يوكل إلى معهد الدروس القضائية اختيار القضاة وتدريسهم وتأهيلهم وتدريبهم لدى المحاكم، إضافة إلى تأهيل المساعدين القضائيين والخبراء والكتّاب العدل ومراقبي الصلح الاحتياطي الذين يندرج عملهم في صلب العمل القضائي. ويُلاحظ ان لوزير العدل، بعد استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، صلاحية تحديد عدد القضاة المتدرّجين المنوي تعيينهم في المعهد. ولوزير العدل ان يطلب من المجلس تنظيم مباراة لهذه الغاية. وتنطبق هذه الأصول على مجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة، حيث يصدر الوزير قراراً لتنظيم المباراة.

لكن اللافت في نص المادة 68 من قانون القضاء العدلي هو انها تتيح تعيين قضاة متدرّجين دون مباراة من بين حملة دكتوراه دولة في الحقوق، وذلك بمرسوم بناءً على اقتراح وزير العدل وبعد موافقة مجلس القضاء الأعلى، حيث يخضع المرشح لمقابلة شفهية واحدة أمام المجلس يُقبل بنتيجتها قاضياً متدرجاً أو يُحال طلبه للمشاركة في الامتحان الخطي.
كما يمكن لوزير العدل، بناءً على اقتراح رئيس المعهد وبعد اختياره، أن يقرر جعل السنة الأخيرة لقاضٍ أو لثلاثة قضاة متدرّجين على الأكثر سنة تخصص في الخارج في إحدى المواد العلمية التي لا تُدرس في لبنان.

«السلطة» لا تعتكف ...
بالرغم من الدور الريادي لمعهد الدروس القضائية في إعداد وتمكين القضاة، إلا أن آلية الدعوة إلى الانتساب إلى المعهد التي يحددها الوزير، ولو بعد استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، تدفعنا للتطرق إلى موضوع استقلالية السلطة القضائية. ففي الوقت الذي كرّس الدستور اللبناني في المادة 20 منه أن القضاء سلطة، إلا أنه أحال تحديد هذه الاستقلالية على القانون، وبدلَ أن يؤكد قانون القضاء العدلي هذه الاستقلاليةَ ويحصّنها بحيث تتساوى السلطة القضائية مع السلطات الأخرى ولا سيّما التنفيذية، برعت السلطة التشريعية في تمكين السلطة التنفيذية ممثَّلة بوزير العدل بالتحكم بجزء واسع من أعمال السلطة القضائية، مخلّةً بمبدأ الفصل بين السلطات. ولعل اعتكاف القضاة عن العمل عند كل أزمة عزّز فكرة تخلي القضاء عن سلطته على اعتبار أن السلطة لا تعتكف عن عملها. ومن هنا ضرورة العودة عن قرار الاعتكاف، مع التسليم بأحقّية المطالب، لأن السلطة التي تصدر أحكامها باسم الشعب لا يجوز أن تعتكف عن البتّ في النزاعات، بل يفترض أن تكون السبّاقة في استرداد حقوق الناس التي أهدرها الفساد السياسي، المالي والإداري.

