بعيداً عن الغوص في المنطلقات القانونية، وفي غيابٍ كلّي، لأيّ فكر تخطيطي شامل لمدينة دمشق، العاصمة أو الكبرى، نقول: تُبنى الآن في دمشق مدينتان (أو مجمعان مدينيان)، تقومان على مخطَّطين تنظيميين انتقائيين، مرتجلين:

1- «ماروتا سيتي» في بساتين الرازي خلف مستشفى الرازي، وبين أوتوستراد المزة، والمتحلق الجنوبي، مساحتها 2 كلم2. «ماروتا» بالسريانية تعني «الوطن» أو «السيادة». المدينة واضحة الحدود، مزنَّرة بالطرقات، بالإضافة إلى أوتوستراد المزة والمتحلق الجنوبي، يحدها شمالاً شارع 17 نيسان/ أبريل، وغرباً شارع 6 أيار/ مايو.
2- «باسيليا سيتي»، جنوب المتحلق الجنوبي، وبين المتحلق الجنوبي، وأوتوستراد درعا الدولي، في محلـة القـدم والعسَّالي، سابقـاً. «باسيليا» بالسريانية تعني «الجنة» ومساحتها 9 كلم2. «باسيليا سيتي» لا حدود لها، فهي قادرة على التمدد، باتجاه الجنوب الغرب دون توقف، وصولاً إلى داريا.

نموذجٌ من العمارة المقترحة

وفي حمص المدَّمرة، تُبنى ثلاث مدن، أو ثلاثة مجمعات مدينية، تقوم على مخطَّطات انتقائية، شبيهة بمخططات «ماروتا سيتي»، و«باسيليا سيتي» في بابا عمرو، والسلطانية، وجوبر.
وكنا قد أشرنا إلى جبل بدرو والحيدرية في حلب.
أسهبت، في الصفحات السابقة في تفصيل ما سميته، تجاوزاً ربما، «المخطط التنظيمي المديني الشامل» لدمشق الكبرى، وعرَّفته بكونه «الكل المنظّم» تتفرع منه بالضرورة، المخططات التفصيلية التي تتصدى بالإعمار، لمعضلة ما يسمى في سوريا بـ «العشوائيات»، أو «المستوطنات» غير القانونية.
أمامي الآن التفاصيل التقنية لـ «ماروتا سيتي»، و«باسيليا سيتي» (مسطحات، مناظير متعددة، أبراج، منها الراقصة ومنها المزخرفة، وكلها شبيهة بمشاريع التخرج لطلابٍ متوسطي الكفاءة، تبهرُهم العولمة الطاغية، وفردية المعماريين النجوم).
معتمداً على هذه الأرقام وعلى هذه التفاصيل التقنية، سأسلّط الضوء على الفكر التخطيطي والتنظيمي، وعلى اللغة المعمارية السائدين، في الحلول المعتمدة في سوريا اليوم، ضمن نقد موضوعي مبني على تجاربنا في بيروت، بعيداً عن الغرق، في المتطلبات القانونية، والناتج الحقوقي (أول مثالين، ماروتا سيتي، وباسيليا سيتي).

1- «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»: الرؤية، والمساحة، والحدود

1- 1- في الأرقام أولاً
ـــ مساحة «ماروتا سيتي» 2 كلم2. إنها مساحة العملية العقارية الفاشلة في بيروت «سوليدير».
ـــ أما مساحة «باسيليا سيتي»، فهي 9 كلم2. وهي مفتوحة كلياً في الجنوب الغرب، ولا عائق أمام تمددها وصولاً إلى داريا. «باسيليا سيتي» هي خمسة أضعاف «سوليدير»، أي «بمقدورها» أن تحقق من الكوارث، خمسة أضعاف ما حققته «سوليدير» خلال ما يزيد عن ربع قرن.
ـــ المساحة الإجمالية للمدينتين، 11 كلم2، أي 61% من مساحة بيروت الإدارية.

