هذه بلاد الورشات السعيدة! من دمشق والسويداء إلى اللاذقية، أينما اتّجهت تباغتك ورشة فنيّة بكامل عتاد الميدان: تمثيل، ارتجال، كتابة، دراماتورغيا. ورشات بزغت كالفطر بخبراء مزيّفين غالباً، وبدقة أكبر، يحتاج معظمهم إلى من يدرّبه. كانت كلمة ورشة تتعلّق غالباً بمهنٍ محدّدة مثل: ورشة لتسليك المجاري، وورشة لحفر الآبار الارتوازية، وورشة للتمديدات الصحيّة، وورشة لتعليم الخياطة والتطريز. أما اليوم فلن تجد من يصلح حنفية الماء المعطّلة، ولكنك ستجد عشرات ومئات ممن خضع لدورة أغرار في السينما أو المسرح أو السيناريو أو الفوتوغرافيا وحتى كتابة الشعر.

اخترعت «المؤسسة العامة للسينما» قبل سنوات اسماً برّاقاً لورشة مرتجلة هو «أكاديمية السينما». لا تتجاوز الدراسة في هذه الأكاديمية السنة الواحدة وفي غياب الأكاديميين تقريباً، فيما سيشرف على مشاريع «سينما الشباب»، في إحدى الدورات «مخرج يحمل الشهادة الابتدائية»، كان يعمل عارضاً سينمائياً ومخبراً، فيما استبعدت أسماء مخرجين موهوبين وفقاً لقائمة سوداء غير معلنة. وعلى الضفة الثانية، خسر «المعهد العالي للفنون المسرحية» معظم مدرسيه، وعمّت الفوضى والمحسوبيات قوائم قبول الطلبة، فيما انتعش نظام الورشات خارج أسوار المعهد تعويضاً عن خسائر محقّقة.

تساوت جهود مخرج مثل محمد ملص مع جهود آخرين مجهولي النسب الإبداعي

لا يمكن وضع كل هذه الورشات في سلّة مثقوبة واحدة، إذ لا بد من وجود استثناءات، كتلك التي يديرها المخرج أسامة غنم، وسمير عثمان، وجمال شقير، فيما انتشرت دكاكين لورشات أخرى بما يشبه الحمّى تحت عناوين واختصاصات تذكّر باختصاصات العيادات التجميلية لجهة شفط الدهون ونفخ الشفاه (بوتوكس، فيلر، بلازما، ميزو). اليوم، نكاد نجزم أن معظم غلمان مقاهي المثقفين الجدد يحمل صفة مخرج، بمجرد أن يقتني وشماً في كتفه أو كاحله، وحقيبة على ظهره لا نعلم محتوياتها، هل هي كتب في إدارة الممثل، أو كتابة السيناريو، أم مخلّفات شعرية مستخرجة من مدخنة الفايسبوك الزرقاء، وربما تحتوي على بيجاما وجوارب لزوم الطوارئ والحالات الإسعافية، فهؤلاء خضعوا لورشات تدريبية تخولهم اقتحام الوسط الثقافي بفيلم قصير أو مشهد مسرحي مرتجل، أو سحبة عتابا وراء ميكرفون في إحدى حانات باب شرقي، أو قصيدة ركيكة، ولكن مهلاً، هناك ورشات خاصة بالهايكو السوري، وهذه لا تحتاج إلى أوراق ثبوتية أو موهبة خارقة، يكفي أن تتقيأ عبارة ما تشبه الحقنة حتى تكتسب عضوية مباشرة في هذا النادي المفتوح ليلاً نهاراً مثل صيدلية مناوبة. هكذا تساوت جهود مخرج مثل محمد ملص أو محمد عبد العزيز في إدارة ورشات للكتابة بالكاميرا مع جهود آخرين مجهولي النسب الإبداعي، في فوضى محكومة بجسارة الجهل والتكسّب وفوضى الحرب، وقبل كل ذلك، بسبب ترهّل المؤسسات الثقافية الرسمية وانحسار الكوادر الأكاديمية، وانغلاق برامج هذه المؤسسات على مخيّلة معطّلة تعمل على السطح من دون أن تشتبك مع أسئلة الحرب بشكل جوهري، مكتفية بعناوين مكرّرة منذ القرن الماضي بالأداء السقيم نفسه.
نذهب إلى «مسرح الحمراء» أو «مسرح القباني» أو دار الأوبرا، فلا نجد أثراً لهذه الورشات إلا نادراً، ذلك أن معظم ما يُقدم فوق هذه المنصات بضاعة مغلّفة بسيلوفان وطني مغشوش، يدعو إلى التثاؤب، بسيطرة ورشة محصّنة من الشبهات لها حصتها الموسمية من الغنائم، بتكرار التواقيع نفسها، بصرف النظر عن فشل هذا العرض أو ذاك. أفلام، ومسرحيات، وندوات، ومطبوعات تشبه حساء المرضى في المستشفيات، تجد من يصفّق لها على الدوام، فوفقاً لما يقوله سمير عثمان في توصيف أحوال المنصّة السورية داخلاً وخارجاً «هناك فريقان مسرحيان، أحدهما يطبّل والآخر يزمّر».
هناك ورشات خاصة بالهايكو السوري!

ورغم كل هذه العلل، إلا أن انتشار ظاهرة الورش الإبداعية، من زاوية نظر ما، ينطوي على احتجاجات علنية ضد الولائم البائتة للمؤسسة الرسمية، مثلما هي تعبير عن تمثّلات مجتمع أهلي وجد نفسه في عراء لحظة ملتبسة بلا سياقات معرفية صلبة، فلجأ إلى خيارات ثقافية مستقلة تنمو وتنتعش في الأزقة الفرعية للفرجة، بقصد مقاومة فصول الاحتضار البطيء، ومحاولات النجاة من تراجيديا البلاهة. في مسلك مجاور، سنقع على ورشات لتوزيع شهادات دكتوراه وهمية تُباع من جامعات غامضة وعابرة للحدود، تغذّيها فضائل الفوتوشوب والأختام المزوّرة. وإذا بنا أمام كتيبة من أصحاب الدكتوراه الفخرية لزوم المنفخة، وطي صفحة البكالوريا شحط، استعداداً لمنصبٍ ما، أو إدارة ورشة ما. ما حصل فعلاً، أن حلّاقين كثراً جرّبوا الحلاقة في رؤوسنا، فوجدنا أنفسنا برؤوس وأدمغة على الزيرو. يكفي أن نقرأ بذهول واستغراب ودهشة، ما تنشره مواقع الكترونية بالوثائق والأرقام والتواريخ عن فضائح تجري في مطابخ الثقافة على أيدي ورشة فساد أقرب ما تكون إلى ممارسات المافيا والبلطجة واللصوصية، تعمل على نهب المال العام في وضح النهار، ومن دون سراويل داخلية. في حال كانت هذه الوقائع صحيحة ودامغة لجهة جسارة النهب، ينبغي أن نقول: حقاً إنها بلاد الورشات السعيدة!