أهمية دور المعهد
يفصل القاضي النزاعات وفق أحكام القانون، ولأن القوانين الصادرة عن المشترع لا يمكن فهمها بالعودةِ إلى النصوصِ القانونيَّةِ والمراسيم التنفيذية فقط، لا بد من العودة إلى الاجتهاد القضائي، المصدر التطبيقيّ الأول للقاعدة القانونيَّة، من دون أن نغفل دور الفقه. غير أن تطبيق القاضي للقوانين يكسبها قوتها ويقرنها بإلزامية التنفيذ، وإلا أصبح القانون بذاته كلاماً لا فائدة فيه ولا قيمة له.
يكتسب القضاة كفاءاتهم القانونية والعملية في معهد الدروس القضائية. هو أقدم مرفق تدريب قضائي في المنطقة العربية. اذ أنشئ المعهد في عهد فؤاد شهاب، بموجب قانون التنظيم القضائي الصادر بالمرسوم الرقم 7855 تاريخ 1961/10/16، وتم طلب الدفعة الأولى من القضاة المتدرّجين في أيلول من عام 1962، وبوشرت دورات الإعداد في المعهد بتاريخ 23\03\1963، ليكون بذلك المعهد أقدم مؤسسة لإعداد القضاة في الوطن العربي. وقد ساهم في إعداد عدد من القضاة العرب الذين برعوا في بلادهم بفضل ما نهلوا من علومه.
إضافة إلى المواد العلمية التي تُدرس في معهد الدروس القضائية، يتعين على القاضي المتدرّج تقديم الدراسات والأبحاث المشاركة بالندوات وورش العمل وزيارة المؤسسات العقابية والإصلاحية ومراكز توقيف الأحداث والاطّلاع على أنظمتها ودرس نشاطاتها، ومنها التطبيقات الجنائية.
كذلك زيارة الإدارات العامة والمؤسسات الاقتصادية والمالية بغية الاطّلاع على نظامها وإدارتها ونشاطاتها.
ثم المشاركة بالندوات والمؤتمرات المعلَن عنها من قبل إدارة المعهد والتدرج في المحاكم ولدى غرف مجلس الشورى وديوان المحاسبة.
ويلاحظ مدى تطور المنهاج العلمي المتَّبع في المعهد والذي يقدمه نخبة من أهل العلم القانوني ولا ينتهي دور المعهد بتخرج القضاة، بل يهدف المعهد أساساً إلى تقديم دورات التأهيل والتمكين المستمر لكل الأشخاص العاملين في الجسم القضائي.
انتهج المعهد سياسة الانفتاح على المؤسسات القضائية في الخارج لتبادل الخبرات والوفود، فارتبط باتفاق تعاون مع المعهد الوطني للقضاة في فرنسا والمدرسة الوطنية لإدارة السجون فيها، واتفاقية عمان للتعاون العلمي بين المعاهد القضائية العربية وغيرها.
ويضم معهد الدروس القضائية 3 أقسام:
- قسم القضاء العدلي وقسم القضاء الإداري وقسم القضاء المالي.
مدة الدراسة في المعهد ثلاث سنوات، يتلقّى خلالها القاضي المتدرّج المواد الأساسية الضرورية لممارسة القضاء، وهذه المواد لا تُدرس بصورة أساسية أو معمّقة في الجامعات. وترتبط بالعمل القضائي كالأدلة الجنائية والطب الشرعي وتمثل المدخل لمباشرة القاضي المتدرّج دراسته في المعهد.

الإصلاح والتخصّص القضائي
إن تعزيز قدرات معهد الدروس القضائية واستقلاليته واستدامته للمساهمة في ضمان مستوى عالٍ من الأداء القضائي ضرورة ملحّة، خاصة في ظل التطور الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي المتسارع من خلال تأمين تدريب بالغ التخصص للقضاة. وربما نجد المعهد مستقبلاً يقوم بإعداد قاض متخصّص في المجالات التي تقتضيها الحاجة، علماً أن بعض الدول بدأت سنّ تشريعات وإنشاء محاكم من قضاة مُتخصّصين رغبةً في تسهيل إجراءات ومَهام المُستثمرين في القضايا المالية، والتجارية، والاقتصادية، باعتبارها ضرورة مُلحة. هذه الضرورة تُستَمد من الضرورات العلمية والعملية للتخصّص القضائي، وتكمن أهمية هذا الطرح من وجهة نظر أصحابه في تحقيق ما يلي:
• الفصل السريع في الدعاوى المنظورة، مع تحقيق العدالة الناجزة، والتغلب على مُشكلة البطء في إجراءات التقاضي.
• تأهيل القضاة وتزويدهم بالمعرفة والمهارات المُتطورة لضمان أداء قضائي سريع، وإصدار أحكام قضائية سليمة ومُتناسقة، ما يُحقق عدالة أكبر للمُتخاصمين.
• تخصّص القاضي يجعله أكثر تمكناً من صياغة أسباب حُكمه بكل إيجاز وسُهولة ويُسر.
• تقليص التكلفة الإجمالية، وذلك بسبب خبرة القضاة الموضوعية، ما يعود بالنفع على تكاليف القضاء والدعاوى في آن.

* (ألف باء القانون، القوس)