لم يكُن أيٌّ من رُكّاب مركب «يا هلا» يعلم أنّ مصير العشرات منهم سينتهي في قاع البحر. لم يكونوا يعلمون أنّ هذه الرحلة التي أعدّوا لها العدة لتنطلق ليل السبت 23 نيسان ستتحوّل إلى كارثة ويتحوّل المركب الذي استقلوه ليهربوا به من جحيم لبنان، إلى تابوتٍ سيحتجز أبناءهم وزوجاتهم ليسحبهم معه إلى قعر البحر. هؤلاء اليائسون الباحثون عن فرصة حياة لم يروا سوى الأمل في «مركب النجاة» هذا. باع معظمهم كلّ ما يملك ليحجز مكاناً له على مركب النجاة من بلادهم التي تعجّ بالأزمات.


روايات الناجين
يروي طفلٌ صغير لعدسة الكاميرا ما حصل. «الجيش فاتوا فينا خبطونا. إمي عبطت إختي وقالت باسم الله ونزلت بالمي وما عاد طُلعت». يقولها بعجز ويُضيف «إمي حبلى ضلّت تحت وما طلعت. إمي وأبي ضلّوا تحت. إختي عمرها سنة ونص فاشت... ماتت بتحرق القلب. وإختي الثانية عمرها 14 سنة ضاعت ما لقيناها... ما في إلا أنا وإختي بقينا». الطفل الذي نجا من الموت بأعجوبة، شهِد على كارثة موت معظم أفراد عائلته أمام عينيه. يروي الناجي الصغير على طريقته ما حصل، لكن الخوف ومشاهد الموت بقيت تسكن عينيه. لم يكن هذا الطفل وحده من روى ما حصل. ناجٍ آخر انتُشل من الماء يستند إلى كتف أحد العسكريين ليجيب على سؤال أحد الصحافيين عما حصل فيقول: «الطرّاد فات فينا مرتين... كسر اليخت فينا ليغرقنا... وصار يقلّنا بدي قبّركن». هذه العبارات تلفّظ بها هذا الخارج من الموت من دون تردّد أمام عدسات الكاميرا. ناجٍ ثالث خسر زوجته وأولاده يتحدث كيف صدم الطرّاد العسكري قاربهم الصغير مرتين. يروي الرجل أمام الكاميرا مناشدته للعسكريين على الطرّاد بأنّ معهم أطفالاً، لكنّ ذلك لم يردعهم من كسر المركب. شاهدٌ رابع يتحدث عن اعتراض الطرّاد العسكري ودورانه حولهم لإدخال الماء إلى مركبهم قبل الاصطدام بهم. هذه الرواية أجمع عليها معظم الناجين الخارجين من الموت. ناجٍ وحيد خرج معتمراً طاقية سوداء أخبر مراسل إحدى القنوات أنّ مركبهم اصطدم بمركب الجيش. كانت هذه الشهادة الوحيدة التي جاءت مختلفة عن إفادة جميع الناجين الآخرين.

توضيح الجيش
رغم إفادات الشهود الناجين، أعلن الجيش في أول بيان له عن تعرّض المركب للغرق نتيجة تسرّب المياه إليه وبسبب حمولته الزائدة من دون أن يذكر أي سبب آخر. غير أنّ إفادات الشهود الناجين من الكارثة على وسائل التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية جاءت لتُكذّب بيان الجيش ما اضطر قيادته إلى الدعوة إلى مؤتمر صحافي للتوضيح. لا سيما بعدما حمّل الناجون القوات البحرية وقائد الجيش المسؤولية حيث كان هناك شبه إجماع منهم على الرواية نفسها. وخلال المؤتمر الصحافي الذي تحدّث فيه العقيد الركن هيثم ضنّاوي نفى أن يكون الطرّاد العسكري قد صدم مركب المهاجرين، قائلاً إنّ «مركب المهاجرين هو من اصطدم بالمركب العسكري». وذكر العقيد أنّ المركب غرق «بسبب الحمولة عليه التي لم تسمح له أن يبتعد من الشاطئ»، مشيراً إلى أنّ «الخافرة العسكرية وطاقمها حاولا إقناع قائد المركب بالعودة، لكنه أخذ قراره بتنفيذ مناورات للهرب ما أدى إلى ارتطامه بالطراد العسكري ليغرق المركب بأقل من خمس ثوان». لقد تحدث العقيد الركن عن مركب متهالك يعود تاريخ صنعه إلى العام 1974 وحمولة زائدة، لكنه في الوقت نفسه لم يُفسّر كيف يمكن لمركب متهالك أن يتمكن من تنفيذ مناورة ليصطدم بالطرّاد العسكري السريع! لقد عرض العقيد صوراً تُظهر ضربتين في الطراد العسكري، لكنه لم يعرض صوراً وفيديو يُفترض أن تكون موجودة لتكشف ما حصل. في هذه الأيام، أصغر دكانة سمانة لديها كاميرا للمراقبة، فهل يُعقل أن لا يكون الطراد العسكري مزوّداً بكاميرا سجّلت ما حصل. لقد حذّر قائد القوات البحرية من استغلال الحادثة سياسياً، لكنه لم يلتفت إلى أنّ من اتهم الجيش هم عشرات الناجين وليس السياسيون. ورغم أنّه أعلن عن فتح تحقيق شفّاف لتحمّل المسؤولية، ختم مؤتمره الصحافي بالقول: «أؤكد أنه لم يحصل أي خطأ تقني» أي إنه أنهى التحقيق بنفسه.

