قامت سفيرة الدولة الخاطفة للمواطن اللبناني جورج إبراهيم عبدالله بتوبيخ رئيس حكومة لبنان المنصرف عن العمل صباح الأربعاء. مرّ الحدث مرور الكرام على لبنان الرسمي بينما احتفى به بعض المتزلّفين ومستجدي الحنان من إحدى أسوأ القوى الاستعمارية وأكثرها دمويّة في تاريخ هذه الأرض. حصل كل ذلك بعد يومين من الذكرى الـ59 لاستقلال الجزائر من وحوش فرنسا الذين كانوا يحتفظون حتى العام الفائت بجماجم أبطال جزائريين حاربوا الاستعمار في القرن التاسع العشر في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي، وأيّ طبيعة هذه. لم تكتفِ آن غريو بذلك الانتهاك للأصول الدبلوماسية، بل صعدت بعد ساعات على متن طائرة إلى جانب نجمة الإعلانات الدعائية على نشرات الأخبار المسائية دوروثي شيا، وحجّتا معاً إلى بلاد نجد والحجاز لمناقشة حكومة الانتخابات التي تخوضانها بكل ثقل دمهما ودعم القوات المسلّحة اللبنانية (اللاف) التي تقترب كل يوم أكثر من التسمية السفاروية لها مبتعدة بذلك عن مسمّى الجيش الوطني.

يصادف أن الجزائر تتشارك الخامس من يوليو ذكرىً للاستقلال مع فنزويلا التي كانت أول مستعمرة إسبانية تدحر مستعمريها عام 1811، كما يصادف أن غريو هي الكلمة الإسبانية لـ«الزيز». وفي انتظار نتائج السعي المشكور للحاجّة أمّ الزيز ورفيقتها الصّرصارة، من المستبعد جداً أن يكون الذنب التاريخي لبلادهما مغفوراً. تتصرّف السفيرتان من دون أيّ خشية من عقاب على مخالفة الأعراف الدبلوماسية بين الدول ولا تُلامان كون لبنان لا يتصرّف كأنه دولة على الإطلاق، وهذا ما اكتشفه فجأة صنّاع هذا الوطن البدعة بعدما ساهموا في إضعاف الكيان لليّ ذراع من يحارب مشروعهم الاستعماري. هناك من يتحسّس من استخدام كلمة حصار لوصف ما يجري في لبنان ويفضّل التركيز على فساد المنظومة والأسباب الداخلية للانهيار الحاصل، وهو بالمناسبة الخطاب التوبيخي نفسه الذي تطلقه غريو وهي تهرع لإنقاذ ما تبقّى من المنظومة. فهذا ما قالته غريو لحسان دياب: «إن الإفقار القاسي اليوم هو النتيجة المتعمّدة لسوء الإدارة والتقاعس عن العمل لسنوات وليس نتيجة حصار خارجي. بل هو نتيجة مسؤوليتكم جميعاً لسنوات عدّة، هو من مسؤولية الطبقة السياسية…هذه هي الحقيقة». وبما أن غريو بتّت الحقيقة، لنبتعد قليلاً وننظر إلى الحدث الأبرز في العالم هذا الأسبوع.
في جزيرة «هسبانيولا» الكاريبية تمكّنت مجموعة مسلحة من إقناع حرس منزل رئيس هايتي جوفينيل موييس بأنهم من وكالة مكافحة المخدّرات الأميركية، فرمى الحرس أسلحتهم ودخلت المجموعة المنزل وقتلت الرئيس موييس. طبعاً لا يوجد حصار في بلد تسرح وتمرح وكالة مكافحة المخدرات الأميركية فيه ويمكنها أن تنزع سلاح حرس الرئيس. لكن، رغم ذلك، تعاني هايتي من إفقار قاسٍ متعمّد. ولمعرفة أسباب ذلك لا بد من درس تاريخ سريع مع أجداد غريو وشيا والإسبان. في عام 1492 وصل السفاح كولومبوس إلى جزيرة آييتي، كما كان يسميها شعب التايينو الذي كان يسكن الجزيرة، وأعلنها مِلكاً للعرش الإسباني وأسماها هسبانيولا قبل أن يستعبد ويبيد مئات الآلاف من سكانها. بعد إبادة السكان المحليين أتى المستعمرون الإسبان بعبيدٍ من أفريقيا لإكمال عملية نهب ثروات الجزيرة الطبيعية من الذهب والقطن وغيرهما، وتبعهم المستعمرون الفرنسيون الذين شفطوا ثروات القسم الغربي من الجزيرة. ثار الأفارقة عام 1791 وسبقوا فنزويلا إلى الحرية إذ انتصروا على جيوش السفّاح نابوليون بونابارت عام 1804. بعدها ناصرت الدولة الحرة والغنيّة حركات التحرّر في المستعمرات الإسبانية التي قادها سيمون بوليفار ما أدّى إلى تحرّر الجزء الشرقي من الجزيرة في عام 1821 وتوحّدت الجزيرة وازدهرت لعقدين من الزمن.

