هل البصر هو الحاسّة الوحيدة للتمتع بجمالية الأشياء، وماذا عن الحواس الأخرى وبخاصة حاسة اللمس؟ سؤال كنت أطرحه دوماً على نفسي من خلال تجربتي الطويلة مع النحت. ظلّ هذا السؤال بلا جواب إلى أن زرت «متحف أوميرو الوطني الحسي» في إيطاليا والتقيت رئيسه الكفيف ألدو غراسيني. بصبره وإصراره، تمكّن غراسيني من أن يؤكّد للعالم أن اللمس قادر على رؤية الأشياء والتمتع بالجمال. المتحف الذي افتتح في أوميرو الإيطاليّة عام 1993، يتيح للزائر ما تحظره معظم متاحف العالم: اللمس. يدعو القائمون على المكان زوّارهم إلى خوض تجربة جماليّة مختلفة مع العمل الفني، حيث لا يعود الأمر مقتصراً على البصر. إذ تشتمل مجموعته على منحوتات مستنسخة لأهم الأعمال الكلاسيكية، واليونانية والرومانيّة للعصور الوسطى والنهضة الإيطالية وصولاً إلى القرن التاسع عشر، بالاضافة إلى أقسام مخصّصة لعلم الآثار وللفنون المعاصرة المحليّة والعالميّة. في اللقاء مع ألدو غراسيني والاستماع إلى تجربته الحافلة بالعبر، عدنا بتوقيع اتفاق حصري بين المتحف الإيطالي وجمعية «ريد أوك». مشروع يفتح أبواب «الرجاء اللمس» أمام كل المكفوفين وضعيفي البصر لدخول المتاحف اللبنانية (الأخبار 4/7/2018). هنا مقابلة مع غراسيني حول فكرة المتحف الأولى ومراحل تنفيذه ورأيه في الجماليّة الكامنة في الحواس الأخرى:



كيف دفعكم فقدانكم للبصر إلى تأسيس «متحف أوميرو الوطني» الحسي؟ وماذا عن ولادة المتحف وتطوّره؟ وهل يأتي المتحف بفلسفة جديدة حول الفنّ، أو بنموذج مختلف؟ ما رأيكم بذلك؟
أنا وزوجتي ضريران ونعشق السفر. سافرنا كثيراً ولطالما وجدنا صعوبات في لمس القطع في المتاحف. بالنسبة إلينا، كان ذلك محزناً لأنّه إن عجز الضرير عن اللمس فهذا يعني أنّه عاجز عن رؤية الأشياء. كنّا قد سافرنا إلى ألمانيا وزرنا العديد من المتاحف، إنما كان يحظر علينا دوماً اللمس وبالتالي رؤية القطع على طريقتنا.

كيف ولد شغفكم بالفنّ في حين لم تتمكّنوا من تلمّس القطع وتالياً رؤيتها؟
أحياناً كنّا نقوم باللمس، وإن كان ذلك بدون إذن!

إذاً كنتم تنتهكون القانون!
أحياناً كنّا نضطر إلى التعارك مع حرّاس المتاحف. لذلك خطرت لنا فكرة عرض نسخ مُتقَنة عن الأعمال الفنية الكبيرة حتّى نقدّم للمكفوفين فرصة التعرّف إليها. ومن هنا وُلدت الفكرة. وبطبيعة الحال، تحقيقاً لهذه الغاية، تحلّينا بصبر كبير. فقد تطلّب منّا ذلك ثمانية أعوام لإقناع المدراء، وغيرها من الأمور.

ما كانت ردود فعلهم؟ وهل كان ذلك صعباً لأنّ الفكرة كانت جديدة؟ أو لأنّ المتحف الحسي يأتي بفلسفة جديدة حول الفنّ؟
ليست المسألة مسألة فلسفة جديدة، فنحن لم نفكّر من هذا المنطلق. بل استندنا إلى فكرة عدم وجود متحف حسي في العالم. وقد بدأ الخوف ينتاب المدراء لعدم وجود نماذج يمكن الاقتداء بها. كانت هذه مسألة تُخيف المدراء.

إذاً كانت هناك مقاومة لاستحداث هذا المتحف. كيف انتهى بهم الأمر إلى القبول؟ ما الذي ساهم في وضع حدّ لهذه المقاومة؟
تسنّى لنا في منطقة أنكونا أن نلتقي بمديرة كانت على اطّلاع معمّق بالمسألة ونجحت في توفير التمويل لنا. تبنّت المدينة المشروع. قدّمت إدارة أنكونا المجتمعية ومنطقة مارش لنا التمويل وهكذا بدأنا. كما اتّصلتُ بعضو في البرلمان الأنكوني وقدّم الأخير قانوناً إلى مجلس النواب للاعتراف بمتحف «أوميرو» كمتحف وطني. وقد تناقش المجلس في هذا الشأن في تشرين الثاني (نوفمبر) 1999. أنا تولّيتُ صياغة نصّ القانون وأدخل البرلمان عليه التعديلات اللازمة.

