ربما أخطأ يسوع المسيح عندما دخل الى الهيكل، عشية عيد الفصح عام 30 بعد الميلاد، وقلب موائد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام... من دون إذن قضائي أو مسوّغ قانوني! هذا، على الأقل، ما توحي به «خشية» متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده على «سمعة لبنان المصرفية» و«خروج قاض على القوانين» و«اقتحامه أملاكاً خاصة من دون مسوّغ قانوني»، ومن «الذهول» الذي أصاب البطريرك بشارة الراعي بسبب «واقعة قضائيّة لا تمتّ بصلة إلى تقاليد القضاء اللبناني منذ أن وُجِد». وهي، للأمانة، «تقاليد» راسخة في حفظ الملفات وتجهيل المجرمين وعدم وصولها الى خواتيمها.

في 28 شباط الماضي، سأل المطران عوده، تعليقاً على تنحية المحقق العدلي فادي صوان عن ملف انفجار المرفأ: «هل يُعاقب قاض قام بواجبه؟»، مؤكداً أن الحقيقة «لا تقف عند خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها». وفي هذا دعوة صريحة الى «خروج القاضي على القوانين» من أجل الشهادة للحق. لكن ما يجوز في ملف المرفأ، في عرف المطران الأرثوذوكسي (والأرثوذوكسية، لغةً باشتقاقها من اليونانية، تعني «المستقيم الرأي»)، لا ينسحب على ملف «حزب المصرف» وأركانه. وبين هؤلاء قضاة كثر لا ينفك عوده عن استقبالهم في صالون مطرانيته، من دون أن يدين أي منهم يوماً فاسداً ما أو يصل بملف الى خواتيمه المرجوّة.
في ملف فادي صوّان، يسأل عوده: «ألا يحق لذوي الضحايا أن يطالبوا بالحقيقة وأن ينادوا أنْ لا كبير أمام القانون، وأن موقع أي مسؤول ليس أغلى من دم أبنائهم؟». أما في ملف غادة عون، فيصبح التساؤل: «مهما كانت القضية التي يحملها القاضي محقة، ومهما كان من يشن عليهم حربه مخطئين ومتجاوزين للقوانين، هل يجوز أن يخرج القاضي على القانون؟»!
ذكّر متروبوليت بيروت، في عظة أحد الشعانين أمس، بكلام القديس إبيفانيوس القبرصي: «من الآن فصاعداً، لن تكونوا رؤساء متسلّطين على أحد»، وأعرب عن خشيته من «تدمير المؤسسات». هذا، فيما «المؤسسة» التي يتربع على رأسها منذ 40 عاماً تفتقد منذ نحو 20 عاماً إلى مجلس ملّي يعطي العلمانيين دوراً أكبر في إدارة مؤسسات الطائفة، ويحدّ من تفرّد رجال الدين في اتخاذ القرارات، بما فيها إدارة الأوقاف والممتلكات والأموال، محررين أنفسهم - باعتبارهم ممثلي الله على الأرض - من أي مشاركة سابقة في القرار أو مراقبة وتدقيق لاحقين. وهما، أي المشاركة المسبقة والتدقيق اللاحق، أمران مهمان في حال مطرانية بيروت للأرثوذوكس بعد سلسلة قرارات اتخذتها، تبدو غير مفهومة لأبناء الطائفة. وإلا كيف يُفسّر، مثلاً، إصرار المطران عوده على إنشاء جامعة خاصة على أرض تملكها المطرانية في كرم الزيتون في الأشرفية، رغم أن للطائفة جامعتها المعتبرة (البلمند)، بدل تخصيص قطعة الأرض تلك من أجل إقامة تجمّع سكاني يمكن أن يستوعب نحو 500 عائلة أرثوذوكسية شابة لم تعد قادرة على السكن في المعقل البيروتي للأرثوذوكس؟ وكيف يُفسر تأجير المطرانية الارض التي أقيم فوقها مجمع ABC في الأشرفية، أيضاً، مقابل نحو 800 ألف دولار سنوياً بين عامي 2000 و2018، أي ما يساوي ايجار مطعمين في الطبقة الثالثة من المجمّع، ما ضيّع على «روم بيروت» أكثر من 100 مليون دولار كان يمكن أن تحدّ من إفراغ هذه المنطقة من سكانها «الأصليين»؟
لم يكن من طردهم المسيح الوديع من الهيكل، بحزم وصرامة، إلا تجاراً «اعتدى» على «أملاكهم الخاصة». لكنه نعتهم باللصوص (مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى. وأما أنتم فتجعلونه مغارة لصوص) عندما وصل سعر زوج اليمام الذي كان يُقدّم ذبيحةً الى ما يساوي أجرة العامل عن 25 يوماً من العمل! وهو لم يقم فقط بتطهير الهيكل من الباعة، وإنما أيضًا من القيادات الدينية العابثة به، استكمالًا لعملية التطهير تلك. كما أنه لم يكن يقلب مجرد الطاولات في الهيكل، بل كان يقلب نظام العهد القديم بأكمله.


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا