تنطلق اليوم دورة «أشغال داخلية 8: منتدى عن الممارسات الثقافية» وهو المنتدى الذي تعرّفت إليه بيروت عام 2002 من تنظيم جمعية «أشكال ألوان» بالتعاون مع مؤسسات وجمعيات أخرى. حتى 27 من الشهر الحالي، ستكون بيروت على موعد، مع ورشة فنّية وثقافية مع فنّانين وكتّاب وناشطين، لبنانيين وعرب وأجانب، يجسّدون عبر عروضهم وأفكارهم، عيناً مختلفة على الواقع السياسي والاجتماعي الذي نعيشه. إذ تقول مديرة «أشكال ألوان» كريستين طعمة إن «أشغال داخلية» مشروع يتطرق إلى كل ما يدور حولنا، مضيئاً على موقع الفنانين والكتّاب والناشطين من سير الأحداث، فهو يحرص على عدم فصل الفن عن السياسة والاجتماع وكل ما يعنينا في المجال العام.

تزخر المحطة الثقافية متعددة المجالات هذا العام بمعارض جماعية ومشاريع فنية، إلى جانب محاضرات وندوات وقراءات وعروض موسيقية وراقصة ومسرحية وسينمائية وفيديو وإصدارات. على أن تجري هذه المناسبات في فضاءات متعددة في بيروت، منها غاليري «أجيال» في الحمرا، و«أشكال ألوان» ومركز «بيروت للفن» في الجسر الواطي، و«ذا بالروم بليتز» الطريق البحرية، ومسرح «المدينة» في الحمرا، ومسرح «مونو»، و«دوار الشمس» في الطيونة.
الدورة التي تأتي بعد انقطاع أربع سنوات («أشغال داخلية 7» جرت في 2015)، تتخذ عنواناً كبيراً لتأطير فعالياتها: نقرأ في تعريف المنتدى أنها تستحضر فنانين وكتاباً ومخرجين وناشطين ومفكرين «للمساهمة في تبني واكتشاف معنى بناء العالم». تربط الورشة الفنية بين النهاية المرتقبة للحرب السورية و«التبرؤ العنيف» من أي أمل ممكن لبناء عالم مغاير ــــ وسط زحمة المزايدة والتهافت على الاستثمار، ما يجعل من هذه المرحلة مُختبراً لتوسعة اقتصاد السوق إلى أقصى حدوده ـــ «بتساؤلات حول كيفية حماية المُخيّلة المتحرّرة الراديكالية من خطر الخطابات القاهرة واقتصاد التدمير وإعادة الإعمار؟ في عالمٍ وسمته عقود من سياسات التقشّف النيوليبرالية، واستفحال صيرورات التمويل، وتسارُع وتيرة تدهور البيئة، وفورة حركات اليمين المتطرّف المتعصّب للهوية». يسعى المنتدى إلى البحث في «بناء العوالم» في سياق «مواجهة المجتمعات لشروط الزمان والمكان القاهرة، ما يجعل استحضار المخيّلة الراديكالية واستقراء العوالم المتخيّلة باعتبارها أنماطاً للمعرفة - نسعى لكسر حلقات الهلاك والتهالك والإنهاك المُقفَلة».
تضرب لنا هذه الدورة موعداً مع عروض وندوات ومحاضرات مهمة ومتنوعة، فسنشاهد مثلاً «متاحف اللوڤر/ أو رفس الموتى» لوليد رعد، وشريط فيديو «هبوط» لأكرم زعتري، و«بوربوريغموس» لمازن كرباج، وربيع مروة ولينا مجدلاني، إلى جانب ندوات تطرح إشكاليات عربية راهنة، يتقاطع فيها السياسي بالثقافي والعام بالخاص مثل «دروب التفافيّة صوب المستقبل»، و«طرابلس - حمص: الرحلة رقم 74»، و«في حلبة رقص المخيّلة المشتركة».
في «متاحف اللوڤر/ أو رفس الموتى» (مسرح المدينة 18/10 ــ 15:00)، يصطحب وليد رعد الجمهور في في جولة بين أرجاء معرضه، تتشكّل من عرض PowerPoint على نهج المحاضرات، إلى جانب عروض ڤيديو، من قصص غريبة عن الحرب العالمية الأولى وتعليم الفنون وعرق عمال البناء وتاريخ المباني الشاهقة في نيويورك. يقدّم رعد عدداً من الشخصيات في هذا المسار، منها محارب سابق في حرب ڤيتنام مهووس بالحرب العالمية الأولى، وعدد من مرمّمي السجاد وأباطرة العقارات ومختلف الشيوخ والأمراء.
أما شريط «هبوط» (متروبوليس صوفيل 21/10 ـــ 19:30) لأكرم زعتري، فيتخذ من منطقة الغريفة الشعبية نقطة انطلاق له، وهو مشروع إسكان عام بني لأبناء قبيلة الكتبي في الشارقة مطلع الثمانينيات. شعبية تبدو اليوم أنقاضاً. في الفيلم، يجد ثلاثة رجال أنفسهم عالقين في الصحراء. يتخذ اكتشافهم للموقع شكل استكشاف صوتي للمكان. الكابلات، وأنابيب الصرف الصحي، والمجارف، وأدوات المطبخ، ومراوح النفخ الكهربائية وصولاً إلى مروحية تهبط في موقع تصوير فيلم زعتري، تلعب كلّها دوراً في الفيلم نظراً لقدراتها الصوتية بدلاً من السردية، ما يخلق انكسارات ومواجهات وتحولات في سرد متقطع.

