لندن | برغم الشغف الكبير الذي تملّك كلاً من المفكر الفرنسيّ ميشال فوكو (1926 ــــ 1984) والقائد الإيطاليّ أنطونيو غرامشي (1891 ــــ 1937) للبحث في فلسفة القوة في المجتمعات وطرائق عمل الهيمنة، وتقارب منهجيّة تفكيريهما في محاكمة الظواهر، إلّا أنّ ظروفاً موضوعيّة عديدة فرضت قراءات منفصلة لكلّ منهما، ونوعاً من ميل غير مبرّر إلى اعتبار ما تركاه من أدوات نقديّة في تحليل السوسيولوجيا السياسيّة والثقافيّة للمجتمعات ما بعد الرأسماليّة أقانيم منفصلة متوازية، لا جامع بينها سوى وحدة موضوع التحليل. فتطوّر مشروع فوكو الفكري عبر مراحل حياته المهنيّة تضمن عدة قفزات ثوريّة متعاقبة انتقل كل منها إلى مستوى جديد من «التنقيب» في ذلك المزيج العجائبيّ بين القوّة والمعرفة، وديناميات العلاقة بينهما منطلقاً من قراءة جدليّة الطابع للنصوص التاريخيّة من بدايات صعود الرأسماليّة كما في الطبّ والقانون واللّغة. في المقابل، لم يؤّلف غرامشي كتاباً بالمفهوم التقليدي، لكنّه قدّم أهم منظومة فكريّة متكاملة في تفكيك بنية الهيمنة تركها متناثرة في ثنايا آلاف المقالات الصحافيّة والرسائل الشخصيّة كما تدويناته في «دفاتر السجن»، التي يصعب وضعها في إطار واحد لغير المتخصصين والعارفين بلغة غرامشي، والظروف والمناخات التي خطّ نصوصه في ظلّها.


انكبّ غرامشي على دراسة صناعة الهيمنة من قِبل النخبة

وعلى الرغم من خلفيتهما الماركسيّة المشتركة ــــ كان فوكو عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي في بداية الخمسينيات وانصرف عنه لحظة غياب ستالين وتعالي الجدل بشأن حقيقة ما كان يجري وراء الستار الحديدي في الاتحاد السوفياتيّ، بينما كان غرامشي مؤسس الحزب الشيوعي الإيطاليّ ونائباً منتخباً عنه في البرلمان لحين اعتقاله في 1926 على يد الفاشيست - فإنه لا يعتقد بأن فوكو حصل على فرصة حقيقيّة لقراءة غرامشي، مع أن اليساريين الفرنسيين كانوا الأسبق إلى نقل «دفاتر السجن» من الإيطاليّة في وقت مبكر (1953) قبل غيرهم من الأوروبيين (تُرجمت أجزاء من الدفاتر إلى الإنكليزيّة للمرة الأولى في 1970). إذ أن اهتمامات فوكو حينها أخذته إلى مكان آخر تماماً بعيداً عن السياسة المحض، وعن فرنسا بعدما قبل بوظيفة مدرّس للغة الفرنسيّة في أوبسالا في السويد، وغرق هناك في قراءة مكتبة هائلة من التقارير والدراسات الطبيّة النادرة التي تراكمت في مكتبة المدينة منذ القرن السادس عشر، وقد وضع على أساسها كتابه عن «تاريخ الجنون»، ولاحقاً عن نشوء الممارسة الطبيّة المعاصرة، ما دفعه في مسارات بحثيّة موضوعها استكشاف كيفيّة تحضير أنساق المعرفة الأفراد للخضوع لهيمنة المجتمع، بدلاً من كيفيّة صناعة الهيمنة من قِبل النخبة كما عند غرامشي.
ولعله ينبغي أيضاً التنبيه إلى حقيقة أن دراسات الهيمنة في الفضاء الأنغلوساكسوني بقيت محصورة في أبراج وتجارب محدودة نسبياً، وكثيراً ما تعرّضت للتضييق من قِبل شرطة الأفكار في جامعات الغرب (أغلق قسم دراسات الثقافة في «جامعة بيرمنغهام» بعد وقت قصير من مغادرة البروفيسور ستيوارت هول منصبه هناك بعدما قدّم قراءات غرامشيّة الطابع في تحليل الثقافة المعاصرة. قرارات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منهجيّة النقد الثقافي والفنيّ والإعلامي)، ناهيك بعُزلة التّخصص بين من قرأ فوكو وتأثر بالفضاء النظريّ الفرنسي، والغرامشيين في بريطانيا ولاحقاً في الولايات المتّحدة. بل إن أحد تلاميذ فوكو وضع كتاباً كاملاً في ذمّ الفكر الغرامشي (ريتشارد ديه: «غرامشي قد مات») بوصفه استمراراً إيطاليّاً للقوالب الماركسيّة الجامدة، وكتب أحدهم (نورمان جيراس) مقالة مطوّلة في استحالة الربط منهجياً بين الرجلين.

