لو سُئِلت حكومة حسّان دياب مُجتمعةً، عمّا إذا كانَ لبنان جزءاً من التحالف العربي في الحرب على اليمن، ما أجادت الإجابة بنعم أو لا. تعذُّر الجواب سببه العجز عن شرح موقِف غير مفهوم لسياسة الحكومة الخارجية تجاه أزمات المنطقة. الآن، وبعدَ أكثر مِن عام على تأليفها ثم استقالتها، يضطرِب موقفها. خطيئتها أنها لم تُصلِح ما خرّبته الحكومات السابقة، بل سلّمت بوراثة مصطلحات النأي بالنفس، فيما هي تُمارس سياسة نقيضة تماماً تجاه الدول الخليجية، وتحديداً المملكة العربية السعودية.

بعض المواقِف لا يحتاج إلى من يُفسّره. في حالة لبنان، معناه الوحيد هو إما المُراعاة أو الاختباء وراء الإصبَع. يعزّ مثلاً على الحكومة «ما تتعرّض له المملكة العربية السعودية مِن هجمات صاروخية»، كما اعتادَت وزارة الخارجية اللبنانية أن تقول في بياناتها، ولا ترى في المقابل ما يتعرّض له الشعب اليمني من حصار وتجويع وهدر دماء، فتستخسِر التضامُن معه، ولو بكلمة. هذا الكيل بمكياليْن، لا يُقرأ إلا تماهياً مع «التحالف» الذي تقوده الرياض.
واقع الأمر أن هذا الموقف ليسَ مُستغرباً، إذ هو تعبير عن سياسة حفرتها الحكومات السابقة منذ عام ٢٠١١، يومَ اقتنعت (واهمة) بإمكان تحييد لبنان عن القضايا التي عادةً ما يتأثر بها. في ذِلك الحين، تعلّقت كل الوجوه والشخصيات المناوِئة لسوريا بمصطلحٍ نظريٍّ ابتدعه مندوب لبنان إلى الأمم المتحدة السفير نواف سلام، وتبنّاه الرئيس نجيب ميقاتي ومستشاروه لتسويغ تعامل حكومته مع الأزمة السورية، في تجاهل لواقع العلاقة العضوية بين لبنان وسوريا. لم يكفِ مليونا نازح وأكثر لتهاوي هذه السياسة، ولا قتال الجيشين اللبناني والسوري في معركة واحدة ضد الإرهاب، ولا التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على لبنان نتيجة العدوان الدولي على سوريا.
بقيَت «النفس» اللبنانية أمّارة بالنأي، مُعلّقة التعامل الرسمي مع الدولة السورية، بالرغم من النتائج الكارثية على لبنان مِن جرّاء هذه السياسة.
وإن كانَ ذلِك مفهوماً نظراً إلى الانقسام اللبناني حيال مقاربة الأزمة السورية وكيفية التعامل معها، إلا أن العوامل التي طرأت من داخِل سوريا وخارجها في السنوات الأخيرة كانَ لا بدّ لها أن تدحض هذه النظرية التي أثبتت أن «لا جدوى» منها؛ أوّلها، قانون معاقبة سوريا (قيصر)، الذي لم تجرؤ الحكومة اللبنانية على إدانته، رغم ما له من آثار كارثية على لبنان. ثانياً، موضوع النازحين الذين يعيشون على المساعدات التي تُخصّص لهم أممياً، إذ اختارت الدولة اللبنانية أن تُعالجه عبر قنوات «غير رسمية» بحجة رفض التطبيع مع الحكومة السورية. هذه الملفات، على أهميتها ومحوريتها، دائماً ما يجِد الوزراء والمعنيون مهرباً من مواجهة السؤال عنها، تارةً بالإشارة إلى أن لبنان يتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية لأجل الحصول على إعفاءات من قانون قيصر، كما فعلت مع العراق في ما خصّ العقوبات على إيران، وتارةً أخرى بالقول إن التنسيق مع الدولة السورية ليسَ مقطوعاً، بدليل أن وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية يزور سوريا على الدوام لمتابعة ملف النازحين.
غيرَ أن بعض الأحداث التي تحصَل، لا يحتمِل إسقاط بعض المسؤولين «الكليشيه» القائل بحياد لبنان، ومنها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، ومن الأجواء اللبنانية. البحث في بيانات حكومة دياب بشأن هذه الاعتداءات يكشف عن معضلة مفهوم ابتكره اللبنانيون، وما طبّقوه إلا في ما يتعلق بسوريا وحدها؛ إذ لا يوجَد للحكومة موقِف واحد يُدين هذه الاعتداءات، باستثناء مرّة استنكرَها وزير الخارجية السابق ناصيف حتّي، لأن «الضربات تحصل من الأجواء اللبنانية»، وليس لكونها اعتداءً على أرض عربية، بينما تتوالى البيانات من وزارة الخارجية مندّدة بـ«أي اعتداء من أي جهة أتى على سيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة»، مع التعبير عن «التضامن الكامل مع المملكة ضد أي محاولات لتهديد استقرارها وأمنها»، مع تجاهل كامل للمجازر التي يرتكبها التحالف بقيادة السعودية ضد اليمنيين وإخضاعهم للحصار والتجويع وتركهم عرضة لفتك الأمراض بهم.
إلى اليوم، ليسَ مفهوماً كيف يأخذ لبنان الرسمي موقفاً إلى جانِب السعودية في حربها على اليمن، بينما سبقَ أن أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سابقاً أن «لبنان لا يُمكنه الانحياز لأي دولة شقيقة ضد مصلحة أخرى».
هذه المواقف لا يمكن تفسيرها، وتطرح أسئلة عن الخلفيات والمعايير التي تُتّخذ على أساسها. فهل هي تناغُم مع الولايات المتحدة الأميركية؟ هل ثمّة في البلاد من لا يُريد للبنان الرسمي أن يُحسب من البقية الباقية في العالم العربي التي تقول لا للاعتداءات الإسرائيلية في الحدّ الأدنى؟ هل هذه السياسة هي مؤشر على توجهات لا تزال طيّ الكتمان؟ وهل الوقوف الى جانِب المملكة في كل ما تفعله في المنطقة هو تمهيد لسياسات لاحقة مرتبطة بقرارات أكبر ستتظهّر في المقبل من الأيام، في ظل الحديث عن تطبيع سعودي - إسرائيلي؟
رُبما لا يتحمّل وزير الخارجية شربل وهبة وزرَ الحكومة، وهو الذي عُيّن خلفاً للوزير حتّي قبلَ أيام من استقالة حكومة دياب، إثرَ تفجير مرفأ بيروت. لعلّ أكثر ما يجعله «مربوط اليدين»، هو ممارسة مهامه في مرحلة «تصريف الأعمال». وفي مرحلة كهذه، فإن السياسة الخارجية بشكل عام «لا تُبنى على أكثر من الثوابت الوطنية، أي وحدة الأرض والشعب وعدم المساس بالاستقرار والسيادة».
أما المواقف تجاه دولة معينة أو أحداث مستجدّة «فيجِب أن نستنِد إلى رأي مجلس الوزراء» كما يقول وهبة في حديث مع «الأخبار». المشكلة الرئيسية هي في أن «الحكومة لا تنعقِد أصلاً، وبالتالي يقتصِر التواصل أحياناً مع رئيسها أو رئيس الجمهورية أو بعض الوزراء على تكوين أفكار معينة، وفي بعض الأحيان يكون الاجتهاد هو الخيار» بحسب وهبة؛ فيدافِع عن القرارات التي يتخذها وهو مسؤول عنها «في حدود تصريف الأعمال»، إذ «لا أستطيع أن أرسم خطوات سياسية جديدة تتجاوز تصريف الأعمال، الذي يعني إبقاء الشيء على ما هو عليه، ما لم يحصل ضرر مباشر على لبنان».
أوَليس في النأي بالنفس عن سوريا ضرر مباشر؟ قد لا تكون العلاقات بشكلها الحالي «تُرضينا أو تُرضي سوريا، ولا بدّ من الدفع في اتجاه تعزيزها»، يجيب وهبة، مُضيفاً أن «العلاقات ليست مقطوعة مع الدولة السورية، كما يُصوّر البعض، هناك علاقات دبلوماسية وسياسية وأيضاً اقتصادية، لكن شكل العلاقة اختلف عمّا كانَ عليه قبل العام ٢٠٠٥». اليوم «نحن نوازن بين مصلحة لبنان، ومصلحة الموجودين على أراضيه، وإبعاد أي ضرر مُمكن أن يأتينا من الدول التي تقدّم الدعم لنا»، لافتاً إلى أن «الدعم لا يأتي مجاناً، لا أحد يُعطينا دعماً إلا مُقابل موقف ما أو صفة أو تسهيلات مُعينة».