باسيليا سيتي


1- 2- في المقارنات مع سوليدير بيروت، وفي النتائج الأكيدة.
مسار سوليدير في التخمين، والتهجير، والاستملاك، وفي الناتج المبني، كنا قد فصَّلناه في الصفحات السابقة. سنعود إلى توضيحٍ إضافيّ للتجربة، باختصار:
ـــ لجان تخمين، قدَّرت قيمة العقار. أعطت صاحبه أسهماً. باعَها صاحُبها، ونزح لأن لا مكان له في الرؤية التي عُرِضت في أماكن عامة عدة. نزح كل المالكين والمنتفعين الأصليين وعددهم 132000 نسمة، وبنت سوليدير أبراجها الشاهقة الفخمة، ألفتها ضُمَّةُ من المعماريين النجوم.
ـــ هُدِم قلب المدينة التاريخي، وقامت مكانه عمارةٌ معولمةٌ، هي التعبير الصارخ عن سيطرة رأس المال المعولم. ماتت الشوارع التجارية في قلب بيروت، وفرغت الطرقات حتى من المنتزهين. ردمت سوليدير البحر ولم تبن. وبقيت الأرض ناتج ردم مياه البحر، جرداء. فماتت سوليدير بأبراجها الفخمة التي بقيت فارغة. ضاحية الأغنياء، لا تزال تنتظر الأغنياء، الذين لن يأتوا.

1- 3- في الناتج العمراني والسكاني
لن تكون النتائج المنتظرة، في «ماروتا سيتي» وفي «باسيليا سيتي» أفضل من المحصلة التي أنتجتها سوليدير. ستقوم لجان تخمين يرأسها قضاة. ستعطي هذه اللجان ذوي الحقوق من سكان هذه المناطق أسهماً. سينظر هؤلاء إلى الذي يُعَرضُ عليهم من مخططات تنظيمية، ومن مناظير إشهارية مفخَّمة. وستفاجئهم خاصة، عمارة الأبراج المقترحة بارتفاعها، وبزخرفها، وبهيكلها الإنشائي الراقص حيناً، والمتلوّي أحياناً. وسيخاف واحدهم من السكن في الطابق 22، وهو يتذكر بيته الأصلي الصغير القريب من الأرض الصلبة، بنوافذه المعتدلة القياسات، وشرفاته، التي يحاكي منها جاره الساكن قبالته في بناء مشابه. سيخاف. سيبيع أسهمه. سيشتريها رأسمالي عقاري.
من غير المقبول مدينياً، أن تقام مئات الأبراج في دمشق بارتفاعات مختلفة لتشكل بوابة ساحة الأمويين

سيتحوَّل الإعمارُ إلى استثمار رأسمالي في العقار، تتداوله حفنةٌ من العقاريين الأثرياء، الذين سيبنون في نهاية المطاف «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي». أبراجٌ بالمئات، ستبنى في المدينتين، تقول لنا الوثائق الفنية والإشهارية، التي يراد لها أن تكون تجميلية وترويجية. 61% من مساحة بيروت الإدارية، مزروعة بالأبراج المتعددة الارتفاعات، تحوطها الحدائق التي لن تجد من يعتني بها، ويصونها. كل هذا على مسافة قصيرة، من أحد رموز التاريخ في دمشق، ساحة الأمويين، التي تحكي تاريخ الخلافة الأموية. وهل في تاريخ سوريا ودمشق والفتح العربي، ما هو أهم من الخلافة الأموية!؟ ستبقى الأبراج فارغة كما عندنا في سوليدير بيروت، وسيطغى على ساحة الأمويين، ويقزّمها، هذا النسيج المبني الهجين في المضمون، العتيق في التأليف المديني، المنقول بحرفيته عن مفاهيم التنظيم المديني المسمَّى حديثاً. اصطفاف عسكري لكتلٍ قامعةٍ في حضورها، ولغة معمارية لا يستطيع الزخرف والافتعال، وكثرة الزجاج الملوَّن، أن يضفي عليها طابعاً إنسانياً مطمئناً.

1- 4 - في الفكر التخطيطي، وفي الناتج، تنظيماً وعمارة.
يتلطَّى مروّجو مشروع المدينتين، «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي» باستخدام مفردة «الحداثة» وفعل «التحديث»، يغيّر صورة المدينة، لتمرير مشروعهم العقاري.
على هؤلاء ومعهم مخطّطوهم والمنظّمون، أن يُدركوا أموراً مهنية هامة، قد تناسوها، أو أنهم لا يعرفونها، أهمها:

