خاص | في الثامن من الشهر الجاري، استهجن الناطق باسم حركة «حماس» حازم قاسم، في تصريح لقناة «الميادين»، «تصريحات السفارة التركية لدى الكيان الصهيوني وموقف الخارجية البحرينية باستنكار العملية الفدائية في تل أبيب»، مؤكداً أن «مقاومة الشعب الفلسطيني هي من أجل الدفاع عن النفس والمقدّسات، وهي حق مكفول في كل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية».

جاء موقف قاسم بعد إصدار السفارة التركية في كيان العدو بياناً دان «الهجوم الإرهابي في تل أبيب»، وعبّر عن «القلق لازدياد عدد الحوادث في الآونة الأخيرة»، معزّياً «إسرائيل وعائلات الضحايا».
كان يمكن المرور بشكل عادي على البيان التركي وموقف الناطق باسم حماس. لكن واقع الحال، يشير إلى أن الموقفين عبّرا، في لحظة خاصة، عن توتر كبير في العلاقة بين الطرفين، انعكس تبايناً في صفوف الحركة نفسها إزاء كيفية التعامل مع السياسات التركية التي اتخذت شكلاً جديداً في محاباة العدو، شمل بث الحرارة في العلاقات الثنائية وحصول زيارات إسرائيلية رفيعة المستوى لأنقرة.
أما ما لم يظهر إلى العلن فتمثّل في ضغوط بدأت أنقرة ممارستها على قيادة حماس، عبر عدم السماح لعدد من كوادرها بالعودة إلى تركيا بعد سفرهم في مهام تنظيمية، والامتناع عن منح تأشيرات لكوادر آخرين لعقد اجتماعات مع قيادة الحركة في إسطنبول. واستدعى ذلك عقد اجتماع بين وفد من الحركة والسلطات التركية، في شباط الماضي، سمع خلاله موفدو حماس كلاماً واضحاً حول تغييرات بسبب ضغوط كبيرة تتعرض لها أنقرة في المجال الاقتصادي، وتفرض عليها إدخال تعديلات على آلية بناء علاقاتها الدولية والإقليمية الأمر الذي قد يؤثر في طريقة وجود الحركة في تركيا.

الشروط التركية
وبحسب مصدر مطلع، فإن الجانب التركي لم يتحدث عن تغييرات جوهرية يطلب بموجبها من قيادة الحركة مغادرة تركيا، بل عاد إلى ما سماه «الاتفاق» الذي استقبلت أنقرة بموجبه قيادة الحركة بعدما تركت دمشق وقررت عدم البقاء كل الوقت في الدوحة. وهو اتفاق، بحسب المصدر، كان يلزم الحركة عدم القيام بأي نشاط سياسي يهدد استقرار تركيا، وبأي نوع من الأعمال الأمنية والعسكرية داخل تركيا أو انطلاقاً من أراضيها. كما أن الجانب التركي الذي «غض الطرف» كثيراً عن بعض «الأنشطة الموازية»، تحدث عن «معطيات وصلته من أجهزة أمنية عالمية، من بينها إسرائيل، تتحدث عن نشاط عسكري لعناصر من حركة حماس في تركيا». وأرفق الأتراك كلامهم بقرار تنفيذي مُنع بموجبه «دخول الأشخاص الذي لهم علاقة بالعمل العسكري إلى الأراضي التركية، وهو أمر جرى تثبيته برغم اعتراض الحركة على منع دخول أفراد من الحركة إلى المطارات التركية منذ بداية العام، ورد الأتراك بأن هؤلاء لهم علاقة بالعمل العسكري وهو أمر غير مقبول على الأراضي التركية».
لكن الجانب التركي أكّد أنه لن يمارس أي نوع من الضغوط على الحركة في المجالات التي تتعلّق بأنشطتها التجارية والاقتصادية والمالية، ولن يتم تجميد أي استثمارات للحركة في الأراضي التركية، أو ترحيل أشخاص لا علاقة لهم بالعمل العسكري.
الموقف التركي نُقل إلى المستويات القيادية المعنية في المكتب السياسي المركزي وفي قيادتي الحركة في الخارج (برئاسة خالد مشعل) وغزة (برئاسة يحيى السنوار) وإلى قيادة كتائب القسّام. وقد تولى رئيس الحركة إسماعيل هنية ونائبه الشيخ صالح العاروري إدارة نقاش حول الأمر داخل الحركة ومع حلفاء لها في المنطقة.

تباين بين قيادتي الداخل والخارج حول الموقف من التطبيع التركي - إسرائيلي


اللافت في النقاش أن موقف الحركة من داخل غزة (إقليم القطاع وكتائب القسام) كان حاسماً باتخاذ موقف علني يستنكر التطبيع بين السلطات التركية وقيادة العدو، وأن الحركة لا يمكنها في وقت تخوض معركة واضحة ضد كل المطبّعين العرب أن تقف صامتة إزاء ما تقوم به تركيا. وأُرفق موقف هذا الفريق بتصورات لتموضع جديد على المستوى اللوجستي من دون الدعوة إلى مقاطعة شاملة لتركيا. لكن هذا الموقف لم يجد ما يطابقه في الخارج. إذ إن قيادة المكتب السياسي لإقليم الخارج بقيادة مشعل دعت إلى التصرف بهدوء وعدم الانجرار إلى مشكلة مع أنقرة وإلى «تفهم الموقف التركي الحالي ضمن هدف استمرار رجب طيب إردوغان في قيادة تركيا، لأن خسارته الانتخابات عام 2023 قد تنعكس وضعاً أسوأ للحركة. وعليه، يجب عدم انتقاد إردوغان والسياسة التركية علناً والدخول في عداء مع الأتراك».
وبحسب مصدر معني، فإن هنية والعاروري (الذي يشغل منصب رئيس إقليم الضفة الغربية) عملا على موقف يستهدف تجسير الهوة بين غزة والخارج، من خلال الدعوة إلى عدم الدخول في سجال علني مع تركيا يفيد أعداء المقاومة، وأن يتم، في المقابل، إرسال رسالة إلى الرئيس التركي تشرح موقف الحركة الرافض للتطبيع لأنه يضر بالقضية الفلسطينية، ويدخل إردوغان في تناقضات بين خطاب الماضي والحاضر.

