حين يكون الحديث عن مراكز الدراسات في الخليج العربي، يتصدّر «أوال» واجهة هذه المراكز. لعله الوحيد بين مراكز الدراسات العربية، الذي يقدّم «دراسات» عملانية، حقيقية، ذات تأثير أفقي وعامودي لناحية الثقافة والأثر التاريخي. قدّم مركز الدراسات البحريني في السابق واحداً من أهم الكتب التي تتحدث عن الخليج سياسياً ونعني: «ما بعد الشيوخ» للباحث البريطاني كريستوفر ديفيدسون، ثم أردفه بمجموعة كتبٍ حول «داعش» («إله التوحش» و«نصوص متوحشة» للكاتب علي الديري)، ليتبعها بمواد مختصة تتناول التاريخ البحريني من خلال سلاسل حفظ التراث البحريني. ما يميّز «أوال» فعلياً هو حجم الجهد الذي يبذله مركزٌ ليس تابعاً لأي جهةٍ رسمية/حكومية أو حتى دولية. هو ـــ بحسب محمد ناصر المدير التنفيذي للمركز ـــ «مؤسسة ممولة ذاتياً من مجموعة من الخليجيين المهتمين بحفظ التراث والثقافة البحرينية خاصة، والخليجية/ العربية عموماً». لكن ماذا عن اليوم والمفاجأة التي يعمل عليها المركز؟ المشروع الأضخم بالنسبة إليه؟

في يوم الكتاب العالمي أمس، احتفل «أوال» بمشروعه الأهم منذ إنشائه، إذ يقول مديره التنفيذي إنّ المركز أتمّ ترجمة وتبويب وتصنيف «أرشيف البحرين في الوثائق البريطانية الأصلية 1820 ـــ 1971» في بادرة هي الأولى من نوعها في العالم العربي، وطبع الجزء الأول من هذا المشروع الضخم ضمن 6 مجلداتٍ (من الحجم الكبير) بغرض إطلاقها لتصبح بين أيدي الباحثين والخبراء والأكاديميين. إذاً هو مشروعٌ مغامرة، يسير عكس التيار، فلماذا؟ يجيب محمد ناصر: «الفكرة بالدرجة الأولى من ضمن الأفكار التي أُنشِئ المركز لأجلها، أي حفظ تاريخ البحرين. هنا يجب أن يكون السؤال: لماذا تشعر الشعوب بالحاجة للحفاظ على تاريخها؟ تفعل ذلك عندما تشعر أنّه مهدد، خصوصاً في غياب المؤسسات التي تسعى للحفاظ على الإرث التاريخي. مشروعنا هو تاريخ البحرين حتى استقلالها عام 1971، لكن وثائقنا تغطي من 1820 إلى 1942 أصدرناها في ستة مجلدات». هل سبق أن ترجمت هذه الوثائق إلى العربية؟ يؤكد ناصر بأنه لم يحدث ذلك، فالمركز يُصدر الترجمة الأولى الكاملة لهذه الوثائق من دون انتقاء ولا حذف، وهي متوافرة في مكتب السجلات العامة، ويتيحها القانون البريطاني لأي كان، سواء كان باحثاً أو أكاديمياً، أو حتى مواطناً عادياً بعد 30 عاماً من صدورها، إذ تصبح ملكاً عاماً (ما عدا الوثائق التي تتعلق بالأمن القومي البريطاني، أو تلك التي لا يزال أصحابها أحياء، ويمكن أن تؤثر بعض الوثائق على حيواتهم). ويشير ناصر إلى أنَّ الوثائق المتعلقة مثلاً بوعد بلفور أو القضية الفلسطينية ممنوعة من الظهور، وغير مسموح تداولها، أو تلك المتعلقة ببعض الثورات البحرينية حيث يشار إلى أن البريطانيين شاركوا في قمع المتظاهرين فيها. لكن هل اهتمت الدول/ المؤسسات العربية بوثائق بريطانية/ أوروبية استعمارية أخرى؟ يؤكد ناصر: «حدثت مشاريع كبيرة على صعيد الأرشيف. على سبيل المثال، نُشرت وثائق بريطانية مرقمنة عبر مكتبة قطر الرقمية. وفي مصر مثلاً، تم إنجاز مجموعة من الوثائق من قِبل الدولة أو بدعم منها. كذلك حدث ذلك في السعودية، لكن لحقبات تاريخية محددة». ويردف مشيراً إلى حجم الثقل الملقى على مركز «أوال»: «على صعيد مؤسسة خاصة، فإنّ عملاً بهذه الضخامة يعتبر تحدياً كبيراً؛ إذ إنه ضخم ومكلف».
