تستجيب غالية لحبّها. تستلّ كوفية حبيبها الملقاة على كتفيه وتفرّ منه. يطاردها الشاب الأسمر برائحة فحم ملتصقة بجسمه. يستسلم الجسدان إلى بعضهما أخيراً على صوت الكورس (مايا زبيب، ورائدة طه، ولميا أبي عازار، ينضمّ إليهن جنيد سري الدين) الذي يصدح بأبيات الحلّاج «لبّيكَ لبّيكَ يا سرّي ونجوائي/ لبّيك لبّيك يا قصدي ومعنائي». آخر أعمال «فرقة زقاق» هي تراجيديا معاصرة تنطلق عند الثامنة والنصف مساء اليوم في «استديو زقاق» (بيروت). مسرحيّة «أميال غالية» التي كتبتها مايا زبيب وأخرجها عمر أبي عازار، يؤدّيها أعضاء «فرقة زقاق» بمشاركة الممثّلتين الفلسطينية رائدة طه واللبنانية ريم مروّة. تتبع الفرقة في العادة الكتابة والعمل الجماعيّين، وتأتي العروض نتيجة نقاشات وتبادل أفكار بين أعضاء الفرقة التي عزّزت أدواتها المسرحيّة منذ البداية، من خلال ورش مع فنانين عالميين، وأخرى مع فئات مهمّشة في المجتمع مثل اللاجئين والنساء...

النصّ الذي كتبته زبيب خلال إقامة فنية مع مسرح «الرويال كورت» (عام 2014)، يسائل أحوال النساء في المنطقة العربية الراهنة، من منطلق فردي وحلم بسيط. يختزن إشكاليات وسلطات كثيرة ضمن قالب حكائي قائم على عناصر متداخلة مثل التراجيديا الإغريقية عبر حضور الكورس والبطلة الرمز والمآسي التي تحل بها. الثقافة المحلية خزّان أساسي للعرض وإيقاعه: الرديات واللازمات الصوتية التي كتبتها زبيب مثل «يا دوّار الشمس دور فيي دور»، والزغاريد، والأغنيات الشعبيّة «الدلعونة» و«يا هويدلك».

ليال شاكر ورائدة طه ولميا أبي عازار ومايا زبيب، وجنيد سري الدين وريم مروّة في مشهد من العرض (ماريان قرطباني)

وإذ يتخلى العمل عن اتخاذ موقف سياسي مباشر، فإن التواريخ والأحداث السياسية التي صنعت خيبة الجيل السابق مثل النكبة لا تغيب إطلاقاً. في نصها، لجأت مايا إلى الشعر العربي (الحلاج والمتنبي) وميثولوجيا المنطقة وآلهة بلاد ما بين النهرين، بالإضافة إلى العلاقة مع المجهول. علاقة عربيّة أصيلة مع المستقبل من خلال التبصير وسبر أعماق المعرفة كما لدى شخصية زرقاء اليمامة، وفق ما تخبرنا زبيب. مزيج سمعي ومسرحي نشاهده على مدى ساعتين ستكونان رحلة شاقّة داخل الجغرافيا العربيّة المعاصرة. البطلة هي غالية (ريم مروّة). مراهقة تطوي أميالاً من ضيعتها في الجنوب اللبناني لعبور البحر باتجاه أوروبا. تمرّ على شاطئ صور والدامور ومخيمي صبرا وشاتيلا والبقاع، لتقطع الحدود إلى سوريا ثم بغداد ومصر وليبيا من أجل ملاقاة حلمها. ربّما هذه أكثر أعمال «زقاق» اعتماداً على السرد والحبكة مقارنة مع عروض سابقة مثل «راسين بالإيد» الذي أعادت الفرقة تقديمه العام الماضي. نحن أمام أسطورة تعتمد البطلة الواحدة. بطلة تتأرجح بين البراءة والأمومة، بين الألوهيّة والبشريّة، بين فطنة وبلاهة، والأهم أن لها أخطاءها، وهي في النهاية الذبيحة بالمعنى التراجيدي للكلمة بتحوّلها إلى رمز لمصائر النساء في هذه البقعة من الأرض على متن أحد قوارب النجاة المتّجهة إلى أوروبا. حين نقول خطّاً سرديّاً، فلن يكون ذلك اعتماداً سهلاً على خط مستقيم في العمل. يقوم الطرح الإخراجي على متاهة من المشاهد المكثّفة بمعظمها، والمؤلّفة من الأصوات والمدن والشخصيات الغنية. يشارك أعضاء الكورس في أداء شخصيات مختلفة عبر اللهجات والجسد والتفاصيل الخارجية (اللباس، الإكسسوار). وفيما يتوّلون دور الحكواتي الذي يرافق غالية ويقصّ حكايتها، سيخوضون حوارات، ويتورّطون بمصير الشخصيّة، يتبادلون الأدوار والمواقع بإتقان بين الجلاد والضحية والقاتل، والنداب على الموتى.
يحافظ العرض بفضل الموسيقى والحوارات والأداء الصوتي على إيقاعه، لكنه إيقاع متفاوت، خصوصاً أنه يفقد قليلاً تماسكه ما قبل النهاية، تحديداً حين تنتقل غالية بين ليبا ومصر. الموسيقى الحية (سيمونا عبد الله/ إيقاع، وليال شاكر/ كمان) خيار دراماتورجي يختصر ملامح المدن والأماكن أحياناً، ويصقل خط السرد والتنقّل، ويمثّل حلم غالية الفني بالرقص والموسيقى. نوع من الواقعيّة السحريّة يطبع العرض، عبر الوقائع القاتمة والتواريخ الحقيقية في المكان المفتوح، وفي السمات الأسطورية الواقعية للبطلة وللشخوص على السواء. اختارت مايا لعرضها المنطقة العربية مكاناً فائضاً وغنياً لوقائع المسرحية. جغرافيا مألوفة وأبوكاليبتية ترزح تحت حمل ثقيل من الهزائم التاريخية والراهنة بعد الربيع العربي وارتداد الثورات. كل ذلك أمام عنصر سينوغرافي وحيد ومكثّف يختصر صلافة وعنف هذه البقعة. قضبان حديدية صدئة تشبه السجن أو القفص الكبير ومراوح (سينوغرافيا: حسين بيضون) إلى جانب الإضاءة (تصميم: شارلي أستروم). ينتبه النص إلى كل ذلك فيمرّ على أزمة اللاجئين، والقضية الفلسطينية من مخيّماتها في بيروت، وعلى ظهر الثور الأبيض الذي أوصل ذات يوم امرأة صورية إلى الأراضي المحتلّة في استحضار لأسطورة أوروبا. بغداد بين الاحتلال الأميركي والأصوليات الدينية... والموت السوري، الفقر وظروف الأرياف. سلطات دينية وسياسية وعسكرية تهطل كمآسي وبلايا على غالية. تعرقل وصولها إلى حلمها. من هذه المنطقة تستمدّ البطلة ملامحها، لكنها تمتلك من البراءة والإصرار ما يحمي إيمانها بالحريّة وبخيارات راديكاليّة قبل الاستسلام بدءاً من رفضها الزواج من عريس تقليدي، ولها من البلاهة ما يجعلها تعتقد أنها ستعثر على خلاصها كلّه في أوروبا. ينجو الطرح من تقديم كل النساء والإناث على أنهن ضحايا وبطلات. جلّ ما يعنيهن هو حيواتهن الفردية. بعضهن يتشاركن السلطة ويمارسنها مثل العرّابة/ القوّادة في سوريا. تحضر المواقع الاجتماعية والطبقية والظروف البائسة التي تنال من الذكور والإناث على السواء. تتجسد هذه الفكرة جلياً في الطفل السوري البكّاء، الذي يبدو كأنما يبكي عن كل الرجال العرب الذين يطلب منهم أن يكونوا أقوياء دائماً. تستفيض المشاهد في وصف ظروف التهميش في بعض البؤر مثل مخيم شاتيلا في بيروت الذي يقبع على جثث من قتلوا في المجزرة. اللهجات المحلية العراقية والفلسطينية والسورية والتونسية والجنوبية اللبنانية هي مفاتيح الشخصيات. من خلالها، يبدّل الممثلون وجوههم، بالإضافة إلى أزياء ضئيلة تختصر كل ملامحها، من دون أن يخضع أداء الشخصيات إلى الجندر. إذ يؤدي جنيد سري الدين دور الست جميلة مثلاً، وتلعب مايا زبيب شخصية أيمن حبيب غالية السوري.
سينوغرافيا خانقة ومكثفة وكسر للإيهام بين العمل والمشاهد