مجموعات المتحف تندرج ضمن إطار النحت الكلاسيكي، واليوناني، والروماني للعصور الوسطى وللنهضة الإيطالية وصولاً إلى القرن التاسع عشر


كيف يفهم غير المبصرين مفهوم الجمال؟
الجمال مفهوم يؤدّي إلى مجموعة من الأمور: متعة الحواس واللمس والنظر، إلخ. ولكنّ متعة الجمال مسألة فكرية. الظاهرة هي نفسها. والمتعة الجمالية هي متعة الاكتشاف. عندما أستعدّ لاكتشاف أمر ما، تتملّكني متعة فكرية. تتفاعل الحواس بعضها مع بعض، حيث النظر من أجل اللمس هو الخطوة الأولى، لكنّ تحسّس الجمال هو أمرٌ في عقل الإنسان. إذا كان الجمال مثلاً بالنسبة إليكم هو عبارة عن تناغم بشكل أساسي، فإنه قد يكون كذلك بالنسبة إليّ أيضاً. مفهوم الجمال لا يختلف. بل يكمن الاختلاف في الباب الذي يقودنا إلى ميدان الجمال. اللمس بالنسبة إليّ والنظر بالنسبة إليكم. وقد يكون للحواس الأخرى دورٌ في هذا المسار.

أوَلا يُظهر لنا اللمس شكل الأشياء عوضاً عن جمالها، لأنّ الشكل الجميل قد يترافق مع لون قبيح. هل يمكننا اكتشاف جمال الشيء من خلال شكله؟
الشكل هو أحد عناصر الجمال، ولكنّه ليس العنصر الوحيد. يمكن أن يتمتّع الشيء بشكل جميل، ولكن ما يثير حماستنا أنّ هذا الشكل يمكنه أن يخلق داخلنا شعوراً وأفكاراً وآراء وذكريات. تأمُّل الشكل هو الخطوة الأولى. لكن من خلال اللمس، يمكننا أن نفهم الشكل جيداً. الحاستان الوحيدتان اللتان يمكنهما إظهار الشكل هما النظر واللمس.

الجمال هو مسألة ذاتية. إذاً ما من نموذج للجمال؟ هل يمكننا التكلّم عن قدوةٍ في الجمال؟
بالنسبة إلى الضرير والمبصر ما من مثاليّة في أوقات تفاعل الحواس. فالحاسّة والشيء المحسوس يجعلاننا نعيش تجربة جمالية.

إذاً هو ذاتي؟
طبعاً.

ما أهمية التربية الجمالية بالنسبة إلى فاقد البصر؟
لسوء الحظّ، يتلقّى فاقدو البصر التربية الجمالية بصعوبة، لأنّ هذا المنحى يُفترض به عموماً الاستناد إلى صور مرئية. لا يسع المربّين تقديم صور مغايرة. لكنّ الصور ليست فقط مرئية، بل هناك صور حسية لمسية. الصورة هي ذاكرة حاسّة ما. بالنسبة إلى المبصرين، الصور هي مرئية، وبالنسبة إلى المكفوفين، الصور متنوّعة.

إذاً، يلعب المربّون دوراً هاماً؟
المربون الأوائل هم أفراد العائلة، الأهل. لا يسعهم عموماً إعطاء معايير لبناء التجربة الجمالية وخلق مثل عليا.

هل ساهم أهلكم في توفير هذه التربية الجمالية لكم؟
كلاّ كان أهلي جدّ بسطاء. لم يكونا متعلّمين بدرجة كبيرة. زرتُ الليسيه الكلاسيكية في إيطاليا ودرستُ تاريخ الفنّ في المدرسة. ولكنني درسته فقط في الكتب التي تظهر صوراً عنه ولم يكن باستطاعتي أن أبصر. كانت تنشئتي شفهية محض. يبدأ الاهتمام بالفنّ من هذه النقطة، من وعيي بأنّ التعليم الذي كنتُ أتلقّاه لم يكن ملموساً. أردت لمس الأشياء.

درستم تاريخ الفن والفلسفة وعلّمتم مادتي التاريخ والفلسفة خلال 37 عاماً. كيف تقيّمون هذه التجربة؟
درستُ تاريخ الفنّ في الليسيه وحزت شهادة دكتوراه في الفلسفة من الجامعة.

كيف يلتقي هذان الاختصاصان بالنسبة إليكم؟
تربط الفلسفة علاقة بكلّ جوانب الحياة، والجمالية فرع من الفلسفة.

ما موقفكم من الجدال الفلسفي بين العقلانية والنظرية التجريبية؟ هل برأيكم أنّ فقدان البصر يُدخل معادلة جديدة إلى هذا الجدال؟
بدأ هذا الجدال في القرن السابع عشر. ليس لديّ موقف إزاءه ولكنني تجريبيّ لأنني أعتقد أنّ التجربة تلعب دوراً مهمّاً للغاية. إذا ما أردنا أن نكون على الطريق الصحيح، نحتاج إلى الاختبار بالحواسّ، ولكن لدينا هيكلية عقلانية تخصّنا مبنية على القواعد. العقل والمنطق يعطياننا هيكلية نضع نتائج التجربة في إطارها. وبرأيي إنّ المنطق بدون تجربة هو غير مجدٍ، لكنّ التجربة بدون منطق لا يمكن أن تزوّدنا بالمعرفة.

