الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حيويّ وطموح. إخفاق مبادرته «الإنقاذية» حيال لبنان، والتي كان من المفترض أن تنعكس إيجابياً على صورته كرئيس دولة في فرنسا، وعلى معدلات شعبيته التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في السنتين الماضيتين، بادر الى فتح معركة جديدة، داخلية هذه المرة، ضد ما سمّاه «الانفصالية الإسلامية». المرشح الذي كان قد تميّز عن غيره خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة سنة 2017 باستبعاد السجال المكرور حول الهجرة والإسلام، وما يمثّلان من تهديد لهويّة فرنسا «الحقيقية»، ولأمنها واستقرارها، عاد ليتبنّى أبرز مفردات هذا الخطاب، وإن بصيغة مستحدثة. تحويل ضحايا العنصرية المؤسسية للجمهورية الفرنسية، أبناء المهاجرين العرب والأفارقة الذين تعود أصولهم الى المستعمرات السابقة، والذين جرى حشرهم في ضواحي الفقر والتهميش، الى «عدو داخلي»، طابور خامس بكل ما للكلمة من معنى، تقليد سياسي راسخ لدى طيف واسع من الأحزاب اليمينية وحتى اليسارية في هذا البلد، وفي العديد من بلدان الغرب. لكن ما زاد من شراسة الحملة الأيديولوجية - السياسية في حالة فرنسا هو أن قطاعاً وازناً من المستهدفين بها اختار الراية الإسلامية، بعد اندثار الأطروحات التحررية الأخرى، للدفاع عن حقوقهم الأساسية وعن تطلّعهم للمساواة والكرامة. في هذا السياق وحده، يمكن فهم الإسلاموفوبيا، في فرنسا والعالم، ليس باعتبارها موقفاً نقدياً من الدين الإسلامي، بل بأنها أيديولوجيا حرب القوى المسيطرة ضد الشعوب والقوى المستضعَفة التي تستلهم من مخزونها الثقافي وذاكرتها التاريخية الموارد الروحية والرمزية التي تؤهّلها للثبات في خضمّ صراعها المرير والطويل من أجل العدالة.

قبل التطرق الى خطة ماكرون للتصدي لـ«الانفصالية الإسلامية»، لا بد من التوقف عند حديثه عن «الأزمة التي يعيشها الإسلام في جميع أنحاء العالم»، والذي استفزّ غالبية المسلمين، وبعض «أقطاب الاعتدال» بينهم، كالأزهر مثلاً الذي وصف تصريحاته بالعنصرية، والكثير من غير المسلمين في فرنسا وخارجها. من الواضح أن الرئيس الفرنسي يعتبر أن ظواهر كالعنف باسم الدين والتطرف والغلوّ تكمن أسبابها في الإسلام نفسه، أي في بنيته العقائدية والفقهية، وهو على كل حال اعتقاد ساد بين كبار المفكرين الفرنسيين كألِكسي دو توكفيل وجول فيري وأرنست رونان، في الحقبة التي تبلور فيها الخطاب الفرنسي عن هذا الدين، خلال حروب التوسع الاستعماري في القرن التاسع عشر. وظيفة مثل هذا الخطاب في تلك الحقبة كانت نفي أي شرعية عن المقاومة الضارية التي أبدتها شعوب العالم العربي والإسلامي لمثل هذا التوسع وتقديمها على أنها ناجمة عن التعصّب وكره «الآخر» - المستعمِر ربما ينبغي التذكير - لا عن رفضها الخضوع للظلم والاستعباد ونهب ثرواتها وحرمانها من حقّها بتقرير المصير. إذا كانت وظيفة مثل هذا الخطاب مفهومة في تلك الحقبة، فما هي وظيفة استعادته اليوم؟ الى جانب الحسابات الانتخابية الفاقعة الجلاء، يسعى الرئيس الفرنسي، حاله حال غالبية النخب السياسية الغربية، الى رفع المسؤوليات التاريخية والراهنة والمستمرة للغرب وحروبه ومجازره عمّا آلت إليه أوضاع دول ومجتمعات بأكملها في الفضاء العربي - الإسلامي وأفريقيا جنوب الصحراء، وحصر هذه المسؤوليات في عواملها الداخلية، وتحديداً في البنى الثقافية والعقائدية لهذه الشعوب المنتجة «تلقائياً» لـ«التخلف» و«التطرف». وعلى الرغم من حرصه على التأكيد على ضرورة «عدم التعميم»، والتمييز بين عموم المسلمين والإسلاميين، فإن كلامه عن أزمة الإسلام عالمياً يندرج في إطار استراتيجيات استنفار «العصبية البيضاء» الغربية طبعاً، في مقابل غير الغربيين، في سياق دولي يشهد تحولات في موازين القوى نتيجة لصعود دور القوى غير الغربية والتراجع التدريجي، ولكن المستمر للهيمنة الغربية.
«الانفصالية الإسلامية»، حسب ماكرون، هي ميل قطاعات من المسلمين الى الانطواء على الذات والانفصال عن المجتمع الفرنسي ومؤسساته، كالمدرسة مثلاً. قال إن 50000 طفل يتابعون دراستهم في المنازل أو في جمعيات خاصة، وإن أئمة العديد من المساجد لا تختارهم الدولة الفرنسية، بل بعض قنصليات الدول العربية، والمقصود أساساً الجزائر والمغرب، واستيلاء أئمة متطرفين على بعضها الآخر واستخدامها كمنابر للترويج لأفكارهم المتشددة. أشار أيضاً الى انتشار جملة من الممارسات الاجتماعية التي تتناقض مع قيم الجمهورية الفرنسية كالتمييز بين الرجال والنساء أو إصرار البعض على استصدار شهادات عذرية للنساء قبل زواجهن. والحقيقة هي أن قيامه بتصوير ظواهر مجهرية بين عامة المسلمين قي فرنسا على أنها تهديد «انفصالي» والتعامي، وهذا هو الأهم، عن أن السبب البنيوي الأول لواقع الفقر والبطالة والتهميش والتمييز العنصري في مجالات الحياة المختلفة التي تعانيها «ضواحي الجمهورية» وسكانها، هي نتاج مباشر للخيارات الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية التي أخذت بها الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ حوالى 4 عقود، ولاستمرارية سياسات الإدارة الاستعمارية لشؤون السكان، التي كانت معتمدة في المستعمرات السابقة، والتي ما زالت سائدة بحق أحفادهم في داخل فرنسا. بدلاً من اختراع الأعداء الداخليين لغايات أيديولوجية وانتخابية، وطرح التساؤلات المغفلة عن إمكانية المواءمة بين الإسلام والجمهورية، يجدر بهذه الأخيرة وبنخبها التفكير في كيفية التخلص من التركة الاستعمارية في داخلها وما تنتجه من مظالم وجرائم وانتهاكات من قبل أجهزتها الأمنية، التي ينظر قسم واسع من أعضائها، حسب عدة دراسات صدرت أخيراً، للشرطة الأميركية على أنها نموذج يحتذى. أما الهجوم على الإسلام بحجج وذرائع مختلفة، فهو كفيل بتعميق شرخ متعاظم بين الجمهورية العتيدة وبينه، على الصعيد العالمي والداخلي على حدّ سواء.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا