بعد مرور قرن على تشكّل دول الشرق الأوسط المعاصر، لا تزال تلك التشكيلات السياسيّة الملتبسة التي تركها الإستعمار الغربي موضوع جدل دائم بشأن حدودها، وهويتها القوميّة، وشرعيّة أنظمتها الحاكمة، وطبيعة العقد الاجتماعي ــــ إذا كان هنالك ثمّة من عقد ــــ الذي ينظّم علاقة تلك الدّول بمواطنيها، في الوقت الذي لا تساعد فيه السرديّات التاريخيّة المتوفرة كثيراً في فهم الواقع الحاليّ لتلك الكيانات في فضاءات السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات الدوليّة. فمعظم تلك السرديّات نصوص مؤدلجة، مسيّسة، مؤسطرة صاغتها الطبقات المهيمنة التي عُهدت إليها إدارة المناطق التي حددها المستعمرون بمن تصادف وجودهم من السكان الأصليين أو العابرين ضمنها. وهي جميعها تقريباً تتسم بانعدام مريب للدقّة التاريخيّة، وبغلبة الاجتزاء والتزييف، مع غياب شبه كليّ ــــ أو تغييب ــــ للوثائق والمواد التي يمكن الاستناد إليها في إجراء قراءات على مستويات متباينة للحدث التاريخي.

من سلسلة «آباء» (2006) للفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي

الحالة الإسرائيليّة تحديداً، تبدو في هذا الأفق المعقّد الملتبس من الكيانات السياسيّة المتخلفة، الحالة الأكثر تطرفاً بما لا يقاس. هذا المشروع الغربي الكولونيالي الإستيطاني الذي يمثّل استثناءً نوعيّاً لناحية استمراريته بعد عقود على تفكيك التجارب الكولونيالية بشكلها القديم خلال القرن العشرين، لا يزال يعاني ــــ بعد 70 عاماً على قبوله رسميّاً في نادي المجتمع الدّولي ــــ من تباينات صارخة في طبيعة سيادته على الأراضي التي يقوم عليها، والهويّة القوميّة للدّولة التي يمثلها وتجمع خليطاً عجيباً من السكان الأصليين والمستوردين في أقل من مئة ألف كلم مربع، كما شرعيّة سلطاته الحاكمة وحقيقة تمثيلها لمواطنيها والبنية الطبقيّة فيه. ناهيك عن قوانينه وسياساته وحتى سلوكه في إطار المجتمع الدّولي. ولا يساعد وجود سرديتين تاريخيتين عن تاريخ الكيان تتسمان بالتناقض المطلق، في بناء تصوّرات موضوعيّة عن الوقائع.
كل ذلك يجعل أي محاولة لفهم ماهيّة هذا الكيان مهمة غاية في الصعوبة، رغم كم هائل من المقالات والكتب والدراسات التي تتوافر عنه. ولذا، فإن كتاب إيلان بابيه «إسرائيل» (صدر أخيراً بالإنكليزيّة عن «دار روتليج» ضمن سلسلتها المتخصصة «الشرق الأوسط المعاصر») ربما يكون في إيجازه (125 صفحة) ووضوح أفكاره أفضل دليل مكثّف لعبور معاصر لهذه الظاهرة السياسيّة الثقافيّة الاقتصاديّة المثيرة للارتباك. بابيه الموصوف بأنه كبير المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين تحدوا الرواية الصهيونيّة الرسميّة المضلّلة عن تاريخ فلسطين المعاصر ونجحوا في كسر هيمنتها المتمددة في الغرب ووسعوا من الشقوق فيها، هو من القلائل في الساحة الأكاديميّة الذين يمكننا بالفعل القول بأنّهم يعملون على بناء سرديّة جدليّة الطابع فوق السرديات المؤدلجة وأقرب ما تكون إلى الموضوعيّة العلميّة ــــ بحسب ما يسمح التاريخ به من الموضوعيّة والعلم ــــ عن سياق الأحداث في هذه المنطقة من العالم منذ إطلاق مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين عام 1882 لغاية اليوم.
