لم يحتضن لبنان يوماً مُسنّيه، وزادت الأزمة الاقتصادية تهميش هذه الفئة التي «تشكل 14% من مكوّنه الاجتماعي»، حتى شعر كبار السن بأنهم عالة على ذويهم في السكن والطبابة ولقمة العيش، وأنه لا حلّ لمأساتهم إلا الدعاء بأن «يقصّر الله أعمارهم». من هنا ظهرت مبادرات لمنظمات غير حكومية لتمكين كبار السن ورعايتهم مثل مبادرة مؤسسة عامل الدولية التي تستهدف حماية أمنهم الغذائي من خلال تقديم وجبات غذائية يومياً لـ140 مسناً.

تأتي هذه المبادرة في إطار «برنامجنا الإنساني الذي أطلقناه في أواخر عام 2019 استجابة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ولمساعدة أكثر من 2.5 مليون إنسان يعيشون فقراً مدقعاً في الحصول على أربعة أركان أساسية لصمودهم: الحق في الصحة والأمن الغذائي والتعليم وتوليد الدخل»، بحسب «عامل». وتستهدف هذه المبادرة كبار السن لأنهم «يعانون الإقصاء والتهميش ويواجهون الخطر على حياتهم بفعل تزايد احتياجاتهم الأساسية جراء الانهيار الاقتصادي».
يستفيد من مبادرة الأمن الغذائي التي تستمر حتى تشرين الثاني من العام الجاري 140 مسناً يعيشون تحت خط الفقر ضمن نطاق منطقة الشياح - عين الرمانة، لدى بعضهم إعاقات أو يفتقرون لوجود مقدّمي رعاية قادرين على العناية بحاجاتهم الأساسية. ويُذكر أنه «خلال عام 2021، وفّرت المؤسسة 52414 خدمة مختلفة لحوالي 9000 مسنّ في مناطق الخيام ومحيطها جنوباً، مشغرة والمناطق المحيطة بقاعاً، الشياح، الغبيري، عين الرمانة، والمناطق المتضررة من انفجار مرفأ بيروت مثل الأشرفية والكرنتينا». وتحت شعار: «إن صون كرامة كبار السن هو اختبار حقيقي لإنسانيتنا وشرط من شروط التحضّر وبناء عالم أكثر عدالة»، يصل إلى المسنين وجبات غذائية ساخنة يومياً من الأطباق اللبنانية «بعد الأخذ بآرائهم والتوقف عند توصيات الأطباء واختصاصية التغذية لتتلاءم الوجبات مع حاجاتهم الغذائية ووضعهم الصحي، فتُقدّم قليلة الملح والدهون المهدرجة والمشبَعة والسكريات».
وبطريقة لافتة، يساعد هذا النشاط التضامني في تمكين أربع سيدات تلقّين تدريبات مختلفة في المركز من خلال توكيلهن بمهامّ تحضير الوجبات وتوضيبها. وهذا يشكّل، وفق «عامل»، «طريقة ناجحة لاستعادة حقوق المرأة السياسية والاجتماعية ومناصرتها بطرق إنسانية غير صدامية، خصوصاً في حالة العالم العربي، إذ تُعدّ مساهمة النساء في تحسين دخل الأسرة والحفاظ على كرامتها، باباً واسعاً للولوج منه إلى مرحلة متقدمة في دور النساء في الأسرة والمجتمع». لمياء حمود (43 سنة)، مثلاً، «يفرجها المدخول الذي تحصل عليه لقاء تحضير طعام المسنين»، على حد تعبيرها، ويمدّها «بالثقة بالنفس وأهمية وجودها». يُصاحب هذا العملَ شعورٌ إنساني جميل، إذ تحتفظ لمياء برسالة وصلتها من إحدى السيدات المستفيدات من المبادرة تقول فيها: «أقبّل اليدين اللتين حضّرتا هذا الطعام وأوصلتاه إليّ». وتتعجب من القوة الغريبة التي تنتج من العطاء وفعل الخير، «فأنا لا أشعر بالتعب خلال وقوفي في مطبخ المركز من السابعة صباحاً حتى الثالثة عصراً».