إذا كان ثمّة مخرج واحد يختصر في مهنته تاريخ الثقافة الغربية الرفيعة في النصف الثاني من القرن العشرين، فلن يكون سوى الإيطاليّ فرانكو زيفّيريللي (1923 – 2019) الذي توفي في روما قبل يومين عن 96 عاماً. لقد كان الراحل أحد نجوم الثقافة الألمع في غرب أوروبا ما بعد الحرب العالميّة الثانية. أخرج عدداً ضخماً من عروض الأوبرا العالميّة والمسرحيّات الفارهة، واشتهر عالمياً بتقديم أعمال شكسبير للسينما، لا سيّما فيلمه الأشهر «روميو وجولييت» الذي فاز بأوسكار عام 1960 وجعل منه ثرياً بعدما اعتاش فترة طويلة على عوائد بيع مجموعة لوحات لماتيس أهدته إياها سيدة الموضة العالميّة الفرنسيّة كوكو شانيل. كما قدّم في 1977 تحفته المسلسلة «يسوع الناصري» (بطولة روبرت باويل)، وفيلم «هاملت» (بطولة ميل غيبسون) في 1990. وبينهما في 1981 فيلمه المتهتك «حب لا ينتهي» (بطولة بروك شيلدز) الذي صدم جمهوره، مع أنّه ترك بصمات لا تمحى من ذاكرة شبان تلك المرحلة.
ظلّ مثار خلاف في إيطاليا بسبب لسانه السّليط وغروره


جاء زيفّيريللي إلى دنيا الإخراج بعد تجربة قصيرة في التمثيل الإذاعي، انتقل بعدها في 1948 للعمل كمساعد مخرج مع لوسيانو فيسكونتي، المُخرج الإيطالي اليساريّ ذي الخلفيّة الأرستقراطية. تجربة غيّرت حياة زيفّيريللي إلى الأبد رغم أنه لم يستطع يوماً أن يفهم خليط اليسار والثراء عند معلمه أو أن يصبح صديقاً شخصياً له. وقد عمل في أولى تجاربه الفيسكونتية تلك على مساعدة سلفادور دالي في تصميم فضاء مسرحيّة شكسبير «كما تشاء» التي قدّمها المعلّم فيسكونتي وقتها، بوصفه كان قد ترك دراسة الهندسة المعماريّة منذ وقت قريب ويتمتع بمهارة بصريّة فائقة. وقد بقيت هذه المهارة بالفعل ميزةً رافقته في كل أعماله التالية.
زيفّيريللي الذي ألهمه منذ صغره أولئك الممثلون الجوّالون في توسكانا، كما حضوره لأعمال أوبرالية منذ الثامنة من عمره، تحوّل شيئاً فشيئاً إلى المخرج الأهم في عالم الشكسبيريات، فقدم مبكراً في الخمسينيات ومع النجوم الكبار كريتشارد بورتون وإليزابيث تايلور اقتباسه السينمائي لمسرحيّة «ترويض الشرسة». لكنّ اختياره ممثلين مراهقين صغاراً للعب دوري روميو وجولييت، منح مسرحيّة الحبّ الكلاسيكيّة التي تحمل اسمهما، شعوراً حداثياً طازجاً تماهى مع المشاعر الشبابيّة الفائرة لجيل الستينيات، وأعطى كلاسيكيات المسرحيّ البريطانيّ الأشهر حياةً جديدةً عندهم.
كان معروفاً عن زيفّيريللي أنه كان مثلياً، رغم أنّ أنه لم يتاجر بمثليته علناً كفنانين ومخرجين كثيرين. لكنّه لم يتورع عن التغزّل بالممثلين اليافعين الذين عملوا معه. كتب لاحقاً بأنّه تعرض للاعتداء الجنسي من قبل قسّ أثناء ارتياده مدرسة كاثوليكيّة في فلورنسا بعدما توفيت أمه وهو في السادسة. لكن حياته مع ذلك لم تكن بائسة، وقد قدّم عنها ملامح في 1991 من خلال فيلمه «أن تحتسي الشاي مع موسوليني». فيلمٌ أشبه بالسيرة الذاتيّة عبّر فيه عن الأجواء الساحرة لمرافقة صبي يافع ثلّة من سيدات المجتمع الأوروبي والأميركي الأنيقات اللواتي جئن إلى فلورنسا الثلاثينيّات لمعاينة مناخ الثقافة الرفيعة فيها، ولم يلمّح فيه أبداً إلى اتجاهاته الجنسيّة. ولاحقاً تحوّل بيته المسرف في روما إلى ما يشبه نادياً اجتماعياً تلتقي فيه نخبة مشاهير أوروبا في حفلات باذخة تشبه أعماله.

من فيلم «روميو وجولييت»

رغم شهرته العالميّة وتاريخه المهنيّ الممتد عبر ستة عقود ومكانته الرفيعة في العالم الأنغلوفوني لا سيّما في بريطانيا - حيث قدّم عدداً من أهم عروض الأوبرا ونصّب فارساً للإمبراطوريّة في 2004 – إلا أنّه ظلّ شخصيّة مثار خلاف في بلاده إيطاليا. لعل مردّ ذلك لسانه السّليط وغروره، وتطوّعه لانتقاد الكبيرة والصغيرة في المجتمع. ولذلك تعرّض لنقد لاذع على فيلمه الأخير «كالاس إلى الأبد» (2002) لأنه – وفق النقاد الإيطاليين الذين بادلهم الكراهيّة دائماً - حشى السرديّة بنوع من الاحتفاء المرضي بالذات. خياراته السياسية انحازت دوماً نحو أقصى اليمين، وكان معادياً عالي الصوت ضد حق الإجهاض. ويقال إنه كان شخصياً نتاج علاقة «غير شرعيّة» وقد تعرّضت أمه لضغوط شديدة كي تتخلص من حملها به. وقد حاول الفوز بمنصب عمدة فلورنسا في أواخر الثمانينيات من دون طائل، لينتخب في 1994 عضواً في مجلس الشّيوخ الإيطالي ممثلاً جزيرة صقليّة عن حزب سيليفيو برلوسكوني «إيطاليا إلى الأمام» وبقي في منصبه لسبع سنوات.


فرانكو زيفّيريللي مخرج سينمائي كبير. لكنه أيضاً صاحب بصمة مهمة في مجال الإخراج المسرحي أو السينمائي لأعمال أوبرالية أو لسير شخصيات موسيقية كبيرة في مجال الكلاسيك الغربي. فقد عمل على كلاسيكيات مؤلفين إيطاليين بشكل أساسي (فيردي، بوتشيني، ليونكافالّو...)، مثل «كافاليريا روستيكانا» و«باغلياتشي» و«لا بوويم» و«توسكا» و«أوتيلّو» وغيرها، بالإضافة إلى «دون جيوفاني» لموزار وفيلم عن بدايات أسطورة قيادة الأوركسترا الإيطالي العتيق أرتورو توسكانيني، وآخر، في ختام مسيرته عن الديفا الأولى في عالم الأوبرا السوبرانو اليونانية الأصل ماريا كالاس (2002).