من قال إن سنونةً لا تصنع الربيع؟ قبل عامين طوّبنا نورا جنبلاط «سنونوة بيت الدين»… وهذا العام ظهرت قبل الربيع بيوم واحد… وقبل مهرجانات الصيف بكثير. ببسمتها المعهودة، ولطفها الأنيق، وحرصها على احترام اللغة العربية، وقفت تتحدّى الأقدار في قلب الأزمة التي تحاصرنا من كل حدب وصوب. لم تنتحب ولم تشتك. وزير السياحة أفيديس كيدانيان هو الذي جاء «رغم حرارته المرتفعة»، كمن تطارده عقدة ذنب، ليستعيد موال «الصعوبات المادية». وليكشف لنا سبقاً صحافيّاً: إنّ له «رأياً مغايراً في المهرجانات، لكنّه سيبقى إلى جانبها»! أما رئيسة لجنة «مهرجانات بيت الدين الدوليّة»، فبدا خطاب الأزمة وراءها. لقد فهمت أنّها أزمة مقيمة، ستطاول الجميع، وأنّ «بيت الذين» محكومة بالاستمرار، فوضعت مع لجنتها برنامجاً براغماتيّاً، بإمكانات محلية، وتطلعات واقعيّة، ومستوى أكثر من مقبول، يراهن على الشباب واستعادة الجذور المحليّة.

لقد سبقت «بيت الدين» المهرجانات اللبنانيّة الأخرى في الاعلان المبكر عن برنامجها (إذا وضعنا جانباً «الأرز» الذي أُعلِن منذ العام الماضي، ويُختصر بسطر واحد: بوتيتشللي، واضحك يضحك لك «ليبانون»). في عامه الـ 35 يغيّر المهرجان شكل المؤتمر الصحافي ليبدو أقرب إلى أمسية فنيّة، حتى الملف الصحافي يختبئ داخل شريحة USB على شكل منمنة جميلة، أو تميمة، تمدّها لك ماجدة رزق الله مع بركاتها. والأهمّ: اختفت المنصّة السمجة التي يجلس إليها عادت الوزراء والأعيان ويستبيحون وقتنا بانشائيتهم الرتيبة. ليحلّ مكانها منبر بسيط في الزاوية الأمامية لجهة اليمين، تعاقب عليه بايجاز شديد، إضافة إلى السيدة جنبلاط التي قدّمت الأمسية، كل من وزير السياحة الذي يسلينا دائماً، ووزير الثقافة محمد داوود الذي يكتشفه الاعلام بأسلوبه الفصيح والبسيط. «الشراكة» التي أشار إليها مع القطاع الخاص، ربّما كانت مقبولة في مجال الثقافة، لكن حذار من التعميم! أما الصدارة، في باحة «بيت الضيافة» البيروتي الذي يحمل ملامح العمارة التقليدية، فهي للفن! في العمق مسرح صغير مرتجل خلف القناطر الثلاث، تحتله آلة البيانو بكامل جلالها، مع حديقة في الخلفيّة تمّحي مع المغيب. في الصالة كل شيء مضبوط ومدروس بعناية: شاشة الفيديو إلى اليسار، تقدم نماذج من الأعمال المشاركة، وبين فقرة وأخرى يعبر الجنريك الموسيقي مع هويّة «بيت الدين» البصريّة. لا بد من التوقف عند هذه التفاصيل، فهي البصمة التي تعطي فكرة عن شخصيّة المهرجان ورسالته. باختصار، تحوّل المؤتمر الصحافي إلى أمسية مصغّرة، تخللها لقاء عفوي مع بعض «نجوم الموسم»، وإداء حي وعزف لفنانين بينهم غابرييل يارد…
يحتفل مهرجان «بيت الدين» هذا الصيف (18 تمّوز/ يوليو - 10 آب/ أغسطس 2019)، بمرور «35 عاماً من مواجهة اليأس بالأمل، والانغلاق بالانفتاح، والحزن بالفرح»، حسب نورا جنبلاط التي قدّمت ثمانية مواعيد تتراوح بين الجاز (المحلّي) والكلاسيك (اللبناني العالمي)، البوب العربي والأغنية الشبابية، مروراً بالمسرح الغنائي، وصولاً إلى تحيّة موجهة لقامات في الأغنية الفرنسية والعربية… مع دور أساسي للكونسرفاتوار الوطني (حضر الأمسية مديره بسام سابا)، من خلال «الأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية اللبنانية» و«الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق -عربية» اللتين سترافقان أكثر من فنان وضيف.