ماروتا سيتي


1-4-1- الفكر التخطيطي والتنظيم المديني الراهن، (ولا أقول الحديث)، في البلدان المتقدمة، هو تنظيم مديني تشاركي (Participatif). المشاركون في كتابته، وفي تغيير المنتج المديني كلياً، هم ثلاثة:
الإدارة المعنية. المنظم، أو مجموعة المنظمين، السكان، أي الجماعة التي لأجلها يقوم البنيان المنظَّم.
وفي صياغة الفكر التخطيطي التشاركي هذا، الغلبة دائماً، هي لرغبة السكان، ولرؤيتهم. فاصطفاف الكتل عسكرياً مرفوضٌ، والارتفاعات الراقصة مرفوضةٌ أيضاً، والكتلة المبنية التي ترمي ظلها على الكتلة المجاورة، مرفوضةٌ هي الأخرى.
الغلبة في التنظيم المديني في عالم اليوم، هي للتأليف الديناميكي المتحرّك، الذي يُنتج مجموعات متضامَّة، كثيفة، متلاصقة أحياناً، ومتباعدة أحياناً أخرى. والكثافة المطلوبة، هي أفقيَّة حيث أمكن، تسهيلاً لوحدة النسيج الاجتماعي الذي سيسكن ما يُبنى.
أما الأبراج إذا اراد اللقاء التشاركي الذي أشرنا إليه، أن يضيف بعضاً منها إلى التأليف العام، فسيكون لكل واحد منها وفي موقعه بعد رمزي، كأن يدل على وظيفة عامة هامة في التأليف، فندقاً، أو مبنى إدارياً يدير المجمع بكامله. عندها يكون للبرج في موقعه قوة الدلالة، ويكون له في موقعه أيضاً، فعل التنظيم في الإيقاع البصري، وفي مشاهد التجمُّع المديني، وفي صورة المدينة. وما هو أهم من هذا وذاك، هو أن لا يُسقِطَ التنظيمُ بالمظلات، «دوحة»، و«دبي»، بوابةً لساحة الأمويين، في دمشق التاريخية.

1- 4- 2- الناتج في اللغة المعمارية
كطلَّاب السنة الخامسة في كلية العمارة، يعتمد المؤلف، في عمارة «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، عناصر الإبهار كلها يستعيرها مثل طلَّاب السنة الخامسة مرة أخرى، من مبالغات المعماريين النجوم (Starchitects). المبالغة بالتزيين المجالي الفاقع، الذي يُقصي القيمة الوظيفية للمبنى وهي السكن، أو يقنّعها. فنتساءَل كيف سيسكن الناس مبنى كهذا!؟ ويُكثر من البهلوانيات الإنشائية بهدف الإبهار مرة أخرى. فيبدو المبنى غير ثابت، أو معرَّضاً للسقوط، بفعل الافتعال الإنشائي فيه. فلا يرتاح الناس إلى مظهره، ولا يرتادونه إلا قلقين تنقصهم الراحة النفسية فلا يسكنونه. إنها، في نهاية هذه الفقرة، نهج عتيق، فرضته العولمة منذ أربعة عقود. إنها عمارة العولمة، أرادت بها أن تُبعد الرتابة والملل، اللذين فرضتهما عمارة الحداثة التي دفنت مع كل ما أتى بعدها، ما بعد الحداثة، التفكيكية، المينيمالية، النيوكلاسيكية. وكلها محاولات للتغلب على رتابة «العمارة الحديثة». والمنحى الراهن للخروج من هذا المأزق هو:
بالعمارة المحلية، عمارة المكان، أو فن المكان، كما يسميها كريستيان نوربرغ شولتز.
وهل من مكان أكثر أهمية، وأكثر ثراء بتراكم الحقبات، وتراكم العمارة المحلية مع الحقبات؟ وهل من مكان أفضل من دمشق لاكتشاف عمارة محلية وتطويرها، لتكون في مكانها، «فن المكان» نقيضةً، لبهلوانيات وبهرجة عمارة العولمة؟

2- في معضلة ما يسمّى بالعشوائيات أو بالمستوطنات غير القانونية (Informal)

