مرة أخرى، تؤكد «حركة النهضة» الإسلامية عداءها للثقافة! في 25 آذار (مارس) 2012، هاجم أنصارها تجمعاً للمسرحيين في مناسبة يوم المسرح العالمي وهشّموا واجهة قاعة الفن الرابع وسط العاصمة وألقوا البيض على المسرحيين. كما هشّموا قاعة «أفريكا آر»، إلى جانب شنّ سلسلة اعتداءات على المبدعين والمثقفين من يوسف الصديق إلى أولاد أحمد. واليوم، تسعى شيخة مدينة تونس (رئيسة بلدية العاصمة) سعاد عبد الرحيم المنتمية لحركة «النهضة» إلى حلّ «فرقة بلدية تونس للتمثيل» التي تمثل الذاكرة المسرحية التونسية وأول فرقة محترفة في البلاد. فقد قررت رئيسة البلدية إيقاف عقود الممثلين الثلاثة المتبقين في الفرقة وإيقاف عروض مسرحية «الطيب ككح» لعبد العزيز المحرزي وإيقاف الإنتاج، وبالتالي إعلان وفاة الفرقة التي تأسست في 1953 وعرفت مجدها في الستينيات مع فقيد المسرح التونسي علي بن عياد. إذ قدمت هذه الفرقة أبرز الأعمال الكلاسيكية (لشكسبير وموليير ولوركا والحبيب بولعراس وعز الدين المدني وسمير العيادي وغيرهم) التي تحتفظ بها الذاكرة التونسية مثل: «يارما»، «عطيل»، «ماكبث»، «عرس الدم»، «المعطف»، «مدرسة النساء»، «مراد الثالث»، «عطشان يا صبايا»، «الماريشال» وغيرها من روائع المسرح العالمي.

منذ تأسيسها، جمعت الفرقة البلدية كبار الممثلين والمخرجين التونسيين الذين أغنوا المشهد المسرحي والثقافة مثل محمد عبد العزيز العقربي، عبد اللطيف الحمروني، ومحيي الدين بن مراد، ونور الدين القصباوي، الهادي السملالي، جميل الجودي، عبد المجيد الأكحل، منصف السويسي، علي بن عياد، حمدة بن التيجاني، سليم محفوظ، البشير الدريسي، عبد العزيز المحرزي وغيرهم. واحتجاجاً على التهميش الذي تعيشه الفرقة منذ تولي مرشحة الإسلاميين سعاد عبد الرحيم رئاسة بلدية العاصمة، قدمت مديرة الفرقة وأقدم عناصرها من الأحياء منى نورالدين استقالتها.
في الحقيقة، تراجع حضور الفرقة في المشهد المسرحي بدأ منذ سنوات. إذ غادر أغلب عناصرها بعد إحالتهم على التقاعد ولم يتم انتداب مسرحيين شباب. وكان يُفترض ضخ دماء جديدة وشابة في عروق الفرقة، وهو مطلب من مطالب المسرحيين في تونس. فهذه الفرقة تمثل الذاكرة المسرحية والثقافية لتونس، ولا بد من الحفاظ عليها ككل المعالم الثقافية. لكن يبدو أن قيادات حركة «النهضة» المعروفة بعدائها لكل ما هو ثقافي، أعطت التعليمات لرئيسة البلدية لإنهاء الفرقة التي تذكّرهم بالزعيم الحبيب بورقيبة العاشق للمسرح الكلاسيكي الذي كان راعياً رمزياً للفرقة. حتى إنّه خصص مسرح جيب في القصر الرئاسي في قرطاج حتى تعرض الفرقة أعمالها الجديدة أمامه. وهو ما يشكل إرثاً مزعجاً للإسلاميين الذين يريدون منذ وصولهم إلى الحكم في 2011 اغتيال الذاكرة الثقافية وإعدامها وتنفيذ مشروعهم في أخونة المجتمع والدولة لإدراكهم أن المثقفين والحركة النسوية هما جدار الصدّ الوحيد لمشروعهم الإخواني.