ينطلق بابيه من نقطة السرديّات تحديداً، مُجدداً خياره الدائم في رفض السرديّة الرسميّة عن تاريخ إسرائيل. خيار فقد بابيه بسببه منصبه الأكاديمي في «جامعة حيفا» وتعرّض للإدانة والتهديدات بالقتل وتهم الخيانة الجاهزة وانتهى به المطاف في منفى اختياري في بريطانيا. ينفي تلك السردية، وخصوصاً الأسطورة المحوريّة التي تسوّقها المصادر الصهيونيّة عن لحظة «استقلال» الدّولة العبريّة في 1948 بوصفها لحظة انتصار مبهرة لـ«شعب» يهودي عاد إلى أرض أجداده، وخاض حرباً عادلة ضد أعداء ظلاميين كثر، معتبرة أنّ مسألة اللاجئين الفلسطينيين لم تكن سوى تأثير جانبي للأعمال الحربيّة التي جرت وقتها على مجمل الأراضي الفلسطينية واستمرت نحو عام كامل. بابيه يسقط تلك الرّواية الملفقة من زاويتين: التوافق التآمري غير المعلن بين الوكالة اليهوديّة (الجهاز التنفيذي للمنظمة الصهيونيّة) ومملكة شرق الأردن الهاشميّة على تقاسم الأراضي الفلسطينية وتنسيق أعمال قتال رمزية ممسرحة تسمح للقوات الإسرائيليّة المحترفة بتركيز جهودها على تصفية المقاومة الفلسطينيّة المحليّة في المناطق التي كانت أولويّة مرحليّة لمشروع الاستيطان وقتها، كما مواجهة قوات المتطوعين والوحدات العسكريّة القليلة التي اضطرت الأنظمة العربيّة إلى إرسالها نحو فلسطين بعد تفاقم الأوضاع على الأرض. وفق بابيه، فإن بن غوريون بقي لآخر لحظة نادماً على هذا التوافق، معتبراً أنه كان غلطة تاريخيّة ستدفع ثمنها الأجيال اللاحقة. أما الزّاوية الأخرى فهي إنجازه الأكاديمي الأكثر إثارة للجدل إلى الآن والمعتمد أساساً على وثائق إسرائيليّة رسميّة رفعت عنها السريّة بشأن سياسة تطهير عرقي ممنهجة ضد الفلسطينيين عملت عليها لعقود وضمن خيار استراتيجي محدد كافة الأجهزة التي كانت بمثابة حكومة أمر واقع صهيونيّة في فلسطين تحت المظلة الرسميّة لسلطة الاحتلال البريطاني (1922 – 1948). يعيد بابيه تذكيرنا بما تذهب إليه بعض الدراسات الغربيّة المتأخرة، بدءاً من مقالة مكسيم رودنسون الشهيرة (1973) عن طبيعة الكيان السياسي الإسرائيلي بوصفه مشروعاً استيطانياً كولونيالياً أوروبيّاً أشبه ما يكون بالنماذج التي شهدها العالم في أميركا الشماليّة وأوستراليا ونيوزيلندا والجزائر، حيث تنتقل مجموعات عرقيّة بيضاء نحو أراضٍ لشعوب أخرى، فتستوطن الأرض وتلغي سكانها الأصليين (أو تحاول) وفق سياسات عنف عنصري ممنهج. وهو يؤكد أن هذا «البرادايم» وحده على خطورته السياسيّة الفائقة، يسمح باستيعاب التجربة التاريخيّة في فلسطين المعاصرة، وتفكيك الواقع القائم فيها، وربما أيضاً الوصول إلى استنتاجات بشأن سيناريوات ممكنة للمستقبل القريب والبعيد. خطورة هذا «البرادايم» ليست متأتية فقط من كونها في تناقض وجودي الطابع مع السرديّة الصهيونيّة فحسب ــــ وربما أيضاً أجزاء من السرديّة الفلسطينية ــــ وإنما لكونها تفرّغ من المعنى موضوعات كثيرة لطالما تظاهر الجميع بالإشتغال عليها كفكرة المناطق المحتلة، والمستوطنات، وعمليّة السلام، وحل الدولتين. كما تكشف عن كونها نفاقاً تشترك فيه أطراف كثيرة تتآمر للحفاظ على مصالح مرتبطة بأوضاع قائمة، ليس أقلّها اليمين الفلسطيني، ولا تنتهي بالمنظمات الدوليّة والأمم المتحدة. يعتبر بابيه أنه يستحيل فهم الواقع الإسرائيلي المتشعب اليوم من دون المرور بالتاريخ. ولذلك، هو يسرد المعالم الأساسيّة لرؤيته عن تاريخ مشروع الكيان الصهيوني في مراحله الثلاث: «من فلسطين إلى إسرائيل 1800 – 1948»، ثم «إسرائيل الصغرى 1948 – 1967»، فـ«إسرائيل الكبرى 1967 – 2000». وهو ربما لا يكشف جديداً، إلا أن انتقاءه للمحطات ودقته في إيراد وجهات نظرٍ ووقائع من قلب تلك المحطات مثير للاهتمام. هو يقول مثلاً إن المجتمع اليهودي في الدّولة العثمانيّة كان يرى في المستوطنين اليهود الأوائل مجرد «طابور خامس» تحاول روسيا زرعه في قلب الشرق، وأن ثورة 1905 الروسيّة (الأولى) تسببت بهجرة واسعة نحو فلسطين ليهود متشبعين بتوجهات اشتراكيّة شكلوا في ما بعد نواة تجربة «الموشاف» التي كان لها دور محوري في تكوين العقل الإسرائيلي في جيله الأول. كما يجعل من إسرائيل مشروعاً مسيحياً