هناك من يتحسّس من استخدام كلمة حصار لوصف ما يجري ويفضّل التركيز على فساد المنظومة والأسباب الداخلية


طبعاً لم يتقبّل الفيروس الاستعماري الأوروبي والمتحوّر الشمال الأميركي هذا المثال التحرّري وحارباه بكل أدواتهما من الحصار الاقتصادي والعزل والتقسيم والانقلابات وصولاً إلى الغزو والاحتلال العسكري المباشر وإخضاع الجزيرة لإفقار قاسٍ متعمّد. هذه هي الحقيقة. شهدت هايتي هبّة شعبية في السنوات الأخيرة ضد خادم أميركا المطيع موييس، واتُّهمت فنزويلا بتأجيج التظاهرات. أرسلت واشنطن مرتزقتها لإنقاذ حليفها من السقوط تحت الضغط الشعبي، لكنه بات واضحاً أن الانتخابات ستأتي بتغيير لن يلقى رضى من نصّبوا أنفسهم أسياداً على العالم. ما إن اغتيل موييس من فريق تقول رواية عملاء واشنطن في بورت أو برنس إنهم مرتزقة كولومبيون، حتى علت الأصوات في الصحف الناطقة باسم الاستعمار الأميركي، من أقصى يمينها في الـ«ميامي هيرالد» إلى ما يُروّج لها على أنّها يسار في الـ«نيويورك تايمز»، تدعو إلى ضرورة التدخّل لإنقاذ هايتي من الفوضى مع التفاوت فقط في مدى التدخّل المرجوّ. حرية هايتي ترعب أقوى دول العالم منذ مئتي عام وما زالت، حالها حال جزيرة كاريبية أخرى تعيش الحرية تحت الحصار مقابل شواطئ فلوريدا.
سفيرتا فرنسا والولايات المتحدة تدركان جيداً أن الحصار الخارجي متعدد الأشكال والأدوات وبرعت دولتاهما باستخدامها وابتكارها على مدى السنين. فالحصار الخارجي قد يتجسّد داخلياً في ملكٍ أو أمير أو أيّ رأس حُكم آخر وفيّ وحريص على مصالح القوى المهيمنة ويضخّ أموال شعبه في اقتصادات الخارج المستعمِر، أو قد يكون شبكة أوليغارشية تقوم بشفط الموارد نيابة عنها وتدفع الجزية إلى حُماتها، كما أنه قد يكون سياسياً أو موظّفاً برتبة عميل. وحين تعبّر السفيرة عن خيبتها من الطبقة الحاكمة في منظومة من تصميم وصناعة دولتها، فذلك ليس لأن المنظومة لم تعد تخدم شعبها بل لأنها لم تعد تؤدي وظيفتها في التركيبة الاستعمارية العنصرية التي هيمنت على العالم منذ عقود. بغياب شخص مثل رفيق الحريري ليحمل عن السفيرات الخائبات وزر خدمة الاستعمار متنكّراً كمعمّر ومعلّم ومحرّر، تعوّل غريو وشيا على مجتمع الـ«أنا» المدني للإطاحة بنائبٍ في بيروت الأولى أو استبدال فاسد مخضرم بمكافح فساد متدرّب على يديهما في إدارة ما. جالت السفيرتان في كل ناحية من لبنان وها هما تعبران البادية حاملتين معهما هموم حوكمة المنظومة. حسب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، يحق للبنان أن يعلن أنّ غريو ودوروثي شيا شخصان غير مرغوب فيهما، لانتهاكاتهما الفاضحة للسيادة اللبنانية. لكنّ المشكلة في لبنان ليست محصورة في وجود مساطيل يستجدون الاستعمار، بل أيضاً في عملاء الاستعمار الذين ينخرون الدولة ويحاصرون الشعب من داخلها. مشكلة من يحاصر الشعوب في الداخل والخارج هي أنهم يظنون أن الشعوب ستستسلم. لقد مرّ مئتا عام على قطع هايتي لرؤوس جنود جيش نابوليون وما زالت تحارب إلى اليوم. الجزائر قدّمت مليون شهيد لتتحرّر من احتلال فرنسا. تستهبلنا غريو أو تستغبينا حينما تقول إن الإفقار هو نتيجة سوء إدارة. الإفقار القاسي المتعمّد هو نهج دول الاستعمار أباً عن جدّ، أو في حالة فرنسا تحديداً «أمّاً حنوناً عن ستّ أحنّ منها». وكما قال محمود درويش: ليَدَينِ من حَجَر وزعتر...