينة من القلق والحذر إلى التعاطف. تمكّنت الحكاية من جذب المشاهد، متجاوزة المطب الأكبر لمثل هذه الأفلام وهو الملل. كذلك حاكت بمهارة حبكة حوارات يمكن تعميمها على الصراع الطائفي السوري، كما أنها طرحت تفاصيل معينة كأنها معادل موضوعي، ولو بشكل رمزي لكلّ ما حدث من اقتتال في البلاد، في حين وسّعت حركة الكاميرا في لقطات معيّنة المكان من دون الشعور بضيق المكان الواحد لتتالي الأحداث، ولو كانت قطع الديكور للمتاريس الموضوعة على الشبابيك وأناقة المنزل غير مقنعة، خاصة أننا في حي هو نقطة اشتباك فعلية للمعارك. كذلك لا مبرر لوجود صحافي مؤيد هو ابن حيّ الزهراء الحمصي في منطقة مدمرة يصول فيها المسلّحون على هواهم وينفذون عمليات إعدام ميدانية!
تفتقر الحكاية لمنعطفات حادة على مستوى التصعيد من شأنها أن تزيد جرعات التشويق، ولم تكن اللهجة البيضاء التي تحدثت بها الشخصيات موفقة لتعميم الحدث على سوريا، طالما أن المعطيات أشارت إلى أننا في حمص. لذا كان لا بد من استخدام اللهجة الحمصية كونها تحمل خصوصية على المستوى المحلي. من ناحية ثانية، غاب إحساس الحرب عن المكان المرّتب، والمجهّز بكل شيء، حتى الضوء لا يوحي بأن البيت يعيش في نقطة ساخنة!
ورغم الأداء الملفت للممثل يزن خليل، إلا أنه بدا دون المستوى المطلوب في مشاهد ماستر مثل لحظة إصابته بنوبة ربو! على أيّ حال، تلقي التجربة بحجر في بركة راكدة، وتضيء على مطارح يفترض أن يلاحقها البناء الحكائي ليكثّف معاناة شخصياتها الحقيقية بعدما عاشت ألمها بصمت!