تسجّل الإحصاءات ارتفاعاً متواصلاً في أعداد المهاجرين اللبنانيين، في مقابل اهتمام متزايد بمؤتمرات «الطاقة الاغترابية» و«الانتشار اللبناني». لكننا لم نلاحظ تغييراً يذكر في المقاربة الرسمية للملف الاغترابي كما هي سائدة لعقود طويلة. في هذا السياق يَرفُدُ بطرس لبكي المكتبة اللبنانية والعربيّة بمؤلَّف مرجعي، هدفه «تحديد المعالم الواقعية للهجرة اللبنانية»، وانعكاساتها الإيجابية والسلبيّة على لبنان منذ أكثر من قرن ونصف القرن، من منطلق سوسيولوجي وأكاديمي. ويطرح الباحث اللبناني، في كتابه المعنون «هجرة اللبنانيين: 1850 ـــ 2018 مسارات عَوْلَمة مبكرة» (دار سائر المشرق ــــ 2019)، مجموعة «توصيات» أساسيّة لتعزيز التواصل بين «لبنان المُقيم» و«لبنان المغترب»، داعياً في النهاية إلى إعادة النظر الجذرية بـ «الوظيفة الاقتصادية» لهذا البلد.

تعود حكاية بطرس لبكي (1942) مع «عالم» الهجرة والاغتراب إلى مرحلة مبكِّرة من عمره، يومَ كانت تحيط منزله في الحيّ القديم في قرية بعبدات (المتن الشمالي) بضعة منازلُ سقفُها من القرميد الأحمر وأصحابُها الأصليّون مُغتربون في «الأميركيّتَيْن» ومصْرَ وفي «بلاد الله الواسعة». الرجل «المُحاط منذ طفولته بمظاهر الهجرة مِن لبنان وإليه»، والذي أبصر النور في كنف أبٍ مولود في أضنة التركيّة، وأُمّ من عائلة إيطالية توسكانيَّة ذات جذور حلبيّة قديمة تعود إلى ثلاثمئة سنة، يقول لـ«الأخبار» إنّه تعرَّف قبل سنوات، عبر الإنترنت، إلى أقارب له في البرازيل مُتحدِّرين من أصل لبناني. «كان أبوهم واسمُه ميشال شبلي لبكي شاعراً وخطيباً رافق والدي خلال الحرب العالمية الأولى في بعبدات، ومن ثمّ في الجامعة اليسوعية في بيروت». يضيف: «أبي درس الزراعة وأكمل تخصُّصَه في فرنسا وعاد إلى لبنان، لكنّ رفيقه الذي درس الصيدلة هاجر إلى البرازيل مُلتحقاً بأبيه في أوائل العشرينيّات ليعمل في مجال الأقمشة، ولم يعُد أبداً».


مبكّراً، قرأ بطرس لبكي كتاب «الهجرة اللبنانية» لإيلي صفا الذي يعتبره «رائد الدراسات الشاملة للهجرة اللبنانية»، وشرع بالبحث الجدي في ظاهرة الهجرة ابتداء من العام 1980 حين كان يعمل باحثاً في مركز «سِرْمُوك» الذي تحوَّل لاحقاً إلى «المعهد الفرنسي للشّرق الأدنى/ ifpo»، في إطار برنامج علمي يشمل دراسة الهجرة الدولية في المشرق العربي. ومنذ ذلك الحين، ما زال يكتب وينشر المقالات والدراسات عن جوانب مختلفة من موضوع الاغتراب، تَوَّجها أخيراً بكتابه «هجرة اللبنانيين: 1850-2018 مسارات عولمة مبكرة» (دار سائر المشرق).
في كتابه الذي يشكّل محاولة جدّية لسدِّ النقص الكبير في «قاعدة بيانات» الاغتراب اللبناني، لا يبدو المؤلف ميَّالاً إلى «أَسْطَرة» ظاهرة الهجرة اللبنانية بقدر ما يحاول وضعها في سياقها التاريخي وتفسير دوافعها ومنطلقاتها وتحليل تداعياتها في كلّ من بلدَي «المنشأ» و«المقصد». يقول لبكي، وهو المهندس، والباحث في مجالات الاقتصاد والعلوم الاجتماعيّة، والمتخصص في دراسة الهجرات وتأريخها: «وإذ لمستُ أهمية الهجرة في كلّ أصقاع الوطن الصغير خاصة بعد الـ 1975 وبشكل أخَصّ بعد الـ 1990، إلا أنّني لاحظتُ منذ زمن طويل المبالغات في تقديرات أعداد المهاجرين أو المُتحدِّرين من أصل لبناني، وعشوائيّة الأرقام المتداولة». يعزو لبكي في حديثه إلى «الأخبار» مسألة غياب الإحصاءات والأرقام في لبنان إلى «التركيبة النيوليبرالية الحاكمة في البلد» التي لا تريد أرقاماً، على ما يقول.