درس فوكو في البدء كيفية تحضير أنساق المعرفة الأفراد للخضوع لهيمنة المجتمع

مع ذلك، فإنّ مفكرين معاصرين يجدون بشكل متزايد نقاط التقاء وتقاطع مثيرة للاهتمام بين الفوكويّة والغرامشيّة وإن في جوانب متفرقة منهما، لعل أهمها ــ ربما من دون إعلان صريح - كان ثلاثيّة «الإمبراطوريّة» التي وضعها مايكل هاردت وأنطونيو نيغري (نُشر الجزء الأول منها عام 2000) فجاءت كمعمار مشغول من نسيج فوكوي – غرامشي مشترك. لكن اللوحات التحليلية المبهرة لهاردت ـ نيغري عن مآلات الإمبراطوريّة المعولمة المعاصرة، صرفت الأنظار عن وحدات البناء النظري لها، وانشغل المثقفون بتبنّي استنتاجاتهما أو معارضتها من دون اعتناء بالسحر الذي نشأ عن التقاء ــ غير معلن ـــ بين المدرستَين الفكريّتَين.
وحدها الفيلسوفة النسويّة جوان كوكس كانت قد صاغت مجادلة مباشرة وصريحة في الدعوة إلى استحضار الفوكويّة والغرامشيّة معاً كجناحين متكاملين لنظريّة نقديّة معاصرة وأدوات تحليل وتفكيك للهيمنة تليق بمستوى تعقيد حضورها في القرن الحادي والعشرين. رغم أنها لم تقدم على تنفيذ تلك القراءة بنفسها، إلا أنها سجلّت أنها أثناء ترسيمها لمشروعها النظريّ حول قضايا النسويّة وصراعات الجندر، وجدت نقاط تقاطع والتقاء مثيرة بين الفكرين فسّرت في ظلّها عديداً من ظواهر القمع والخضوع في مجتمعات الرأسماليّة المتأخرة لم يكن ممكناً لها تفسيرها باعتماد أحدهما دون الآخر. وهي ترى أنه يمكن تعويض جوانب ضعف الغرامشيّة بأدوات فوكويّة، بينما لا تكتمل نظريّة الخطاب عند فوكو من دون تصوّر غرامشيّ النزعة للهيمنة الآتية من المركز - الفوقي.
مفكرون معاصرون يجدون نقاط تقاطع مثيرة بين الفوكويّة والغرامشيّة


دعوة كوكس، لم تذهب أدراج الرياح، وقد نجحت بالفعل في لفت انتباه الباحثين لإمكان التجسير بين المدرستين ديالكتيكياً وخلق إطار نظري أوسع في دراسة صناعة «الحقيقة» يستوعب المعطيات المستجدة في عالم السياسة اليوم بعد تطور تكنولوجيّات الرقابة والتواصل الحديثة، والكشف عن جبال من الوثائق التاريخيّة التي إما نُشرت بعد مرور فترات الانتظار الطويلة المطلوبة من الحكومات (الأرشيف البريطانيّ والفرنسيّ كما أرشيف الاتحاد السوفياتي السابق)، أو تسرّبت عبر موقع ويكيليكس وغيره (الحالة الأميركيّة). لكن علماء السياسة المعاصرين من أمثال لاكلاو، وموفي، وتورفينغ ورادهاكريشنان الذين حاولوا إطلاق مثل هذه المهمة الجليلة، لم ينجحوا بعد نظراً إلى خلفياتهم النظريّة المنحازة لإحدى المدرستين دون الأخرى بحكم التكوين المهني. لكن مبدأ التّجسير صار مقبولاً اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. لا شكّ في أن الأجيال الجديدة من السوسيولوجيين المعنيين بقراءة الظواهر الثقافيّة والسياسيّة وتداخل السايكولوجيّات الفرديّة والجماعيّة، لا سيّما خارج هيلمان الأكاديميا الوظيفيّة في الجامعات الأميركيّة البريطانيّة، ستكون أكثر انفتاحاً على فكرة تكريس تكامل الفوكوية والغرامشيّة، على نحو يعد بإمكان بناء أدوات مواجهة أكثر فاعليّة في النضال المستمر من أجل تحرّر الإنسان وكسر تغوّل الرأسماليّة ونخبة مصاصي الدماء في الإمبراطورية المعولمة المعاصرة.