2 -1- في الأرقام أولاً
40 % من المساكن في سوريا هي عشوائية، وفق التعريف السوري. أي، هي مستوطنات غير قانونية (Informal) بدون رخصة، في أراضي الغير، في المشاعات، في الأملاك العامة... إنها مُعضلة تعمُّ الوطن العربي، في لبنان، ومصر، والسودان، وتونس... وغيرها. وسوريا هي مثالنا الآن. مع التأكيد أن هذه النسبة هي في مصر 70%. لهذه المعضلة أسباب عديدة أهمها:
عدم قدرة السلطات المحلية، على تأمين السكن الناجم عن الزيادة الديموغرافية، وهي نسبة مرتفعة في مختلف دول الوطن العربي. والفشل في التنمية الاقتصادية، يرافقها إفشالٌ لاقتصاد الريف، أي للزراعة. وإفشال الزراعة يعني إفقار الريف، ونزوح المزارعين، والفلاحين، وصغار الكسبة، من الريف إلى المدن. في لبنان مثلاً، أدت الاقتصاديات النيوليبرالية المتّبعة منذ عام 1992، إلى تكدُّس الناس في المدن الساحلية، (80%)، في حين أن الداخل المُفقَر، فارغٌ. في مثل هذه الحال، يزداد عجز الدولة، ومعها رأس المال العقاري الرسمي، عن تلبية الطلب على السكن، وقد تضاعف مع النزوح الكثيف، وتكوُّن المدن الكبرى. ينشأ عند ذلك قطاعٌ عقاريٌّ رأس ماليّ موازٍ، يبني لكل هؤلاء مدن الصفيح، في الأماكن المتاحة. في لبنان مثلاً، في الأوزاعي، والرمول، وحرش القتيل وغيرها. وفي سوريا، ينشأ هذا القطاع ويبني في كل الأمكنة المتاحة مثل بساتين الرازي، «ماروتا سيتي»، وفي القدم والعسَّالي «باسيليا سيتي»، وفي جبل بدرو، وفي الحيدرية في حلب، وفي مناطق عديدة من حمص، وحماه، واللادقية، وغيرها، من المدن السورية. فسميت كلها بالسكن العشوائي، أو المستوطنات غير القانونية (Informal). تراكم في هذه المستوطنات، السكن غير القانوني، والفقر، والكثير من الانغلاق، والتقوقع، قيل. فشكلت بؤرة صالحة للاشتباكات المسلحة، التي زنَّرت دمشق في بداية الأزمة، قيل أيضاً. حُسِمَتْ الاشتباكات هناك. واليوم تتم إزالة كل ما هو مبني بصورة غير قانونية بالجرافات ويبيع الأهالي أسهمهم، وينزحون ثانية خارج سوريا، غالباً.

مئات الأبراج في باسيليا وماروتا بوابة لساحة الأمويين (كل الصور من مواقع رقمية مختلفة)


2-2- في الفكر الانتقامي، وفي المعالجات
أقول في هذا الصدد، مكرراً، إن الحرب ليست فرصة للعقاب الجماعي وهي بالتأكيد، ليست فرصة لاسترجاع الأرض، أو لإخضاع الجميع للقانون في تصرُّفٍ من التأديب الجماعي. أذكّر أن كلّ هؤلاء، ما هم إلا ضحايا. ضحايا سياسات محلية أو عامة أفقرتهم، ودفعتهم إلى النزوح تفتيشاً عن مأوى، وعن لقمة العيش. ضحايا عنف فعلي، تمثَّل باستملاك أراضيهم لمشاريع قيل إنها ذات منفعة عامة، إلا أن الاستملاك كان مجرَّد مصادرة، إذ لم يُدفع ثمن الأراضي، وفق تخمينات عادلة. وإذا دُفع، كان نوعاً من الاستملاك شبه المجاني، ووضع اليد. بحيث انتهت أراضي المزارعين والفلاحين، في أيادي رأسمال عقاريّ مضاربٍ، يتلطَّى بالسلطة، ولا رادع له. وهل نهدم البيوت وندفع الناس إلى النزوح مجدداً، في عمليات لا تقل قسوة عن سابقتها؟ كيف تبنى هذه المدن الجديدة، في مواقع المستوطنات غير القانونية؟ «ماروتا» و«باسيليا» ولا أعرف أسماء المدن الجديدة في جبل بدرو، وفي الحيدرية، وفي مناطق مشابهة في حلب، وفي حمص، وفي غيرها.
يقيني أن التسويات هي الحل الوحيد، الذي لا وجع فيه، وكل الساكنين في مدن الصفيح هذه، وقد غضَّت السلطات الطرف عن ذلك. هم بمجموعهم مواطنون سوريون، حالتهم البائسة هي من نتاج السياسات المتبعة. ومن واجب القادرين في السلطة وخارجها، البحث عن حلول ترسّخ السلم الأهلي.

2 -3- في الأسباب والنتائج
في التدابير التي نراها مدن جديدة تقام فوق الأنقاض، أسهم وبيع ونزوح جديد. في هذه التدابير، حقدٌ طبقي فاقعٌ! تصرفات انتقامية واضحة! في المعالجات، الهادفة إلى استئصال المستوطنات غير القانونية الموجودة، في المدن السورية وفي محيطها. في هذا التوجه الاستئصالي، رغبةٌ في إقصاءِ وتهميشِ وتهجير كل من أُجبر على النزوح مرَّة في حياته، ولم يخترهُ. رغبةٌ تعبّر عن حقيقتها، عندما يقول بعضُهم وبصوتٍ عالٍ، في حلب أو في دمشق، ماذا يفعلون عندنا؟ عليهم الرحيل! وإذا كانوا قد رحلوا، فعودتهم مرفوضة أو بالحد الأدنى غير مرغوبة. ولرأس المال واستملاك الأراضي، والإثراء دور رئيس، في كل ذلك.
يعتمد المؤلف في عمارة «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، عناصر الإبهار كلها من مبالغات المعماريين النجوم (Starchitects)


2 -4- إن ما أقوله هو محصّلة مشاهدات ميدانية، ونقاشات صريحة، حصلت هنا وهناك، أثناء هذه المشاهدات الميدانية. أخشى أن يؤدي الإقصاء المستجدُّ والإفقار المتكرّر، والدفع الدائم باتجاه النزوح أو الهجرة، أخشى أن يؤدي كل ذلك، إلى تجمُّع الأسباب التي أشار إليها الصديق يسار عابدين، في أماكن أخرى. فتتكوَّن بفعل ذلك بؤر جديدة لاشتباكات مسلحةٍ متجدّدة.
نريد لسوريا، قلب العروبة النابض كما وصفها القائد التاريخي جمال عبد الناصر، الوحدة والقوة، لا الانقسام والضعف.

في الخاتمة: المجمعات المدينية البرجية، حدود
في مثال الحيدرية في حلب، رأينا أن مجموعة من الأبراج المتناسقة، عند الحدود البعيدة في المدينة، ربما شكلت حدودها هناك. وما الاختلاف في التأليف المبني، سوى الدلالة الرمزية على هذه الحدود. وعدنا في ذلك إلى مجمع الديفانس في باريس. لنؤكد مجدداً، أنه بأبراجه، وعمارته، وهياكله الإنشائية، وزجاجه، أنه في هذا التأليف المختلف، إنما هو حدود المدينة، خارجها عند القوس الكبير.
أما في دمشق موضوعنا الآن، فمن غير المقبول مدينياً، أن تقام مئات الأبراج، بارتفاعات مختلفة لتشكل بوابة ساحة الأمويين.
اختيار الموقع سيْ مدينياً، وطغيان النسيج البرجيَّ بحضوره القامع على الساحة، أكثر سوءاً.
تأليف برجيّ من هذه المكونات، يمكن أن يقام خارج المدينة التاريخية، ويشكّل حدودها. وبمساحات تقارب مساحة ماروتا 2كلم2، وليس 9كلم2.
ننهي إعادة الإعمار الكلية، في الغوطة الشمالية الشرقية مثالاً، بمجمع برجيّ يقام في حرستا أو في دوما. ويكون برمزيته، حدود المدينة التاريخية هناك. كما يكون بمكوناته الوظيفية جاذباً، كما في مجمع الديفانس مرة أخرى، فلا يبقى فارغاً.
وننهي إعادة الأعمار في الغوطة الجنوبية الغربية في مثال آخر، بمجمع مماثل في محيط داريا ويكون حدود المدينة التاريخية هناك، كما يكون بوظائفه قطباً جاذباً آخر.
ويمكن أن يقوم مجمعٌ برجيّ آخر، في منطقة الحجر الأسود، يشكل موقعاً ثالثاً للحدود. إنها باختصار، بالتأليف المديني والمعماري، وبالجاذبية الوظيفية، حدود المدينة التاريخية خارجها.

* معمار لبناني