يحرص المنتدى على عدم فصل الفن عن السياسة والاجتماع


وفي محطة تمزج بين السحر الموروث من القصص الدينية بالخيال العلمي، نشاهد في «أشغال داخلية 8» محاضرة مؤداة لرائد ياسين بعنوان «دوزان الزمان» (متحف سرسق 20/10 ــ 15:00). يأتي هذا المشروع قراءةً لحدث موسيقي شهدته مغارة جعيتا في لبنان في العام 1969، حينما قدّمت أعمال المؤلّف الموسيقي الأشهر كارلهاينز شتوكهاوزن في سياق مهرجان موسيقي دوليّ. يرافق رائد ياسين رحلة شتوكهاوزن الكونية التي يستقرئ فيها الجبلة البشرية والنزعة الشمولية التي ألهمت تجاربه الصوتية في المغارة. يعاود ياسين تصوّر الأصداء الصوتية الناجمة عن عمل شتوكهاوزن «دوزان»، بعد مرور 50 عاماً على تقديمه في المغارة.
وبعنوان «دروب التفافيّة صوب المستقبل» (مسرح مونو 26/10 ــ 12:00)، تعقد ندوة للكاتب المصري هيثم الورداني بمشاركة محمد سعيد عز الدين وصبا عناب وسحر مندور، تطرح أسئلة عن المستقبل انطلاقاً من إرث الماضي: ماذا تعني إعادة الإعمار في هذا السياق؟ متى تغدو امتداداً لدائرة العنف ذاتها ومتى تكسرها؟ بالإضافة إلى طرح سؤال حول الناصرية والحنين إليها و«بقائها كسقفٍ للخيال السياسي»، وإذا ما كان يمكن لمراجعة بنية الزمن التاريخي في الستينيات أن تساعدنا على إبطال سحر الأيديولوجيات وتحرير الخيال السياسي منها.
في محاضرة بعنوان «طرابلس - حمص: الرحلة رقم 74» (متحف سرسق 26/10 ــ 17:00)، يطرح الكاتب والصحافي اللبناني خالد صاغية على نفسه سؤالاً افتراضياً: ماذا لو لم تقع الثورة؟ يقوده هذا السؤال العام إلى إعادة التفكير بشريط حياته وسلسلة الأحداث التي عصفت بمدينة طرابلس التي نزح إليها جدُّه لأبيه ومدينة حمص التي وُلد وقُتل فيها جدُّه لأمّه. تدور أحداث هذه المداخلة في مكانٍ ما بين طرابلس وحمص، بين المدينة القديمة والجديدة، بين أحداث وقعت وأخرى لم تقع، بين الكاتب ونفسه. يجمع بين كلّ هذه الأحداث جهاز الذاكرة وأرشيف الصحف وأصوات الرصاص التي ترسم الحدود والمصائر.
وإلى الماضي الحاضر أبداً، تأخذنا جوانا حاجي توما وخليل جريج في المحاضرة المؤداة «دوار» إلى ما جمعاه على مدار سنوات عديدة من عينات تربة تكشف عن أطلال المدن المطمورة الخفيّة، والقابعة تحت المدن الراهنة. وفي محاورة بعنوان «في حلبة رقص المخيّلة المشتركة» (مسرح مونو 27/10 ــ 12:30)، يسعى دانيال بلانغا غوبّاي ورأفت مجذوب من خلال قوالب نظرية وتاريخية بالإضافة إلى تفاعلات تجريبية، إلى استكشاف الإمكانات السياسية للمخيّلة المشتركة في صورها السابقة والراهنة والمقبلة.

* أشغال داخلية 8»: حتى 27 تشرين الأول (أكتوبر) ــ فضاءات متعددة في بيروت ــ للاستعلام: ashkalalwan.org