في خطاب مباشر نشر جزء منه في الإعلام، قدم قائد الجيش العماد جوزف عون مطالعة سياسية هي الاولى من نوعها لضابط في منصبه، ما أثار مجموعة من ردود الفعل التي لم تخرج الى العلن، لكنها تركزت عند المراجع والقوى السياسية ووجدت صداها عند مجموعات ناشطة ضمن الحراك القائم منذ 17 تشرين الاول العام 2019.

وبخلاف التفسيرات التي حرص مقرّبون من قائد الجيش على تقديمها على شكل «جرس إنذار» من قائد الجيش «الحريص على وحدة البلاد»، فإن القوى السياسية البارزة قررت التعامل ببرودة ربطاً بحسابات تتجاوز إظهار قائد الجيش طرفاً مباشراً في الأزمة القائمة، خصوصاً أن جهات خارجية تعوّل على دور خاص للجيش. ويحصل داخلياً أنه في كل مرة تواجه فيها البلاد أزمات دستورية وسياسية يخرج من يقول إن «الجيش هو الحل»، وهذا ما دفع البعض الى اعتبار خطاب القائد أمس بمثابة خطاب حدّه الأدنى إعفاء الجيش من مسؤولية أي تدهور تشهده البلاد، وحدّه الأعلى الترشح لدور سياسي لا يقل عن رئاسة الجمهورية.
العماد جوزف عون تحدّث في اجتماع موسّع حضره أركان القيادة وقادة الوحدات الكبرى والأفواج المستقلة، في حضور أعضاء المجلس العسكري، وتطرق الى «معاناة البلد نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي وأن الجيش هو جزء من هذا الشعب ويعاني مثله». وقال: «إن الوضع السياسي المأزوم انعكس على جميع الصعد، بالأخص اقتصادياً، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والجوع، كما أن أموال المودعين محجوزة في المصارف، وفقدت الرواتب قيمتها الشرائية، وبالتالي فإن راتب العسكري فقد قيمته»، وأضاف: «العسكريون يعانون ويجوعون مثل الشعب»، متوجّهاً إلى المسؤولين بالسؤال: «إلى أين نحن ذاهبون، ماذا تنوون أن تفعلوا، لقد حذرنا أكثر من مرة من خطورة الوضع وإمكان انفجاره». هي المرة الأولى التي يتحدث فيها موظف في الدولة اللبنانية برتبة قائد جيش بهذه الطريقة، عن سلطة سياسية قامت بتعيينه.
وتحدث قائد الجيش يوم أمس عن «تخفيض موازنة الجيش في كل سنة، بحيث أصبحت الأموال لا تكفي حتى نهاية العام»، موضحاً أن «المؤسسة العسكرية بادرت إلى اعتماد سياسة تقشف كبيرة من تلقاء نفسها، تماشياً مع الوضع الاقتصادي». وسأل: «أتريدون جيشاً أم لا؟ أتريدون مؤسسة قوية صامدة أم لا؟ المطلوب من الجيش مهمات كثيرة وهو جاهز دائماً، لكن ذلك لا يمكن أن يقابَل بخفض مستمر ومتكرر للموازنة وبنقاشات حول حقوق العسكريين». وأضاف: «تحدثنا مع المعنيين لأن الأمر يؤثر على معنويات العسكريين، ولكننا لم نصل إلى نتيجة (..) لا يهمهم الجيش أو معاناة عسكرييه». من جهة أخرى، أكد عون أن «الجيش مع حرية التعبير السلمي التي يرعاها الدستور والمواثيق الدولية، لكن من دون التعدي على الأملاك العامة والخاصة، ولن يسمح بالمسّ بالاستقرار والسلم الأهلي». وفيما خصّ المساعدات التي يقبلها الجيش، أوضح عون أنه «لولا هذه المساعدات لكان الوضع أسوأ بكثير، ومهما كان حجمها فالجيش يقبلها بحسب الأصول، للحفاظ على الجاهزية العملانية».
ومع ذلك، فإن بعض الجهات فسّر كلام عون بأنه رسالة احتجاج على ما يعتبره إهمالاً متعمداً من قبل السلطة لوضع الجيش المالي، ولا سيما بعد أن طالب في الأيام القليلة الماضية بزيادة مالية للعسكريين الذين يتقاضون راتباً لا يضاهي مليوني ليرة، لكن جرى إبلاغه باستحالة القيام بأمر مماثل من دون زيادة شاملة لكل موظفي القطاع العام. بالتوازي، استغاث قائد الجيش بعواصم دولية للحصول على مساعدة مالية لتوزيعها على العسكريين. وجرى ذلك بعد اجتماعات مع ممثلين للحكومتين الاميركية والبريطانية، جرى الإشارة خلالها الى وضع مالي صعب، وان الجيش شارف على الانهيار. لكن طلبه رُفض أيضاً «بسبب غياب هذه المعطيات لدى الادارة الأميركية»!
ما سبق، قاد قائد الجيش الى رفع سقف كلامه يوم أمس تجاه السلطة السياسية، ولرفع معنويات العسكريين من جهة أخرى. وفيما تداول بعض الوسائل الاعلامية عن خلاف عون - عون، أي بين رئيس الجمهورية وقائد الجيش، قالت مصادر التيار الوطني الحر إن «الماكينة نفسها التي سعت الى تخريب علاقة عون ببكركي وعون بالحزب، ما زالت تحاول تخريب علاقة عون بقائد الجيش، مستخدمة العدة نفسها، أي بعض محطات التلفزة والتسريبات». ورأت المصادر أن «الاستمرار في قطع الطرقات كان مصدر إفادة، بحيث أظهر فشلهم التنظيمي والشعبي والسياسي. عدم تدخل الجيش أسهم في سحب الذريعة منهم لاستجداء عطف شعبي أو شدّ عصب يحتاجون إليه».



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا