قبل أسبوعين من موعد الانتخابات النيابية، تظهر جملة عوامل أمنية وسياسية تضع الانتخابات أمام تحديات، بعضها قديم ومعتاد وبعضها جديد، وتدخل في إطار الكباش المعتاد. لكنها تصبح أكثر أذى حين تكون الساحة السياسية والأمنية هشة إلى هذا الحد.أمنياً، لا يمكن النظر إلى حادثة غرق الزورق في بحر طرابلس من الزاوية الإنسانية فحسب، ولا إلى ما رافقها من حملة سياسية ذات طابع سياسي - رئاسي استهدفت الجيش. بل إن ثمة جانباً أمنياً بحتاً للحادثة يتعلق بالانتخابات، وسط أسئلة حول قدرة الجيش، الذي كان يستعد لمواكبة العملية الانتخابية بخطة أمنية واسعة، على حفظ أمن الانتخابات في طرابلس إذا ظل الجو مشحوناً إلى هذا الحد، خصوصاً في ظل الصعوبة التقنية للعثور على المفقودين. لم يهتزّ الأمن تحت وطأة عملية أمنية أو إرهابية، لكن وقائع ما جرى جعلت أمن المدينة يترنح بقوة، ويرسم مخاوف على الانتخابات في دائرة تنصبّ العيون عليها لحساسيتها إزاء الخلافات بين أفرقاء المعارضة وبين حلفاء 8 آذار وخصومهم. وكيف يمكن تبعاً لذلك حفظ الأمن عند أي إشكال متوقع، ما لم تكن المظلة السياسية قوية إلى الحد الذي تسمح للجيش بالتحرك بحرية من دون ضوابط. واستطراداً، في ما يتعلق بأمن الانتخابات «السياسي»، إلى أي حدّ يمكن الكلام عن تمنع كافة الأجهزة الأمنية، لا سيما في دوائر معينة معروف انتماء ضباط فيها، عن التدخل في العملية الانتخابية. والعادة في لبنان، رغم نفي الأجهزة المتكرر، أن يكون لضباط محسوبين على أطراف سياسيين فاعلين تأثير في الانتخابات.
انتخابياً، ثمة تطور يتعلق بالنزعة، لا سيما لدى بعض أحزاب الموالاة والمروجين لها، للتأكيد أن المقاعد النيابية أصبحت شبه محسومة. هذا الكلام انطلق في مرحلة التحضير للانتخابات، أولاً من جانب قوى معارضة اعتبرت ولا تزال أن الانتخابات لن تغير في المشهد السياسي شيئاً. لكن كلامها لم يكن متعلقاً بعدد المقاعد، بل كان مرتبطاً بدور حزب الله في المعادلة السياسية قبل الانتخابات وبعدها، وعلاقته بميزان القوى المحلية والإقليمية، ومدى تأثيره لاحقاً في استثمار نتائج الانتخابات سياسياً. لكن ظهرت في الأيام الأخيرة مؤشرات حملات مركزة سياسية وانتخابية حول حسم هوية المقاعد سلفاً في دوائر لا تفرز عادة نوابها إلا في اللحظات الأخيرة، فكيف الحال اليوم وسط حماوة انتخابية أكثر حدة من دورتي 2005 و2009. ويأخذ هذا الكلام منحى مختلفاً، لأنه يحاول التأثير في الرأي العام والقواعد الانتخابية، الأمر الذي يجعل الناخبين يمتنعون عن الاقتراع تلقائياً ما دامت النتائج محسومة سلفاً. وقياساً إلى تجارب نسبة الامتناع عن الانتخابات سابقاً، ورهان المعارضة على الشريحة التي تمتنع حتى اللحظات الأخيرة من الاقتراع، لتجييشها، فإن خشيتها تكمن في ارتفاع الترويج للغة سياسية وإعلامية في تفنيد المقاعد القليلة المتبقية للتنافس حولها. وهذا الأمر يكاد يصبح سمة عامة في رسم خريطة المجلس من الآن، والرهان المسبق على تقدم الموالاة في أكثرية الدوائر التي تخوض فيها الانتخابات، بنسب كبيرة تجعل من المستحيل تحقيق خرق فيها.
ترويج النتائج مسبقاً يهدف إلى جعل الناخبين يمتنعون عن الاقتراع تلقائياً ما دامت النتائج معروفة


أما المشهد الأخير فيتمثل باللغة غير المسبوقة في الكلام الانتخابي واستخدام تعابير وشحن طائفي ومذهبي وسياسي متفلت من كل الضوابط الأخلاقية والسياسية. المشكلة أن هذا الكلام لا يتعلق فقط بمعارضة وموالاة وإن كان هو الأبرز. لكن حملات التخوين والتشكيك تطاول حلفاء من ضمن الصف الواحد، عدا عن تلك التي تطاول المنشقين عن الأحزاب، بعدما كانوا لسنوات رفقاء الدرب الواحد، كما يحصل مع الخارجين من صفوف تكتل لبنان القوي أو تيار المستقبل أو المنشقين عن مجموعات من الثورة لصالح مجموعات أخرى رديفة. يعكس هذا الواقع جوانب شخصانية في تعامل الأحزاب مع المحيطين بها، أكثر منها جوانب سياسية تتعلق بالرؤية والنظرة إلى إدارة الملفات. لكن في الحالتين، فإن اللغة التي تستخدم اليوم، تماماً كما مشاهد العنف الجسدي بتبريرات مختلفة، لم يعد يمكن ضبطها وسط حالات التفلت الأمني في مناطق عدة وحالات الخطف الرائجة. مع فارق أن الأحزاب السياسية هي المسؤولة في الشق الأول في حين أن العصابات المسلحة هي المعنية في الشق الثاني. لكن هذه الأحزاب نفسها التي ترفع وتيرة ترويجها في الفترة الأخيرة، ستكون على موعد مع مرحلة الاستحقاقات المقبلة، فكيف يمكن أن تسحب فتيل أي مواجهات بعد الانتخابات في موازاة استمرار للانهيار الاقتصادي والاجتماعي لن تُكتب له حلول سحرية. وتبعاً لذلك، كيف يمكن تصور مشهد الأشهر الخمسة الفاصلة عن نهاية العهد، وعن مواكبة المجلس النيابي لكل ما هو مؤجل الآن، إلى ما بعد 15 أيار، في حال استمرت حال التشنج إياها من دون أي ضوابط.