على الورق أمامه، مُستعيناً بالآلة الحاسبة، يجمع الرجُل أرقاماً إلى أرقام، يضربُ ويطرح أرقاماً أُخرى ليُعيدَ التأكيد على ما انتهى إليه في دراسات سابقة ضمَّها كتابه الأخير. يؤكّد أنّ «العدد الإجمالي لكلّ المغتربين اللبنانيين، بمَن فيهم المتحدّرون من أصل لبناني، يقارب رقم الـ 7 ملايين (يشمل الرقم كلّ المهاجرين منذ عام 1850)، مقابل أقلّ من 4 ملايين لبناني مقيمين الآن في لبنان». ويضيف: «حتى منتصف الحرب الأهلية، كان عدد المهاجرين يبلغ ثلاثة ملايين ونصف، فيما وصل العدد بعد الحرب إلى ما يزيد عن 6 ملايين». وعليه فإنّ 37% من الهجرة اللبنانية حصلت بعد عام 1990 على ما يشير لبكي. كما يلفت إلى أن نسبة الهجرة عادت وارتفعت منذ بداية الأزمة السورية.
ولا يستغرب لبكي أن ترتفع نسبة المهاجرين اللبنانيين بعد نهاية الحرب الأهلية، فللأمر مبرّراته المتعددة: «تلك المرحلة شهدت ذروة مظاهر الليبرالية والعولمة وترافقت محلياً مع بروز ظاهرة رفيق الحريري التي تشكّل أحد مظاهر العولمة». يشرح مؤلّف كتاب «مدخل إلى تاريخ لبنان الاقتصادي» الأمر على طريقته: «اتّبعتْ الحكومات المتعاقبة في التسعينيّات سياسة الأسواق المفتوحة ووقّعت اتفاقات تبادل حُر مع البلاد العربيّة وأوروبا ولم يعد هناك حماية للقطاعات المنتجة». ويضيف: «نهج الاستدانة ورفع الفوائد أدّيا إلى لجم النشاط الاقتصادي وانخفض النمو من 8 في المئة إلى واحد في المئة». في مثل هذه الظروف، كان طبيعياً أن ترتفع نسبة الهجرة (مليونان و350 ألف لبناني هاجروا بعد الحرب)، لافتاً إلى «أنّ هجرة السنوات الأخيرة من الحرب وما بعدها أصابت بشكل أساسي الطوائف الإسلامية، بينما نسبة الهجرة الأكبر التي أصابت المسيحيين كانت قبل وخلال السنوات الأولى للحرب».
يتناول مؤلف «هجرة اللبنانيين: 1850-2018 مسارات عولمة مبكرة» العوامل المؤثّرة في مسار الهجرة اللبنانية: «ترتبط الهجرة ارتباطاً وثيقاً بالوضع اللبناني والإقليمي والعالمي: إنَّ التفاعل بين العوامل الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية يؤثّر على عدد المهاجرين ويحدّد، بخلاف الاختيارات الفردية، محاورها الرئيسة في كل فترة، والعائدات المحتملة للبلاد». ويقيس الباحث نجاح تجارب اللبنانيين في المهجر بناء على معايير متعدّدة. في أميركا اللاتينية مثلاً تميّز المغتربون اللبنانيون تاريخياً بالاندماج وبالدور السياسي الكبير الذي لعبه عدد كبير منهم، وبنسبة أقلّ في اقتصادات تلك الدول. أما في الولايات المتحدة، فبرعوا في المجالات العلمية والثقافية. وفيما حقّق المغتربون اللبنانيون في أفريقيا والخليج العربي ثروات وعائدات مالية كبرى، اتّسمت الهجرة إلى أوروبا بالاندماج المجتمعي والثقافي.
أما عن تطوّر وجهات الاغتراب اللبناني، فنقرأ أنّ «الهجرة اللبنانية انتقلت تدريجاً أثناء الحروب المتعددة الجنسيات على أراضي لبنان (1975 ـــ 1990) وبعدها، من هجرة ذات طابع إقليمي مشرقي عربي غالب إلى هجرة أكثر عولمة تطاول الدول الصناعية في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا ودول الكتلة السوفياتية السابقة، وتتجدّد إلى بعض بلدان أميركا اللاتينية، بينما تنحسر الهجرة التقليدية إلى دول النفط العربي ودول أفريقيا... منذ عام 1991 تطوَّرت الهجرة اللبنانية للتعَوْلُم بطريقة لم يسبق لها مثيل».

«جسر العودة» والدور الوظيفي للاقتصاد اللبنان
وإذا كنّا لا نستطيع أن ننكر أنّ تغييراً حصل، خلال السنوات الماضية، في مقاربة الدولة لملفّ الاغتراب اللبناني من خلال إعادة التواصل مع المغتربين وإقرار قانونَيْ «استعادة الجنسية» و«حق التصويت»، فإن كل ذلك غير كاف، برأي بطرس لبكي: «المطلوب تفعيل أكبر لأجهزة وزارة الخارجية ومتابعة وتفرُّغ أكثر، كما تقديم الحوافز للمغتربين للعودة أو لإعادة وصل ما انقطع كلياً مع بلدهم الأم على الأقل». وفي مقترحاته التي ذكرها في نهاية الكتاب، يشير إلى أهمية «بناء قاعدة بيانات تدريجاً وتحديد الجاليات وإنشاء صورة جغرافية اجتماعية واقتصادية وقانونية عنها في بلدان الهجرة مع الحكم على تكاملها واحتمالات وإمكانيّة وشروط العودة إلى الوطن الأم». ويضيف: «يجب أن يكون للدولة مشروع جعل التراث الثقافي اللبناني معروفاً ومشتركاً للمهاجرين والمقيمين وأحفادهم للمساهمة في الحفاظ على مستقبل العلاقات بين اللبنانيين المقيمين واللبنانيين المتحدّرين في المهجر».