وهبة: ندين التعرض للأهداف المدنية في الرياض كما في اليمن، كما نستنكِر أيّ اعتداء على سوريا


وهبة الذي أكد «أننا نريد الاحتفاظ بالعلاقة مع سوريا، بقدر ما سوريا متمسّكة بها»، أكد أن «أي اعتداء يحصل على دولة عربية نحن ضده». مكرّراً «إدانة واستنكار ورفض أي عدوان يطال سلامة سوريا وسيادتها من أي جهة أتت؛ فكما ندين الاعتداء على الرياض، سندين الاعتداء على أي دولة عربية». لكن لبنان يدين رسمياً ما يحصل على الرياض، لكنه لا يتعامل بالمثل مع اليمن مثلاً؟ فهل نحن جزء من التحالف العربي ضد الشعب اليمني؟
«نحن ندين أي تعرّض للمدنيين وسندينه» يقول وهبة. لكن المملكة العربية السعودية «ابتعدت عن لبنان في فترة من الزمن، واعتبرت أن لبنان ابتعد عنها من دون أن يصدر عن الدولة اللبنانية أي تصرف، لكننا عوقبنا من قبلها لأسباب عديدة»، لذا «كان لا بدّ من فتح ثغرة في الجدار السميك بيننا وبينها بشكل لا يضرّ بمصلحة بلدنا».
وهبة الذي أكد «أننا ندين التعرض للأهداف المدنية في الرياض كما في اليمن»، نفى وجود قرار رسمي لبناني بالانحياز إلى طرف، وقال إن «اليمن بلد عزيز كما المملكة العربية السعودية دولة عزيزة، وفي لبنان نعتمِد مقاربة متوازنة ودقيقة جداً لا نُزعج فيها أحد، بل نسير بخطى ثابتة وروية من أجل إعادة لبنان إلى الأسرة العربية، على أن يكون دوره وسطياً وتوفيقياً وحوارياً».



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا