لم يبق في البلد سوى قطاع الاتصالات، الذي أظهر مناعة محدودة في وجه الانهيار. كل الأساسيات مفقودة إلا الاتصالات. بقي القطاع صامداً، والمقيمون يستطيعون الحصول على الخدمة بجودة مقبولة وبسعر تحوّل، بفضل انهيار العملة، إلى الأرخص في العالم، وإن كان لا يزال مرتفعاً بالنظر إلى معدل الرواتب. مع ذلك، كانت الخشية تزداد يوماً بعد يوم من إمكان تأثّره بارتفاع سعر صرف الدولار. صمد القطاع لأكثر من عام، لكنه مع بدء أزمة المحروقات أظهر هشاشة تعدّت حتى مسألة فقدان المحروقات عن المحطات، فإلى أين يمكن للقطاع أن يصل؟ هل تتوقف الخدمة أم يجب الاعتياد على خدمات رديئة، وانقطاع متكرر في الاتصالات، وصعوبة في الاتصال بالإنترنت؟

عملياً، زادت مداخيل شركتي الخلوي بشكل كبير، لكن هذه المداخيل كلها بالليرة. صحيح أنها تحقّق عائدات ضخمة للخزينة تسمح بتمويل جزء كبير من رواتب القطاع العام والمصاريف العمومية، لكنها، لم تعد تشكل رافداً مهماً للعملة الصعبة، كما كانت سابقاً. والأهم أنها لم تعد تسمح بالاستثمار على الشبكة أو حتى صيانتها. وعلى سبيل المثال، فإن عائدات القطاع كانت تصل، قبل الأزمة، إلى 2250 مليار ليرة، أي ما يعادل مليار و500 مليون دولار. المبلغ نفسه صار يساوي اليوم 120 مليون دولار، وهو ما لا يكفي لإصلاح ثلاث محطات في حال تضرّرها. الأمر نفسه تعيشه أوجيرو. موازنتها السنوية لم تتغير، وهي لا تزال اليوم 48 مليار ليرة. كان هذا المبلغ يعادل 32 مليون دولار، وصار أقل من ثلاثة ملايين دولار (يتم إعداد اقتراح قانون لإعطاء المؤسسة مبلغاً إضافياً). بعيداً من أسعار المعدّات وقطع الغيار والرُخَص التي تُدفع بالدولار النقدي، والتي زاد سعرها بالليرة 14 ضعفاً، تكفي الإشارة إلى أن سعر المحروقات على السعر الرسمي ارتفع خمسة أضعاف.
أمام كل هذه التحديات، يجزم وزير الاتصالات طلال حواط أن القطاع مستقر، وأن كل المشاكل التي تواجهه مرتبطة حصراً بفقدان المحروقات، مؤكداً أن «الأسباب التقنية لا تشكل نصف في المئة». وهو يؤكد، بالتالي، أن القطاع صامد. الصمود هنا مرتبط حصراً بالقدرة على تأمين الصيانات اللازمة للشبكة، بسبب امتلاء المستودعات بقطع الغيار أو حتى بشبكات ومحطات وأعمدة إرسال يمكن استخدام أجزاء منها كقطع غيار. كل ذلك يعني أن أقصى طموح صار المحافظة على الخدمة كما هي. أما التطوير، فلا أفق واضحاً له. والوزارة، كما شركتا الخلوي، لم تقدم أي رؤية لمستقبل القطاع، في ضوء المتغيّرات الحاصلة. منذ أشهر سبق لديوان المحاسبة أن وجّه أسئلة إلى الوزارة بشأن فترة ما بعد انتقال الإدارة إلى الدولة من دون أن يلقى أي إجابة جدية. من أسئلته: هل وضعت الوزارة، بعد استردادها للقطاع، خطة أو رؤية استراتيجية له؟ وهل أخذت في الاعتبار: زيادة الإيرادات، وتحسين مستوى الخدمة وتحفيز القدرة التنافسية للاقتصاد والابتكار والإسهام في تفعيل الاقتصاد المعرفية؟

زيادة أسعار الاتصالات لن تطرح إلا في إطار «الحل الشامل»