في سيرته المهنيّة الطويلة من وزارة التصميم العام (67-74) وبرنامج الأمم المتحدة (78-79) إلى مجلس الإنماء والإعمار (نائب أول للرئيس1991-2000) فضلاً عن كونه أُستاذاً متخصّصاً في الاقتصاد والتاريخ الاقتصادي، ومديراً لعدد من مراكز الأبحاث الجامعية، خَبُرَ بطرس لبكي «عقليّة» الطبقة السياسية ـــ المالية الحاكمة عن قرب. برأيه، ما يمنع تحويلَ الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد مُنتج هو غياب التخطيط من جانب «التركيبة السياسية القائمة»، وغياب ما يعتبره «التمثيل السياسي للفئات التي يمكن أن تستفيد من أيّ نوع من التطوّر كالعمّال والمزارعين والصناعيين وصغار المبادرين الاقتصاديين». «شوف اللي صار بالموازنة بتعرف نمط تفكيرهم»، يقول، محذّراً من استمرار «النزيف» في رأسمال لبنان البشري أو ما يُعرف بـ «هجرة الأدمغة».
في كتابه يقدّم لبكي مقاربة متوازنة للهجرة اللبنانية وأثرها في الاقتصاد المحلي: «على المدى القصير والمتوسّط، فإن التحويلات تمثّل رصيداً للوطن. لكن على المدى الطويل، فهذه الهجرة الكثيفة تعني بالتأكيد وجود عقبة، مقارنة ببلدان أخرى في المنطقة. وسيكون لذلك انعكاسات سلبية على مستقبل البلد وديناميكيّته الاقتصادية». وإذ يؤكد على تأثير الهجرة في التوجّه نحو «اقتصاد الخدمات وهيمنة التجارة وتهميش الإنتاج السلعي»، فهو يرى في حديثه إلى «الأخبار» أنه لا بدّ من تغيير ما يسمّيه «وظيفة لبنان الاقتصادية» التي لا تنعكس بالضرورة، في شكلها الحالي، بشكل ايجابي على الاستقرار الاقتصادي. يتحدّث عن إمكانية إعادة دعم وتطوير قطاع الزراعة (مع التوجّه إلى زراعات جديدة ذات مردودات عالية) رغم مشكلة الكثافة السكانية، لافتاً إلى «أن ما يقارب الستين في المئة من الأراضي التي كانت مزروعة سابقاً هي الآن أراضٍ غير مستثمرة». ويضيف: «في الصناعة أيضاً، هناك إمكانيات كبيرة لدينا، المطلوب أن تحفّزها وتحميها»، لافتاً إلى بروز أنواع جديدة من الاقتصاد المعرفي التي يمتلك لبنان كلّ العناصر لينجح بها، كما في قطاع السياحة وضرورة تنويع مواردها واستدامتها، مشيراً «إلى أهميّة تشجيع السياحة الداخلية كوسيلة من وسائل المعرفة والتنمية».
بطرس لبكي الباحث في أحوال الهجرة اللبنانية منذ أربعة عقود لم يخُضْ أيّ «تجربة اغترابية دائمة». زار قرابة 60 بلداً حول العالم وأكمل دراسته في باريس، لكنه لم يهاجر أبداً، ولن يفعل، على ما يؤكد الرجل الشغوف بالتعرّف إلى القرى والبلدات اللبنانية وخصائصها. لم تفقد عبارة «لبنان الذي يطير بجناحَيْه المقيم والمغترب» جدواها برأي لبكي، لكن المهم هو الإفادة من نقاط القوّة الحقيقية «جُوَّاً وبَرّاً» ليتمكّن اللبنانيون المقيمون من الصمود... «وإلا رح يفضى البلد»!


لبنان تحت الحكم المصري
تقيم «الجمعية اللبنانية للدراسات العثمانية» الندوة الثانية ضمن سلسلة ندوات حول «المناطق اللبنانية خلال الحكم المصري 1831 ـــ 1840» يشارك فيها كل من: بطرس لبكي (الأوضاع الاقتصادية في فترة الحكم المصري) وسيمون عبد المسيح (الأسباب الاقتصادية للحملة المصرية على بلاد الشام). الندوة التي يديرها منذر جابر، تقام عند الخامسة من بعد ظهر اليوم 18 حزيران/ يونيو، في «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» (جادة فؤاد شهاب ـ مقابل برج الغزال ـ شارع مار مارون ـ بناية الصيفي 174 ـ قاعة المحاضرات) للاستعلام: 01/991837