تتوالى الشخصيات كلّما تقدّمت غالية في رحلتها: المومس، وفنانة الكباريه، وخالتها اليسارية التي لم تتلق إلا الخيبات من إيمانها والتزامها السياسي، والأم الخاضعة والبصّارة، والقوّادة، والمناضلة، وتاجرة المخدّرات، وسائقة التاكسي. النساء هنا لسن قديسات ولا ملائكة. إنهن مزيج من المحاربات، وآلهة بلاد ما بين النهرين، والنساء المصريّات اللواتي شاركن في الثورة، ونلن ما نلنه لاحقاً. غالية هي واحدة منهن أيضاً. تتردّد في إجهاض الجنين لا تمسكاً به بل خوفاً على صحتها ربما، تضطر إلى التنازل عن جسدها ورغبتها لتحقيق غايتها التي من أجلها أيضاً تتسبب في مقتل حبيبها. بين مشهد وآخر، يبلغ الإيقاع مداه الأقصى عبر الاحتفاليات (العرس الفلسطيني)، أو تكرار الموت والبكاء («اليوم يوم عرسك يا أمير دموعي سكابا وفرحي كبير دمّك على إيدك حنة وأمك رتّبتلك السرير ورد وحبق وجرجير» كما يردّد الكورس)، ومشاهد الاغتصاب الإيحائية والعنيفة جدّاً التي تتعرّض لها النسوة في أماكن مختلفة. عبر المسافات الطويلة التي تقطعها بين البلدان، تتطوّر شخصيّة غالية، نفسياً وجسدياً. يتعمّد العرض كسر الإيهام بين المشاهد والعمل، على الطريقة البريشتيّة، وهذا توجّه أساسي وثابت في عمل الفرقة التي تحمل على عاتقها هموماً اجتماعية وقضايا محليّة. تبدّل غالية بطنها على الملأ، فيما تعلن «حاسّة حالي بطلة شي مسرحيّة»، في حين يطلق الكورس ضحكات ساخرة من المأساة. رغم ذلك، هناك لحظات كبّلها فائض المشاعر خصوصاً حين تخاطب فيها غالية ابنة لم تلدها بعد، ما بدا متنافراً قليلاً مع التوجّه العام. على مركب المهاجرين ستصل النهاية، هناك فقط ستتحوّل غالية إلى رمز وستلتقي بالآلهة السومرية على صوت صلوات يطلقها الكورس، فيما يبقى مصيرها معلّقاً عند لحظة ولادة الطفلة والحلم.

* مسرحيّة «أميال غالية»: حتى 28 آذار (مارس) ـــ «استديو زقاق» (تقاطع مار مخايل برج حمّود ــ بيروت). للاستعلام: 01/570676