تباين بين الداخل والخارج
على أن «الحدث التركي» المستجد مع حركة حماس، قد لا يكون منفصلاً بصورة تامة عن مشكلة تركيا في التعامل مع كل أطراف الإخوان المسلمين العرب. ففي كل مرة تتقدم تركيا خطوة نحو تطبيع علاقاتها مع مصر والإمارات، وحتى مع أميركا وإسرائيل، تجد نفسها مضطرة لخطوات تنتهي بمزيد من التضييق على قيادات الإخوان التي فرت من عدة دول ولجأت إليها. ويأخذ الأمر أبعاداً أخرى عندما يتعلق بحركة حماس كونها قوة مقاومة تفرض نفسها على كل الأطراف بما في ذلك من لديهم مشكلة مع قوى الإخوان المسلمين في العالم العربي.
وخصوصية الحركة، كقوة مقاومة، فرضت مقاربة مختلفة من جانبها للموقف التركي من التطبيع مع قيادة العدو. لكن، كما في ملفات كثيرة، يبدو أن التباين لا يزال موجوداً في قيادة الحركة حول أمور كثيرة أبرزها التموضع الضروري ربطاً بخيار حماية المقاومة وتعزيزها.
ويمكن القول صراحة إن قيادة الحركة في قطاع غزة، بجناحيها السياسي والعسكري، نظرت إلى التطبيع التركي مع العدو على أنه خطوة معيبة لا تختلف عما قامت به دول عربية. ولفت أصحاب هذا الرأي إلى أن المشكلة تكبر عندما يجري التعرض لبرامج تتعلق بالدعم العسكري لـ«كتائب القسام»، خصوصاً أن الحركة تعرف وتصرّح بأنه لا من دولة غير إيران كدولة ولا جهة غير حزب الله تقدم الدعم المباشر والعلني للجناح العسكري للحركة، فيما بقية الدول تخشى الاقتراب من هذا المربع، بل تسعى دائماً إلى الابتعاد عنه كما هي الحال مع قطر وتركيا. وقد بدت قيادة غزة غاضبة إزاء القرار التركي السلبي تجاه كوادر الجناح العسكري الذين باتوا ممنوعين من التواجد أو المرور عبر الأراضي التركية. كما تخشى قيادة غزة من أن تتحول الضغوط نحو وجهة جديدة تصبح فيها تركيا طرفاً ضاغطاً على الحركة في أي مفاوضات حول الواقع الصدامي مع قوات الاحتلال.
في الخارج، يقود الفريق الآخر بقيادة مشعل حملة هدفها تبرير التموضع إلى جانب تركيا وقطر، لكن هذا الجناح لا يملك ضمانات بعد حصول مزيد من الخطوات السلبية تجاه كوادر تفترض السلطات التركية أنهم يعملون لصالح الجناح العسكري. ويركز فريق مشعل على ضرورة حفظ الساحة التركية لأن تركها يعني الذهاب إلى بيروت أو طهران، وهو يخشى أن يكون الحديث عن الخروج من أنقرة أو تقليص التواجد فيها مقدمة لقرار بالعودة إلى سوريا. علماً أن الموضوع ليس مطروحاً على طاولة النقاش بعد، لا في دمشق نفسها ولا في حماس ولا حتى عند الوسطاء الأساسيين، أي إيران وحزب الله.

رأي ثالث يدعو إلى الواقعية
على أن هناك رأياً ثالثاً لا يمكن القول إنه يمثل اتجاهاً واضحاً في الحركة، لكنه يعكس مزاجاً معيناً وسط الإسلاميين القريبين من حماس. وهؤلاء يتحدثون عن أن تركيا تمر بأزمة اقتصادية كبيرة وأن التطبيع مع إسرائيل يوفر منافع لتركيا من بينها تولي إسرائيل مهمة إقناع الولايات المتحدة برفع بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على أنقرة والتي أنهكت الليرة التركية. كما يمكن أن تلعب إسرائيل دوراً مع اليونان وقبرص لإعطاء تركيا حصتها من الغاز المكتشف في حوض المتوسط وإشراكها في اتفاقية خط الأنابيب «إيست-ميد»، إضافة إلى إمكانية قيام إسرائيل بلعب دور إيجابي في إقناع الدول الخليجية بالاستثمار في تركيا.
وقد عبر أصحاب هذا الرأي عن اعتقادهم بأن على حماس المبادرة إلى التواصل مع القيادة التركية لمعرفة خلفية وأبعاد العلاقة الجديدة مع إسرائيل، وتبيان ما إذا كانت عبارة عن مناورة سياسية لها ضوابط، أم تعكس مساراً استراتيجياً جديداً ستكون له تبعات على القضية الفلسطينية وعلى وجود حماس في تركيا. وفي الوقت نفسه إرسال إدانة سياسية بلغة قوية للرئاسة التركية، مع التفكير في ثمن هذه الخطوة الواجب تقديمها للحركة.