وبالعودة إلى الوثائق/ المجلدات التي تم إنجازها، من الطبيعي أن يعنى الباحث/ القارئ بمحاولة معرفة ما تتضمنه هذه المجلدات الضخمة. يشرح محمد ناصر: «هذه المجلدات عبارة عن وثائق ومراسلات وتقارير وملفات بين الموظفين السياسيين البريطانيين وحكومة الهند (أي الحكومة البريطانية الموجودة في الهند أو الحكومة البريطانية في لندن)، وأيضاً مراسلات بين حكام البحرين من جهة والحكومتين التركية والفارسية من جهة أخرى. نتحدث هنا عن أكثر من 1200 وثيقة منوعة بين صغيرة وكبيرة أو تقرير شامل يتحدث عن حالة كاملة كتقييم الإصلاحات أو تجارة اللؤلؤ أو الحالة التعليمية». هنا بالتأكيد يحضر السؤال البديهي عن ماهية هذه الوثائق: «كانوا يكتبون بأدق التفاصيل؛ فيمكنك أن تجد داخل هذه الوثائق خرائط وتقارير مالية يتحدثون فيها عن كل شيء. لقد غطت هذه الأوراق تفاصيل التفاصيل، مثلاً، إضافة إلى المسح للأرض ومساحتها بدقة، مسحوا حتى عمق البحر» يؤكد ناصر؛ قبل أن يكمل: «التفاصيل الدقيقة واردة في هذه الوثائق لأن المكتب يريد أن يعلم بريطانيا بكل التفاصيل لتتخذ إجراءاتها وتتعامل وفقاً لما تجده مناسباً مع هذه المنطقة سياسياً، اقتصادياً وحتى عسكرياً».
إذاً، هذه الوثائق البريطانية عبارة عن مراسلات بين دولة «محتلة» (أو منتدبة) ومندوبيها على تلك الأرض التي كان يحكمها منذ ذلك الوقت آل خليفة (الحكام الحاليون للمملكة البحرينية) الذين أتوا من قطر (الزبارة تحديداً) في القرن الثامن عشر. طبعاً هم أتوا بغزوٍ قبلي، يسمونه بحسب أدبياتهم «فتحاً»، مع العلم أن الإسلام كان موجوداً في تلك البقعة من الأرض (أي البحرين اليوم) منذ القرن الإسلامي الأوّل على الأقل. أخذ مركز «أوال» الوثائق، لتبدأ مراحل العمل الشاق الذي قام به أكثر من خمسة خبراء عرب/ خليجيين وغربيين محترفين، منهم بالتأكيد بريطانيون وبحرينيون. يقول ناصر: «بعدما أحضرنا الوثائق ومسحناها ضوئياً؛ بدأنا بتصنيفها حسب التسلسل الزمني. ثم قسمناها على 6 مجلدات. بدأ العمل بعد ذلك على ست مراحل: الترجمة، التدقيق اللغوي، التدقيق الترجمي؛ التدقيق التاريخي، التدقيق اللغوي. ثم تأتي المرحلة الأخيرة أي الإخراج والطباعة» ويردف: «بالتأكيد أهم ما قمنا به أننا أضفنا هوامش عن الأحداث في تلك المرحلة الزمنية. أحداث قد لا ينتبه إليها من لا يعرف تاريخ البحرين، أو حتى من يعرفه، لكنه لن ينتبه إلى توقيت الوثائق بين يديه». وعن احتمال وجود أخطاء في اللغة أو في تسمية إحدى المناطق، فيعلّق ناصر: «قد يحدث خلل أو خطأ جغرافي أو تاريخي في التسميات أو التوصيفات، لذا نحن نصوب الخطأ التاريخي ونعرّف عن الشخصيات الموجودة ونضع تلخيصاً عنها». ماذا عن الوقت؟ كم احتاج مشروعٌ بهذا الحجم إلى وقت؟ «لقد بدأنا بالمشروع منذ خمسة أعوام، منذ 2013 حتى 2018. وتيرة العمل لم تنقطع أبداً، لكنها تسارعت في وقت معين حين عرفنا بأن علينا أن نبدأ بتسليم بعض منتجات هذا المشروع. لم يقل العمل عن 10 ساعات يومياً ضمن فريق لم يقل أبداً عن ثلاثة ولم يزد عن 7 في أقصى الاحتمالات».
ولأننا دخلنا في تفاصيل العمل، نعلم بأن اللغة الإنكليزية قد تطورت عن مرحلة القرون السابقة، فكيف تعامل المركز في هذه الحالة؟ يؤكد ناصر: «كنا أمام لغة إنكليزية قديمة archaic؛ لذلك احتجنا إلى مترجمين متخصصين لفهمها وترجمتها لنا. وبالفعل أحضرنا مترجمين درّسناهم تاريخ البحرين كي يفهموا طبيعة المادة التي يريدون ترجمتها، ويعطونا مادة مترجمة دقيقة». لكن بحكم أن التاريخ قد يكون غير واضح في بعض القضايا، ماذا كان يحصل في هذه الحالة؟ يجيب ناصر: «حاولنا أن نكون دقيقين جداً. كنا نقسم العمل إلى لجان للتدقيق في كل الأمور، ولطالما وقعت نزاعات بين المترجمين والمحققين التاريخيين حول حقيقة القصد سواء في النصوص أو حتى في الأحداث نفسها. هذه النزاعات التي استغرقت وقتاً وجهداً، حسّنت العمل ورفعت جودته؛ إذ تم التدقيق في كل شيء. ويجب أن أشير هنا إلى أنهم كانوا يتحدثون عن كل شيء فعلاً، فكانت هناك وثائق عن القلاع والشخصيات وصيد اللؤلؤ ولغة الصيادين. هذا الأمر أوجد لدينا نصوصاً أسميناها بـ«كشافات»، فأصبح لدينا كشافات خاصة بالمناطق وأسماء قلاعها». ولأن المرحلة الأخيرة هي مرحلة الشكل، كان لافتاً اختيار ألوان الأبيض والأحمر لشكل المجلدات. لكن ناصر يشرح لنا سريعاً: «لقد استخدمنا هوية بصرية مرتبطة بعلم البحرين ولونيه: الأحمر والأبيض. وقد استخدمنا خطاً حراً (أي أنه ليس خطاً موجوداً ومعتاداً) وأسميناه باسم المشروع «أرشيف البحرين».
ماذا إذاً بعد إطلاق الأرشيف؟ من سيستفيد منه؟ وكيف سيتم التعامل معه، خصوصاً أنّ الباحث/ الأكاديمي المهتم بهذا النوع من الأبحاث لا يمتلك عادة شراء مجلدات متخصصة من هذا النوع. يؤكد محمد ناصر: «هدفنا الرئيس هو توفير هذه الأبحاث للدارسين والباحثين والأكاديميين وكل المهتمين بتاريخ البحرين. لذلك فإنه سيتم إرسال نسخ مجانية من هذه الوثائق المترجمة إلى أهم وأغلب الجامعات والمكتبات العربية والعالمية. كما ستكون هناك نسخ في مركزنا ميسرة ومفتوحة أمام الباحثين والدارسين المهتمين. كما سنحاول تنظيم أنشطة تعريفية بها وحولها».
