في خرقٍ لتقليد الجائزة الأدبية الشهيرة، منحت لجنة تحكيم «بوكر» الجائزة مناصفةً لمارغريت آتوود وبرناردين إيفاريستو، الأولى عن رواية «الوصايا» والثانية عن «فتاة، امرأة وأخرى». الكاتبتان الكندية والبريطانية تقاسمتا الجائزة في خطوةٍ لم تشهدها الجائزة العريقة منذ 30 عاماً. وقد شهدت لجنة التحكيم مفاوضات مطوّلة قبل اتخاذ القرار الذي جاء لكونها لم تستطع اختيار واحدة بين الكاتبتين، إذ وجدت في الروايتين الفائزتين «إلتزاماً تاماً كما أنهما تتصدّيان لعالم اليوم وتعطياننا أفكاراً ورؤى بشأنه»، بحسب بيان اللجنة. يمكن القول إن همّاً واحداً يطغى على الروايتين وإن بزوايا ولغةٍ مختلفة. همٌ نسويّ واضح في عالمٍ يتغيّر وفي ظلّ خطر تفشّي الكراهية وخطابها ضد المستضعفين، خصوصاً المرأة والمثليين. ومع أنّ خطاب الهويات ليس جديداً، وهو محبّذ في المؤسسات الغربية منذ عقود، إلا أن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في العالم في السنوات القليلة الماضية، أضفى بريقاً مختلفاً على هذا الخطاب. في هذا السياق، جاءت رواية آتوود «الوصايا» كجزء ثانٍ من روايتها الشهيرة «حكاية خادمة» (1985) التي نالت شعبيةً كبيرة في السنتين الأخيرتين بعدما تحوّلت إلى مسلسل تلفزيوني حمل العنوان نفسه (شبكة Hulu). كما أن الرواية الديستوبية التي تجري أحداثها في المستقبل القريب أصبحت سريعاً موازياً أو مرجعاً رمزياً لسيطرة اليمين على الحكم في العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة حيث تجري أحداث الرواية. من هنا، جاءت «الوصايا» في لحظةٍ مناسبة جداً، لتكمل الحكاية من وجهة نظر مختلفة هذه المرة، وتقتنص فرصة تعلّق الجمهور بقصة «أوفرد» الخادمة التي تنقلب حياتها إلى كابوسٍ مع انقلاب الحكم في بلادها وتسلّم جماعة دينية متشددة الحكم هناك. همّ المرأة نفسه، تجاربها ومعاناتها في ظلّ نظامٍ بطريركي يريد إبقاءها في أسفل سلّمه، نجده في رواية إيفاريستو التي تسرد حكايات 12 امرأة بريطانية معاصرة، معظمهنّ سوداوات البشرة.

وأعلنت لجنة التحكيم أن الكاتبتين ستتقاسمان الجائزة السنوية التي تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه استرليني (62800 دولار) والتي تُمنح «لأفضل رواية في السنة مكتوبة بالإنكليزية ومنشورة في المملكة المتحدة وايرلندا». وتمكنت الكاتبتان من الفوز بعدما تنافستا مع روايات سلمان رشدي، إليف شافاق، ولوسي إيلمان وشيكوزي أوبيوما.
آتوود: «الكابوس» من الداخل
سبق لمارغريت آتوود (79 عاماً) أن فازت بجائزة «بوكر» عام 2000 عن روايتها «القاتل الأعمى»، وهي تُعدّ أكبر كاتب سناً على الإطلاق الذي يحصل عليها. وقد وصفت لجنة تحكيم الجائزة «الوصايا» بكونها «شرسة وبديعة»، بعدما تجاوزت مبيعاتها مئة ألف نسخة في الأسبوع الأول لصدورها في بريطانيا.
وضعتنا آتوود في الجزء الأول من الديستوبيا الدينية («حكاية خادمة») التي تحلّ بعد تسلم جماعة «أبناء يعقوب» الحكم في الولايات المتحدة، في مواجهة أسئلة كبرى عن موقع المرأة في المجتمع البطريركي والهرمية وإشكاليات الأمومة والإنجاب. وسبق لآتوود أن صرحت في مقابلةٍ في أيلول (سبتمبر) الماضي أن الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أوصلت ترامب إلى السلطة، أوحت لها بكتابة «الوصايا» وشجعتها لمواصلة حكاية الحكم الثيوقراطي الدموي التي كتبت قبل 30 عاماً. حكاية أوفرد الخادمة المكرّسة للجنس مع القائد الذي تم «فرزها» إلى منزله، بهدف الإنجاب والمساهمة في تحسين النسل في جلعاد، الهم الأكبر في الدولة المعلنة حديثاً. أصبحت هذه الحكاية مرجعاً رمزياً مجدياً للإحالة إلى الواقع المتردّي في ظلّ حكم الجمهوريين وتصاعد الخطاب الشعبوي، وتأثر المرأة والمثليين والمهاجرين والأقليات بصعود الخطاب المتشدد ضدهم. حجزت ديستوبيا آتوود مكانها ليس فقط في الراهن الأميركي وإنما في دول غربية عدة، ناهيك أيضاً بالجمهور العربي الذي شاهد المسلسل في السنتين الأخيرتين، وقارن ممارسات حكام «جلعاد» بما شهده العالم العربي من ممارسات التنظيمات الدينية المتطرفة.
في «الوصايا» التي تبدأ أحداثها عام 2197 سنقرأ قصة «جلعاد» الدولة الدموية من وجهة نظر «العمة ليديا»، الناظرة الشريرة في «حكاية خادمة»، أغنس، فتاة يتيمة تبنتها عائلة في «جلعاد»، وديزي التي تقيم في تورونتو بعد تمكنها من الهرب. سنكون هنا أمام حكاية الجيل اللاحق في «جلعاد»، كأن آتوود تريد القول إن الأمل في الجيل المقبل لإنقاذنا من السوداوية الراهنة.

همٌ نسويّ في ظلّ خطر تفشّي الكراهية وخطابها ضد المستضعفين

إذاً الشرّ يتكلم هذه المرة، يروي قصته فنكون أمام خطابٍ شبه اعتذاري. نرى البطش والوحشية اللذين ميّزا الحكم في جلعاد ورموزه، بلسان هؤلاء، مع العلم أن العمة ليديا كانت لديها مواقف قليلة في «حكاية خادمة» تُظهر فيها جانباً عاطفياً. نعرف قصة حياة ليديا قبل جلعاد، كما نقرأها تتأمل في نفاق العقيدة التي قامت عليها جلعاد، وفساد الحكم فيها. إذاً بعد التعرّف إلى الكابوس المولود من تحالف التعصب الديني والبنى البطريركية وتأثير ذلك على المرأة في «حكاية خادمة»، تأتي «الوصايا» في لحظة سياسية مناسبة، تدعو آتوود فيها إلى عدم القبول والخنوع، لا سيما بعدما رأينا في الجزء الأولى كيف أن البشر قد يتكيّفون مع أكثر الظروف عبثيةً وعنفاً.

إيفاريستو: ضد «اللامرئية»
«فتاة، امرأة وأخرى»، رواية إيفاريستو (أيار/ مايو 2019) التي أُعلنت كأول «كاتبة سوداء» تفوز بالجائزة منذ انطلاقها عام 1969، هي ثامن أعمال الكاتبة والناشطة البريطانية. تنوعّت أعمال إيفاريستو بين الرواية والشعر والمسرحية، كما أنها أمضت وقتاً طويلاً في النشاط النسوي المناهض للعنصرية، ومن بين محطاتها المهمة كان تأسيس «مسرح النساء السود» في بريطانيا. «فتاة، إمرأة وأخرى» رواية متعددة الأصوات، مكرّسة تماماً لقصص الأقليات، حيث نقرأ عن 12 امرأة بريطانية، معظمهنّ سوداوات البشرة، وبينهنّ المثلية والغيرية وتلك التي تقبع خارج الثنائية الجنسية. شخصيات إيفاريستو التي ترواح أعمارهن بين 19 و93 عاماً ويعشن كلّهن في بريطانيا، يجسّدن هموماً راهنة للأقليات حول العالم، خصوصاً في ظلّ تصاعد الخطاب المعادي لها مع تنامي شعبية التيارات اليمينية والشعبوية. في الرواية نقرأ عن آما، الكاتبة المسرحية الاشتراكية مثلية الجنس، مورغان التي تسعى إلى استكشاف هويتها الجندرية عبر الانترنت، شيرلي المدرّسة، وينسوم الزوجة غير السعيدة، وغيرهنّ. شخصيات الرواية صديقات وقريبات لبعضهنّ وأخريات المشترك بينهنّ زيارتهنّ إلى المسرح في الليلة نفسها فقط أو بينهن من يتناقشن عبر «تويتر». 12 امرأة يعشن، في مجتمعٍ بطريركي، تجارب محكومة ببنى ذكورية وعنصرية. إشكاليات عدة تغوص فيها رواية إيفاريستو: علاقة المرأة النسوية بالرجل الذي تحبّ، غضب النساء مقابل خطاب الجهل، تسليع النسوية وجعلها مادة تجارية، أسئلة السياسة والتلاعب، وغيرها. رواية إيفاريستو تأتي ضمن مشروعها الأكبر لكتابة المرأة السوداء عن نفسها، فإن لم تفعل ذلك لا أحد سيفعل، بحسب الكاتبة المنحدرة من أصل نيجيري. هي فكرة «اللا مرئية» إذاً، التي تثار دائماً عند الحديث عن التقاطعية. تقاطعية الجندر والعرق والطبقة أيضاً، فلعلّ النسويات أصبحن مسموعات أكثر في السنوات الأخيرة، إلا أننا نشهد مع ذلك تمييزاً ما بين نسويةٍ بيضاء، نسوية برجوازية من جهة، وبين نسوية المجموعات والطبقات الأخرى. تثير رواية إيفاريستو إشكالية الإمتياز في عالمٍ يضيق أكثر فأكثر، وتتناول النساء «اللامرئيات» والهويات المهمّشة، في بلدٍ يخوض سكانه أيضاً معركة ضد خطاب الانعزال والتقوقع.