غربياً قبل أن يكون مسألة يهوديّة بحكم التورط البريطاني المكثّف في تمكين الصهيونيّة، بدءاً من مؤامرة «الثورة» العربيّة الكبرى إلى ليلة إنهاء الانتداب على فلسطين صيف 1948. يرسم بابيه في قراءته التاريخية هذه إطارات أساسيّة كمدخل لتفكيك وضع إسرائيل القائم، وفي مقدّمها الطبيعة المغرقة في عنصريتها للنّظام الإشكنازي النزعة (المستند إلى يهود أوروبا) ضد المهاجرين اليهود المنحدرين من البلاد العربيّة (المزراحي) الذين أخضعوا بقسوة غير معهودة لإعادة تأهيل لإزالة ما علق بهم من «أدران» الثقافة العربيّة (المتخلفة). وهم بقوا ــــ مع استثناءات فردية بالطبع ــــ عبر المراحل المتعددة إلى اليوم خارج النخبة الإسرائيليّة الحاكمة وأشبه بطبقة عاملة في خدمة النظام. وأيضاً هناك هيمنة نواة صلبة من العسكريتاريا على الدّولة وخياراتها الاستراتيجيّة، التي نظمت في مراحل مختلفة سلسلة من الحروب والاعتداءات كانت الحاجة إليها داخليّة أكثر من كونها نتاج تهديد خارجياً حقيقياً (بما فيها غزو لبنان 1982 الذي كان ــــ وفق بابيه دائماً ــــ محضراً له بالكامل مع قوى اليمين المسيحيّ اللبنانيّة قبل المحاولة المزعومة لاغتيال السفير الإسرائيلي في لندن). ربما باستثناء حرب 1973 التي يشير بابيه إلى أنه خلالها أبقت تلك النواة الخيار النووي على الطاولة بعد تقدم السوريين والمصريين على الجبهات، ولولا التدخل الأميركي الحاسم الذي قلب الموازين لمصلحة إسرائيل والطموحات المحليّة المحدودة لنظام السّادات من المشاركة في تلك الحرب، لإنتهينا إلى أول كارثة نووية في الشرق الأوسط.
الجزء الأهم من الكتاب يبدأ بعد الممر التاريخي (الإجباري) ويقرأ تطور المجتمع الإسرائيلي من زوايا الاقتصاد السياسي (دولة اقتصاد مصطنع اعتمدت دائماً على الدعم الغربي، 3 مليارات دولار سنوياً من الولايات المتحدة وحدها، وانخراطها المعمّق في شبكة الرأسماليّة المعولمة وشبكات المتاجرة بالسلاح، وتقوم على أساس تفاوت متصاعد بين الطبقات)، والحياة الثقافية والاجتماعيّة (النخبة الإشكنازيّة تدير مزيجاً هجيناً من المرجعيات الثقافيّة العبريّة والغربيّة والروسيّة والعربيّة كثقافة إسرائيليّة موجهة بدقّة من الأعلى لهندسة البشر على تنوع مواقعهم في المجتمع، مع تحكم فولاذي بالصحافة والتعليم والأكاديميا والمسرح والسينما والوثائقيّات والتلفزيون، وتسامح استثنائي مع الثقافة الدينية اليهوديّة المتزمتة بوصفها المصدر النظري للفكرة الصهيونيّة كلها)، والعلاقات الدّولية (تحتفظ بعلاقات استثنائيّة مع الولايات المتحدة والغرب وكذلك مع الدول الكبرى المؤثرة من روسيا والصين إلى الهند ودول الكتلة الشرقيّة السابقة في أوروبا، وإن كانت تلك العلاقات ليست بذات القوّة مع شعوب تلك الدّول التي لم تعد تتقبل سياسات العنف والفصل العنصري التي مارستها إسرائيل بداية من حرب لبنان 1982 حتى العدوان الأخير على غزّة، مروراً بمحطات الإنتفاضات الفلسطينية 1987 و2000 في ظل تغيرات بنيوية في طرائق تلقي المعلومات في السنوات الأخيرة بفضل التطورات التكنولوجيّة والإنتشار المتشظي للإنترنت).
في المحصلة، يلحظ بابيه أنه بعد الربيع العربي المزعوم، فإن ما يقلق إسرائيل كثيراً هذه الأيّام ليس تهديدات عسكريّة مزعومة، سواء من إيران أو غيرها، بل التّدهور المتسارع للأسس القانونيّة والأخلاقيّة للكيان التي طالما ادعاها النظام الإسرائيلي عبر العقود. تدهور تشترك في التسبب به السياسات اليمينيّة المتطرفة ذات الصبغة الفاشستيّة الصريحة التي يغرق بها المجتمع الإسرائيلي منذ بعض الوقت، إلى جانب جهود المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي تقوم بها لجان أهليّة متطوعة، لكنها تحقق نجاحات استثنائيّة في عزل النظام الإسرائيلي عالمياً وفي مجالات عدّة. مع ذلك، هو لا يرى تغييراً سريعاً ممكناً في التفكير الاستراتيجي للقيادة الإسرائيليّة (الذي هو نتاج الأيديولوجية الصهيونية الكلاسيكيّة) بل عناداً وتزمتاً مستمرين منذ أكثر من مئة عام، ما سيجعلها تعيش دائماً في قلق مقيم على وجودها الذي يخضع بنيوياً لحسابات دوليّة معقدة لا أحد يملك يقينيّات مطلقة بشأنها.