لا تملك الوزارة أي إجابة. الوزير الحالي أخذ على عاتقه عدم الإقدام على أي خطوة أبعد من تسيير القطاع، فالخطط كلها متروكة للحكومة المقبلة، وكذلك مسألة رفع الأسعار. فخلافاً لكل ما يتردد عن توجّه لرفع أسعار الاتصالات، يؤكد حوّاط لكل من يلتقيه أنه لن يتحمّل وزر هكذا خطوة، علماً أن إدارة شركتي الخلوي، وإدارة أوجيرو، إضافة إلى الشركات مقدمة الخدمات، وحتى المدراء في الوزارة، يؤيدون رفع الأسعار، أو بشكل أدق، يؤيدون إعادة تركيب مرسوم التعرفة، ربطاً بالحاجة إلى تحسين المداخيل. كذلك فإن مصادر مسؤولة تجزم أن الأسعار باقية هكذا لفترة طويلة، انطلاقاً من عدم جرأة أحد على القيام بخطوة من هذا النوع في زمن الانتخابات. أكبر إشارة للتعرفة، تشير إلى أنها لن تُطرح إلا في سياق الخطة الشاملة للخروج من الأزمة، بوصفه أحد عناصرها.
في الأساس على الدولة أن تُقرر هل الاتصالات هي خدمة عامة أم وسيلة لتعزيز إيرادات الدولة فقط. طبعاً هذا لا يعني أن يتحوّل القطاع إلى شبيه لقطاع الكهرباء، لكن المطلوب أيضاً أن يتم التعامل معه، بوصفه المحفز الأول للاقتصاد.
بعد التسليم بعدم زيادة الأسعار، يبقى معرفة إن كانت الخدمة قادرة على الصمود في وجه عدم توافر الدولار وانقطاع الكهرباء وفقدان المازوت والتعديات التي تحصل على الشبكة، إضافة إلى ظاهرة فك العديد من أعمد الإرسال بسبب رفض أصحاب العقارات تأجير المساحات على سعر 1500 ليرة للدولار.
حتى اليوم لا يزال عدم توافر المحروقات هو الأكثر تأثيراً في الشبكة. محطات عدة خرجت عن الخدمة، لهذا السبب، والأمر لا يقتصر على الأطراف بل طال المدن أيضاً. ما يحصل أن أغلب المحطات كان يتم تشغيلها على كهرباء مولدات الأحياء أو المولدات الخاصة والطاقة الشمسية وعلى البطاريات إضافة إلى كهرباء الدولة. الانقطاع الطويل لكهرباء الدولة، إضافة إلى فقدان المازوت، أدى إلى إطفاء العديد من المحطات، بعد نفاد الطاقة من البطاريات. وهذا يؤدي تلقائياً إلى عدم قدرة الهاتف على الحصول على الإشارة من المحطة الأقرب، فيضطر إلى البحث عن إشارة أخرى لمحطة أبعد، لتكون النتيجة: رداءة في الاتصال أم انقطاع تام. وقد شمل ذلك الاتصالات الصوتية، إضافة إلى الإنترنت.
لكن ما زاد الطين بلة، بحسب مصادر تقنية، أن الولوج إلى الشبكة زاد بنسبة 70 في المئة في الفترة الماضية (غالباً ما تزيد بنحو 25 في المئة صيفاً بسبب وجود المغتربين). وقد أدى ذلك إلى ضغط كبير على الإنترنت أثر في الخدمة. فالمحطة المعدّة لاستيعاب 100 ألف اتصال، على سبيل المثال، صارت تستقبل 170 ألف اتصال. ولذلك، طلبت الشركات زيادة عدد وصلات الإنترنت من أوجيرو، وقد تحقق ذلك أخيراً، ما أسهم في تحسن طفيف للخدمات.
يؤكد عاملون في الصيانة أن المشكلة الثانية التي تواجههم تتعلق بفقدان المعدات والبطاريات من المحطات. فعملية الاستبدال تحتاج إلى وقت طويل. اللافت بحسب مصادر في شركة «تاتش» أنه حتى عند تأمين المازوت، فإن شركة «باورتيك» المعنيّة بالصيانة تتأخر بالوصول إلى المحطات، بحجة عدم توافر البنزين لدى الموظفين.
ميزة القطاع اليوم هي الترقيع. العمل يتم بالحد الأدنى. لكن بحسب معنيين في القطاع، يمكن له أن يستمر على هذا المنوال لسنتين، بالحد الأقصى. وهذا يعني أن تردي الاتصالات أو عدم استقرار الخدمة يُتوقع أن يكونا جزءاً من المرحلة المقبلة. وبشكل أدق، يقول هؤلاء إنه سيكون على صورة البلد: كل يوم بيومه! ولن يكون مستغرباً عودة ظواهر «البحث عن الإرسال».