الافتتاح سيكون مع لبنانيين عائدين، ليقدما أمسية غنائية عند نقطة «اللقاء بين الشرق والغرب»، العزيزة على قلب غابرييل يارد. الموسيقي العالمي صاحب «الأوسكار»، مؤلّف موسيقى أفلام شهيرة بدءاً بمارون بغدادي ويوسف شاهين وكوستا غافراس وصولاً إلى «المريض الانكليزي»، يحمل إلينا مغنية شابة هي حفيدة أسمهان من الجيل الثالث. ياسمينة جنبلاط التي أسرتنا بالأمس بصوتها وبحّتها وحضورها الملائكي، وصلت إلى الغناء متأخرة، بعدما تخصصت بعلم النفس في مدرسة كارل غوستاف يونغ. وها هي تغوص في «اللاوعي الجماعي» من خلال تراث جدتها الذي أعادت تقديمه مع يارد، إضافة إلى أغنياتها الخاصة. أمسية الافتتاح (18/ 7/ 2019) ستكون اكتشافاً حقيقياً. من المفاجآت الأخرى مسرحيّة غنائيّة بالانكليزيّة تستند إلى رواية جبران خليل جبران الشهيرة «الأجنحة المتكسّرة» (من 24 إلى 26 / 7). بعد انطلاقها في الـ «ويست إند»، سيقدمها الفنان الشاب نديم نعمان، بالاشتراك مع الموسيقيّة القطريّة دانا الفردان في مسقط رأس «النبي» جبران. خلطة غريبة بتوقيع عربيّين من لندن، يعيدان إلينا لبنانيّاً من «إدباء المهجر» الأميركي…
موعد آخر سينتظره الجمهور اللبناني بفارغ الصبر. يعود الممثل الفرنسي جيرار دو بارديو إلى لبنان مغنياً، ليحي ذكرى صديقته الراحلة بربارا، أيقونة الأغنية الفرنسيّة التي سبق أن وقف معها على الخشبة أواسط الثمانينيات في Lily Passion. وسيكون معه على البيانو جيرار داغير الذي رافق المغنية طويلاً (20/ 7). الموسيقى الكلاسيكيّة، نصيبنا منها أمسية عزف مزدوج على البيانو، يحييها عازفان عالميان من لبنان: المؤلف وقائد الأوركسترا عبد الرحمن الباشا (ابن توفيق الباشا والمغنية وداد)، وبيلي عيدي (30/ 7).
ويعطي المهرجان للشباب مكانهم، من خلال الجيل الرحباني الثالث، متمثلاً بعمر (غدي) الرحباني الذي سيقدم أغنياته مع فرقة «باسبورت تشامبر» وباقة من الأغنيات الرحبانية المعاد توزيعها (6/ 8). الفيروزيون وعشاق الأخوين سيقصدون الأمسية ويدهم على قلبهم، لكن أليست المخاطرة من شيم المهرجانات الكبرى؟ الأمر نفسه بالنسبة إلى موعد الجاز والبلوز الوحيد، وسيكون مع فرقة لبنانيّة «نصف محترفة» اسمها «مانداي بلوز باند». تضم الفرقة مجموعة أصدقاء يلتقون للعزف منذ سنوات طويلة: رجل الأعمال كمال بدارو (غيتار، كيبورد، غناء)، مهندس الاتصالات فؤاد غريب (غيتار، غناء)، الصحافي عيسى غريب (ساكس تينور)، وعمر حرب (غيتار باص) وغسان صقر (درامز)… ترى كيف سيكون الانتقال من المناسبات الخيرية وحفلات الاصدقاء إلى مهرجان دولي وقف على خشبته بعض كبار الجاز في العالم؟ الامتحان يبدو مزدوجاً، للفرقة وللمهرجان (8/ 8). وللسنة العشرين على التوالي، بنجاح منقطع النظير، سيكون للجمهور موعد ثلاثي مع «فيصل الأغنية العربية» كاظم الساهر ( من 1 إلى 3/ 8). على أن يكون مسك الختام مع عبد الحليم حافظ الذي يحيي تراثه، للمرّة الثانية في «بيت الدين» بعد 2010، المغني المغربي عبدو شريف الملقب بـ «العندليب الجديد» (10/ 8). «آثرنا أن نحيي الذكرى التسعين لولادة العندليب الأسمر، لأننا لسنا متأكّدين من وجودنا هنا للاحتفال بمئويّته». إنّها اللطشة السوداوية الوحيدة للست نورا خلال الأمسية. لكن ما لنا وللغمّ؟ لنركّز على الجزء الممتلئ من الكأس!