بعد انتهاء المرحلة الأولى من المشروع التي تكللت بإطلاق المجلدات الستة الصادرة، تأتي المرحلتان اللاحقتان. يوضح ناصر «ستكون هناك مرحلتان أخريان. في كل واحدة، قرابة ستة مجلدات. في المرحلة الأولى وصلنا حتى عام 1942، والوثائق هي حتى عام 1971. بالتالي، فإن المجلدات ستكون مستمرة حتى الوصول إلى ذلك العام».
http://awalcentre.com



بحثية لا سياسية
««أوال» ليست مؤسسة سرية. إنها مؤسسة علنية معروفة، مركزها في بريطانيا، وهي «بحثية مستقلة لا شأن لها بالسياسة» يؤكد محمد ناصر. أما عن «عدم إفصاح» كثير من الباحثين في هذه الوثائق عن أسمائهم وعدم وضعهم أسماء فوق هذه الإصدارات، فيؤكد ناصر أن الأمر يتعلّق بالأوضاع في الخليج العربي ويرتبط بقرار الباحثين أنفسهم. إذ يتخوفون من تأثيرات هذا العمل عليهم. أما المؤسسة (أي «أوال»)، فعلاقتها سيئة بالأنظمة الحاكمة في الخليج أو حتى في البحرين، مضيفاً: «أصدرت «أوال» العديد من الكتب والأبحاث والدراسات لباحثين ودارسين يقيمون ويعملون ويدرّسون في جامعات الخليج العربي والبحرين. في المقابل، إذا طلب باحث عدم وضع اسمه على بحث معين، فالمؤسسة تحترم ذلك وهذا حقه بالتأكيد. كما أنّها أنتجت إصدارات عديدة بشكل مشترك مع مؤسسات خليجية منها «مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري».


مشاريع بالجملة
«لدينا مشاريعنا الأخرى أيضاً» هكذا بسرعة يجيب محمد ناصر حول ما إذا كانوا سيكملون في مشاريعهم الأخرى مع تركيزهم على مجلداتهم الباقية من الأرشيف البريطاني. فهناك مجلة «أرشيفو» المتخصصة في مجال الأرشيف، التي تعدّ ربما من المجلات القليلة التي تعنى بهذا الشأن عربياً. كما هناك «سلسلة تاريخ البحرين» التي تعنى بتأريخ أعلام وشخصيات كما أحداث وقضايا من التاريخ البحريني. «كذلك، نحن في صدد إنتاج سلسلة تاريخية اسمها «سلسلة أرشيف البحرين». هذه السلسلة عبارة عن تبويب مواضيعي لبعض الأمور التي استخرجناها من الأرشيف البريطاني، كالنظام التعليمي. هذه السلسلة ستنطلق سنوياً عبر ثلاثة أعداد متسلسلة. طبعاً هي ستصدر عبر كتبٍ من الحجم الصغير» يقول محمد ناصر. لا ينسى المركز مواضيع مثل «الذاكرة الشفهية» من خلال تأريخ سير «معلمات القرآن» (صدر منها كتابان حتى اللحظة)؛ وهذا البحث «مهم للغاية لأنه توثيق لأماكن حيوية وشخصيات أساسية في المجتمع البحريني» يشير ناصر. في الإطار عينه ولكن من بوابةٍ أخرى، يقوم المركز كعادته بترجمة «كتاب الرحلات»، وهو عبارة عن جمع لرحلات مؤرخين ومستشرقين أوروبيين جاؤوا إلى البحرين منذ القرن السادس عشر؛ وهذه الوثائق/ النصوص بعضها يظهر للمرة الأولى بحسب المدير التنفيذي لمركز «أوال».