يُفترض تشكيل لجنة تحقيق قضائية بمشاركة مدعي عام التمييز شخصياً


ليست المرة الأولى التي يُعلَن فيها عن غرق مركب يُقِلُّ مهاجرين غير شرعيين انطلق من سواحل لبنان باتجاه قبرص وأوروبا، لكنها المرة الأولى التي يخرج فيها الناجون ليوجه غالبيتهم أصابع الاتهام إلى طرّاد الجيش العسكري. البحث في أرشيف مقابلات الناجين من حوادث سابقة يُبيّن أنّها ليست المرة الأولى التي يجري التعامل مع قوارب المهاجرين غير الشرعيين بهذه الطريقة. ففي آخر حادثة غرق مركب على سواحل طرابلس في شهر تشرين الثاني العام الماضي، يروي الناجون أنّ مركباً من بحرية الجيش اعترضهم يومها ليدور حول مركبهم بطريقة يُدخل الماء إليه ليُجبرهم على التوقف.

مكافحة الهجرة
ما حصل يُعيد إلى الذاكرة جولات قام بها قائد الجيش جوزيف عون، آخرها كان إلى قبرص في إطار مكافحة الهجرة غير الشرعية. لا سيما أنّ وزارة الداخلية القبرصية سبق أن أعلنت أنّه منذ أغلق طريق البلقان الذي كان يسلكه المهاجرون من تركيا إلى وسط أوروبا عام 2015، ارتفعت طلبات اللجوء في قبرص من نحو 2250 طلباً إلى نحو 14 ألف طلب عام 2019. وطالما أنّ لبنان هو البلد الأقرب إلى قبرص مع ما يُعانيه من أزمات، فإنّ هذه الجزيرة ستكون حتماً قبلة الهاربين من جحيم الانهيار الاقتصادي فيه. غير أنّ الجريمة التي ارتُكِبت لم تكن في إطار حماية لبنان، إنما في إطار حماية الأوروبيين الذين يستشرسون في التعامل مع هذه الظاهرة في محاولة لوقف الهجرة غير الشرعية. إذ إنّ حق اللجوء مكرّس في شرعة حقوق الإنسان، لا سيما في بلاد باتت تفتقر لأدنى مقومات الحياة بالنسبة لأهلها.
لا يتهم أحد أي من ضباط بحرية الجيش بارتكابه جريمة قتل ركاب المركب عمداً، إنما أرتكب هذا الضابط خطأ قاتلاً بحيث قرر اعتراض المركب بهذه الطريقة القاسية مخاطراً بحياة ركابه من دون أن يعبأ بما قد يترتب على ذلك من موتهم غرقاً.
وسواء ارتطم مركب الركاب عن طريق الخطأ بطرّاد الجيش أم أنّ الجيش صدّ مركب الهاربين عمداً، فإنّ ذلك لا يُعفي الجيش من المسؤولية. إذ إنّ واجبه كان يُحتّم عليه أن يُحافظ على مسافة آمنة مع مركب المهاجرين كي لا تقع الكارثة. كما أنها ليست المرة الأولى التي يُغادر فيها مركب مهاجرين بهذه الطريقة حيث يعمد الجيش إلى محاولة توقيفه ثم إطلاق طلقات نارية تحذيرية قبل أن يُترك فور وصوله إلى المياه الإقليمية. المطلوب اليوم إجراء تحقيق لتحديد المسؤوليات. لا يُمكن للنيابة العامة العسكرية أو الشرطة العسكرية أو استخبارات الجيش تولّي التحقيق في حادثة يُعتبر الجيش المتهم الأول فيها. لذا يُفترض تشكيل لجنة تحقيق قضائية بمشاركة مدعي عام التمييز شخصياً على أن يتولى مهام الضابطة العدلية جهازٌ أمني محايد.

وصول مركب إلى قبرص
تجدر الإشارة إلى أنّه بالتزامن مع كارثة غرق المركب، انطلق مركب آخر اسمه إيمان يُقلّ نحو 75 مهاجراً غير شرعي. وكان قبطان هذا المركب قد أخذ إذناً من غرفة العمليات البحرية للانتقال من جونية إلى طرابلس، لكنه غادر جونية ليصل إلى مرفأ ضبية حيث حمّل الركاب ليغادر المياه الإقليمية. وقد حاول طرّاد الجيش اللحاق به، لكنه لم يتمكن ليصل الأخير إلى المياه الإقليمية. وقد تناقلت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي وصول القارب بسلام إلى جزيرة قبرص.