ما الذي يعنيه لكم تعاون متحفكم مع جمعية Red Oak؟ ما الذي تتوقّعونه من هذا التعاون؟
هو تعاون مهمّ لأنّه يمكّننا من الانفتاح والتعرّف المتبادل إلى عالم هو بالنسبة إلينا بعيد جداً وقلّما نعرف عنه. نحن أيضاً من بلدان بحر الشرق الأوسط الذي أنتج حضارةً، لهذا تجمعنا الكثير من القواسم المشتركة مع بلدكم العربي، حيث ثقافتا العرب وأوروبا ليستا متباعدتين كما نميل غالباً إلى الاعتقاد. كانت للعرب إسهامات كبيرة خلال العصور الوسطى في ولادة ثقافتنا وحضارتنا. إذاً، بالنسبة إليّ، من المهمّ للغاية استرداد عناصر هذه المعادلة أو أوجه التشابه.

هل لديكم ما تقولونه عن مجموعات المتحف؟
مجموعات المتحف تندرج ضمن إطار النحت الكلاسيكي، واليوناني، والروماني للعصور الوسطى وللنهضة الإيطالية وصولاً إلى القرن التاسع عشر. إنها عبارةٌ عن منحوتات مستنسخة من أعمال نحت كبيرة خلال هذه الحقبة الطويلة. لدينا قسم آخر مخصّص للفنّ المعاصر العائد إلى فنّانين إيطاليين بشكل خاصّ، لكن لدينا بعض الأعمال لفنّانين أجانب أيضاً. في هذه الحالة، نتكلّم عن أعمال أصلية. كما لدينا قسم مخصّص للهندسة المعمارية ومعالم أثرية، مثلاً البانثيون في روما وبازيليك القديس بطرس في روما؛ وهذا القسم يضمّ إعادة صنع معالم بالغة الأهمية. في المتحف أيضاً، قسم مخصّص لعلم الآثار، ولكنّ الأعمال فيه غير معروضة حالياً لأنها في طور الترميم. كما أننا سنطلق قسماً جديداً للتصميم لعرض أعمال «صنعت في إيطاليا» تحديداً. وهذا يعني بالنسبة إلينا أمراً محدداً، ألا وهو أنّ هذه النتاجات قد قدّمت إيطاليا للعالم بأناقة أعمالها وجمالها، والهوية الجمالية الخاصة التي تضفيها على الإنتاج الصناعي.

متى فقدت بصرك؟
فقدت البصر عندما كنتُ في سنّ السادسة بسبب الحرب، بفعل قنبلة من بقايا الحرب كنتُ ألعب بها.

هل لديكم ما تقولونه عن هذه الحادثة وتأثيرها على طفولكتم؟ كيف اجتزتم هذه المحنة؟
في سنّ السادسة، لا يكون المرء واعياً كفاية. لا ندرك بوضوح ما معنى فقدان البصر. لا نفهم أنّنا سنعجز عن القيام ببعض الأمور. ولكنّ المشكلة تتفاقم مع الوقت. فعندما نصل إلى سنّ المراهقة تبدأ الصعوبات. في سنّ الـ 14 و15، يبدأ الطفل بالتوق إلى استقلالية كبيرة، وعندها نفهم بأنّ المسألة ليست سهلة. الاستقلالية وإمكانية التحرّك والخيار الشخصي... هنا المشكلة، وإنما أيضاً العلاقة مع الأشخاص الذين هم من عمرنا في هذه المرحلة التي نبدأ فيها بالخروج من المنزل ونفهم أنّ فقدان البصر عائق كبير في الحياة. ولكن علينا أن نتأقلم وننظّم حياتنا ونضعها على سكّة تُرشد خطانا، لا بل تمكّننا من السير سريعاً حتى.

هل طرأ أيّ حدث دفعكم إلى السير بسرعة؟
كلاّ. فهمتُ أنّه لكي أحذو حذو سائر البشر، علي أن أعمل جاهداً. ولكن يجب ألاّ أخشى العمل أكثر من غيري، لا بل يمكنني التوصّل إلى النتائج نفسها التي يحرزها الغير.

إذاً عملتم جاهدين للوصول إلى هذه المرحلة!
نعم عملتُ جاهداً. في الجامعة، لم أكن أتمتّع بالوسائل والمقدّرات المتاحة في أيامنا هذه. مثلاً، لم تكن هناك آلة لتسجيل الصوت. كنتُ أستخدم وسيلة البرايل ولكن لم تتوافر الكثير من الكتب بتقنية البرايل ولم يكن أساتذتي ضليعين بها.

هل لديكم منشورات حول الفن؟
كتبتُ الكثير من المقالات وكتاباً نشر منذ عامين بعنوان «من أجل جماليّة اللمس» ومقالات صغيرة في منشورات مختلفة. أصدرتُ للتوّ أيضاً كتاباً قمت بتأليفه مع أندريا سوكراتي وأناليزا ترازاتي بعنوان «الفن المعاصر واكتشاف قيم اللمس الحسي».