أسهل ما يمكن على المرء إطلاق الأحكام، من دون النظر إلى أين سيؤدي هذا الحكم ومن دون الالتفات طبعاً إلى ما يحويه النظام التعليمي من مكوّنات لا تقوى على ردّ هذا التنمّر، فهي بحق تناضل وحدها في غياب دولة لا ترى فيها ربما إلّا أعباء إضافية لا ثروات مكنونة.

أمّا وضع هؤلاء الأشخاص تحت كلّ الضغوطات التي لا يمكن للعقل الراشد تحمّلها، ثمّ الطلب منهم التفوّق في امتحانات نحن لا نُعدّهم لها فهو الظلم بعينه.
لا أحد من العاملين في الحقل التربوي لا يعترف بالحقيقة الأكثر مرارة، وهي أنّ مناهجنا التعليمية الموضوعة في تسعينيات القرن الماضي ما زالت هي السّائدة قانوناً، وهي التي تُدرّس في أغلبية المدارس على الأراضي اللبنانية. لكن هذا لا يجعلنا، في أيّ حالٍ من الأحوال، نضع اللوم على الطلاب في حال عدم نجاحهم في امتحان دولي، كيف لي أن أطلب من طالب كليّة الآداب التقدّم للنجاح في مختبر الكيمياء في كليّة العلوم على سبيل المثال؟ هذا ما يجري اليوم على طلابنا في لبنان.
هؤلاء الطلاب هم جوهر العملية التعليمية التي تشحنهم بكثير من المعارف، يقرّ الأعم الأغلب من التربويين بأنّ كميّتها ليست بقليلة، وتكون عادة من دون رابط مع الحياة اليومية، ما يجعلنا كطلاب نسأل أسئلة بديهية جداً على شاكلة: أين سأستعمل مفهوم التكامل في الرياضيات في حياتي اليومية؟ ولكن تبقى العقبة الأساسية التي عليهم اجتيازها، لبنانياً، هي الامتحانات الرسمية أولاً، وامتحانات الدخول لبعض الكليّات في الجامعة اللبنانية، أو امتحانات معيّنة في الجامعات الخاصة على شاكلة امتحان الـ SAT في تلك التي تعتمد النظام الإنكليزي في التعليم، على أن يدرسوا مسبقاً معلومات محدّدة تسمح لهم بالخضوع له، سواء لناحية طريقة طرح الأسئلة أو المحتوى.
أمّا الآن، ومنذ بضعة أعوام مضت، فيخضع بعض الطلاب في لبنان لامتحانات دولية تنظمها الجمعية الدولية لتقييم التحصيل التربوي IEA (مركزها في هولندا). وهذه الامتحانات معروفة بامتحان الـ TIMSS (Trends in International Mathematics and Science Study) الهدف الأساس منها تقويم التحصيل العلمي للطلاب في الرياضيات والعلوم وفقاً لمعايير دولية وضعتها هذه الجمعية لنفسها، على أن تساعد أصحاب القرار في الدول على تحديد مكامن الخلل في نظامهم التعليمي لإجراء ما يلزم من تعديلات. وفي الآونة الأخيرة أصبحت هذه الامتحانات أمراً شهيراً في العالم ومحط منافسة بين الدول، وطبعاً دخلنا فيها، دون إعداد.
فكما أسلفنا، مناهجنا في لبنان متأخرة كثيراً لناحية الطرائق التعليمية الحديثة النشطة التي تجعل من الطالب في مركز عملية التعلّم. وهذا التقصير لا يعود أبداً للجهاز التعليمي المستعد بأكثريته لمواكبة هذا التغيير إن حصل، بل المشكلة في القرار على المستوى السّياسي. إذ أنه كلّما وصل وزير إلى وزارة التربية أعاد إطلاق ورشة كتابة المناهج مرة تلو أخرى، وكلّ منهم يريد لفكرته السّياسية أن تسود على المناهج المنتظرة، فيفتح الأبواب أمام جمعيات تريد إلغاء الفلسفة العربية على سبيل المثال لا الحصر.
وباتخاذ خيار المشاركة في هذه المسابقات ووضع النتائج علناً على الإعلام، ونحن على دراية كاملة أنّ طلابنا لا يدرسون ليفوزوا بهذا النوع من التقويمات قبلنا بزيادة الضغط عليهم لتأكيد المؤكّد ومعرفة ما هو معروف سابقاً من أنّ المناهج يجب أن تُعدّل، ثمّ الحكم عليهم بأنّهم في أسفل السلّم التعليمي العالمي. حسناً بماذا استفدنا؟ ما الذي كان مجهولًا ثمّ تمّ تأكيده بهذه الاختبارات المدفوعة الأجر بالعملات الأجنبية من الخارج؟ لا شيء، فعلياً سوى النيل من معنويات طلاب هي آخر ما تبقّى لهم في هذا البلد كي يصمدوا حتى نهاية هذا النفق.
أخيراً يأتي السؤال الأهم: كيف تقبل الجهات المعنيّة في وزارة هي الأكثر دراية ومعرفة بما تحتويه الكتب من معلومات والصفوف من طرائق تدريس بخضوع الطلاب سنة تلو أخرى لهذه الاختبارات؟
نعم قد لا يفلح طلابنا في اجتياز هذا التحدّي لا لتقصيرٍ فيهم بل لنقص قاتل في النظام التعليمي. فهم يثبتون عند كلّ تحدٍّ أنّهم قادرون على التأقلم مع أصعب الظروف وأشدّها ولا يعوزهم شيء على المستوى العقلي والإدراكي، بل هناك قرار متخذ على مستوى الوطن بأنّنا لا نريد التقدّم إلّا وفقًا لأهواء سياسية معيّنة، أو سنترك المناهج عالقة في عام 1997، ثمّ نقول عن الطلاب بأنهم «طشّ»... بينما «الطش» في مكان آخر كلّياً.

* فؤاد إبراهيم
أستاذ تعليم ثانوي


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا