عادت فكرة «الصّراع الطبقي» بقوّة لتُطرح في سياق التنظير لموجة حراكات شعبيّة تعاظمت في أكثر من ساحة خلال العقد الأخير منذ الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وما نشأ عنها من توسّع متزايد في الهوّة بين الأقليّة الثريّة والأكثريّة الأقلّ حظاً. وهكذا استُعيد كارل ماركس، وتوأمه الفكري فريدريك إنجلز إلى النقاش العام بعد طول تغييب واتّهامات بالدوغمائيّة والجمود والعجز عن تفسير التحوّلات المجتمعيّة التي عصفت بالمجتمعات الغربيّة منذ الستينيات، وانكفاء اليسار بعد السقوط المدوّي للاتحاد السوفياتي وغالبيّة الأنظمة (الاشتراكيّة) الدّائرة في فلكه، و«انتهاء» التاريخ على عولمة اقتصاديّة وثقافيّة تديرها الإمبراطوريّة الأميركيّة، بدت لوهلة كأنها نهائيّة وسرمديّة لا يمكن كسرها.

استعادة «الصراع الطبقي» ـــ وهو الذي لم يتوقّف لحظة ـــ إلى طاولة النقاش أنعش بقايا اليسار، الذي ــــ بعد إفلاسه السياسيّ والأخلاقيّ وتشظيه وانخراطه في لعبة الهويّات المختلقة، عنصريّةً وجنسيّةً وعرقيّةً ــــ وجد أخيراً مبرّراً مقنعاً لإعادة طرح ذاته على الجماهير بوصفه سادن كعبة حرب الطبقات، وفيلسوفها الأعلى. وهكذا، أضيف هذا الصراع إلى قائمة الأولويات الثورية، متقدّماً على مسائل الهويّات المختلقة، مع تغييب متعمّد لقضايا التحرّر الوطنيّ، وإهمال غير بريء للمواجهة الأساس مع الهيمنة الأميركيّة.


وبالطبع فإن لا أحد يحتكر الحقيقة، ولا يمكن لأحد أن يعيب على اليسار ــ أو سمّه ما شئت ـــ خياراته السياسيّة المرحليّة أو الاستراتيجيّة، ولا شكّ في أن كثيرين من المنخرطين في هذه الجهة من الصراع السياسي لديهم أسباب وجيهة لتبنّي أولويات دون غيرها سواء على مستوى الأقطار، أو على الإطار الأممي الأوسع. إلّا أنّ ما يثير القلق بالفعل أن أصحاب هذه الخيارات يقدّمونها على أنّها فلسفة ماركسيّة الجذور، وأن وجهاتهم النضاليّة التي كثيراً ما تتوازى مع المشاريع الأميركيّة مستلهمة من التجربة الثوريّة كما هي عند ماركس وإنجلز، وهو تزوير فاضح، ولا أخلاقي، يسيء بالضرورة إلى القيمة الشامخة للأدبيات المؤسّسة للفكر الماركسي.
ماركس، ورفيقه كانا شديدي الوضوح بالطبع في ما يتعلّق بتحرير الطبقة العاملة وأولويّة وديمومة النضال لإسقاط الأنظمة الإقطاعيّة والبرجوازية، كخطوة لا بدّ منها لإنهاء الطبقات والتحوّل إلى الاشتراكية. لكنّ الرجلَين في بيانهما الشيوعي (1848) وقبل دعوتهما لإطلاق ثورة شيوعيّة تطيح بكلّ الأوضاع القائمة، عبّرا عن تأييدهما لـ «التحرّر الوطني لبولندا» (1). وكان إنجلز في نصوص سابقة له قد دعم بشكل جليّ «التحرر الوطني لإيرلندا»، ودعا إلى النّضال من أجل استقلال الشعب الإيرلندي بعد خمسة قرون من الاستغلال (2)، بينما لم يملّ ماركس في مواضع كثيرة من المناداة للنضال من «أجل تحرير إيرلندا» (3)، وكتب في 1847 عن «تحرر الأمم المضطهدة».
عند ماركس وإنجلز، فإن النضال الشيوعيّ للتحرّر الوطنيّ لم ينفصل يوماً عن النضال لتحرير الطبقة العاملة، وقد استمرّا على نهجهما بدعم الاثنين معاً بذات الشغف والقوّة كل الوقت. وفي مقالة لإنجلز من أيلول (سبتمبر) 1848، لفت أنظار قرّائه إلى عمليّة تقسيم بولندا الجائرة بين روسيا والنمسا وبروسيا (ألمانيا) مشيداً باستجابة الشعب البولندي لتلك المؤامرة من خلال حركة تحرّر وطنيّ وحّدت مختلف طبقات الأمّة، بما فيها طبقة النبلاء التي ــ من أجل الاستقلال وحريّة الشعب البولندي ــــ وضعت امتيازاتها الإقطاعيّة جانباً لمصلحة ثورة تحرّر وطني ديمقراطيّة (4). وقد علّق ماركس على موقف نبلاء بولندا وقتها بقوله: «إن تاريخ العالم لم يشهد مثالاً آخر على نبل الرّوح الذي قدمته هذه الطبقة على حساب مصالحها الذاتيّة» (5)، ما يشير إلى وضوح رؤية استراتيجي بشأن اختلاف نوعيّة التحالفات اللازمة لتحقيق أهداف التحرّر الطبقي مقابل تلك المرتبطة بالتحرّر الوطنيّ.
وقد استمرّ المفكّران في ذات النهج في ما يتعلّق بإيرلندا. وفي رسالة مطوّلة له، دعم ماركس فكرة تحالف نضال الطبقة العاملة البريطانيّة مع النّضال القوميّ لتحرّر إيرلندا. وأشاد في ذات الرّسالة بالشخصيّة الوطنيّة الصلبة للأمة الإيرلنديّة، مشيراً إلى أن مهمّة الطبقة العاملة في دول الاستعمار هي تكثيف المواجهة مع طبقتها الحاكمة لتخفيف الضغط عن النضالات الوطنيّة للأمم المضطهدة (6). وقد وصف ماركس الهند ـــ المستعمرة البريطانيّة ـــ بأنها إيرلندا الشرق. وكان في نصّ سابق له قد حذّر من «أن أولئك الذين لا يقدرون على استيعاب كيف تقوم أمّة بالإثراء على حساب أمّة أخرى، سيكونون أقل قدرة على استيعاب كيف يمكن لطبقة داخل ذات المجتمع أن تثري على حساب طبقة أخرى» (7). وهناك أمثلة كثيرة متناثرة في كلّ كتابات الرجلين لا يتّسع المقام لذكرها.
المنتسبون لماركس وإنجلز يجب أن يتّسموا بشجاعة التّحليل المختلف، وعدم الاعتماد على جهل الجماهير بهما لتحميلهما وزر اجتهادهم!


ترافق النضالَين الوطني والطبقي عند ماركس وإنجلز، لم يكن مجرّد ترف نظريّ أو سياسي فحسب. إذ يذكر الاشتراكي الفرنسي تشارلز لونجيه في نصّ له من عام 1872 ـــ وهو كان متزوجاً من إحدى كريمات ماركس ـــ أن العائلة كانت جميعها تتابع نضالات وثورات البولنديين والإيرلنديين الوطنيّة بذات الحماسة التي كانت تتابع بها نضالات البروليتاريا في مختلف الدّول. وعندما أعدم ثلاثة من الثوار الإيرلنديين في مانشستر 1867 بعد القبض عليهم يتآمرون لتحرير اثنين من القادة الإيرلنديين المسجونين هناك، كتب ماركس لرفيقه إنجلز يقول: «جيني (زوجة ماركس) ما زالت ترتدي السواد منذ إعدامات مانشستر، وتضع صليباً بولندياً وعصابة إيرلندية خضراء». وقد أجاب إنجلز على تلك الرسالة بقوله: «ربما يجب أن أخبرك بأن الأسود والأخضر من الألوان السائدة في منزلي أنا أيضاً هذه الأيّام» (8).
في ظلّ توفر هذه الإشارات الكثيرة عند ماركس وإنجلز، ربمّا ينبغي أن نعيد قراءة مفهوم «الصراعات الطبقية» كما في البيان الشيوعيّ ـــ لاحظ صيغة الجمع كما في نص البيان ـــ كتمثلات مختلفة شكلاً وموضوعاً يمكن أن يأخذها «الصّراع الطبقي» الذي ينبغي للشيوعيين الانخراط به، مرّة ضد الطبقة المهيمنة داخل المجتمع الواحد، وأخرى ضدّ الهيمنة الخارجيّة ـــ وهذه تكتسب أولويّة في حال الأمم المضطهدة ـــ، وثالثة لتحرر النّساء من سطوة المجتمع البطريركي، وهذه موضوع بحث آخر. فيافطة «الصّراع الطبقي» التي برّر يساريون كثر مواقفهم المتآلفة مع غايات الإمبراطوريّة الأميركيّة على أساسها يجب أن تُزال لمصلحة رؤية أشمل للمفهوم، تنقله إلى حيّز نظريّة عامّة للنّضال الاجتماعي لكل المضطهدين تتعدد أشكاله وساحاته وفق تعقيد الحالة، بينما ترتب فيها الأولويات المرحليّة في لحظة تاريخيّة محددة ـ إذا كان لا بدّ من المفاضلة بين النضالات والتحالفات الموقوتة ـــ لمصلحة التحرّر الوطني، وفوق الاعتبارات الأخرى. ويدرك الماركسيّون أكثر من غيرهم أن ماركس ليس نصوصاً مقدسة، بل إعمال للفكر النقدي في دراسة العالم المادي الذي قد يحتّم ربّما تقديم أولويّة أخرى على التحرر الوطني في سياق مشروع تحرري ممكن. لكن عندها يجب أن يمتلك المنتسبون لماركس وإنجلز شجاعة التّحليل المختلف، وأن لا يعتمدوا على جهل الجماهير بكتابات الرجلين لتحميلهما وزر اجتهادهم هم الذي قد يصيب أو يخطئ.

1- الأعمال الكاملة بالإنجليزية، طبعة لندن، مجلد 35 صفحة 296.
2- الأعمال الكاملة، مجلد 35 صفحة 289.
3- الحرب والثورة، دومينيغو لوسوردو، فيرسو 2015.
4- الأعمال الكاملة بالفرنسيّة، طبعة باريس، مجلد 2، الجزء الأول، صفحة 258.
5- المرجع السابق.
6- الرسالة مؤرخة في إبريل 1870.
7- الأعمال الكاملة بالإنجليزية، مجلد 35 صفحة 639.
8- الأعمال الكاملة بالفرنسيّة، المجلد 2، الجزء الثاني، ص 32.