عام 2017، اعتمد الأميركيون والإسرائيليون مُصطلح عمليات «التفتيش» (inspections) لـ«مزاعم عن وجود سلاح» من ضمن واجبات قوات «اليونفيل»، في المادة 15 من نصّ القرار الدولي 2373. من حينه، كثُرت عمليات القوات الدولية وتحرّكاتها داخل القرى اللبنانية، لترتفع اعتراضات المواطنين وشكاواهم ضدّ إجراءاتها. مشكلات كثيرة وقعت بين المواطنين والدوريات، وكانت تتطور أحياناً إلى التشابك اللفظي. في النهاية، تتدخل مخابرات الجيش اللبناني لتحل الإشكال على نحو يحفظ ماء الوجه للاثنين معاً.

أمس، في قرية بليدا، دخلت القوة الفنلندية التابعة لقوة احتياط القائد الفرنسية بآليات ثقيلة مُحمّلة برشاشات متوسطة داخل الأحياء الضيقة. سارت بسرعة فوق المعتادة في أحياء القرى الضيقة، ما عرّض الأهالي للخطر، علماً أنّ المعدل العام لحوادث سيرها في قرى الجنوب، بسبب قيادتها المتهوّرة، يصل إلى عشرة في الشهر. ارتفعت أصوات المواطنين جرّاء هذا التهور الذي عرّض أبناءهم للخطر، لكن الفنلنديين لم يرتدعوا فزادوا سرعتهم محاولين دهس المارة. الأضرار اقتصرت على تكسير سيارتين ودراجة نارية لأهالي البلدة. لم يكتف عناصر الدورية بذلك، بل دخلوا إلى كروم وملكيات خاصة وفتّشوا فيها من دون تنسيق مع الجيش.
القانون في فرنسا وفنلندا يمنع على الوحدات العسكرية للجيش تنفيذ أي مناورات أو أنشطة عسكرية داخل ملكيات خاصة إلا بعد موافقة أصحاب هذه الملكيات. والمتعارف عليه هناك أن صاحب الملكية يضع لافتة فوق أرضه فيها رقم هاتفه، ليحصلوا على موافقته قبل أي عمل. فلماذا لم يُطبّقوا ما يقومون به مع مواطنيهم، ويتخذوا الإجراء نفسه مع اللبنانيين، والاستحصال على موافقة الجيش؟ على هذا الأساس، طالبت بلدية بليدا واتحاد بلديات جبل عامل بفتح «تحقيق عاجل وفوري ومحاسبة المتسبّبين في هذا الاعتداء وتقديم اعتذار رسمي والتعهد بعدم تكرار ما حدث».
ما الذي تريد «اليونفيل» معرفته داخل الأحياء الصغيرة للقرى، وما الذي تريد تصويره، ولمصلحة من؟ أسئلة طرحها أهالي البلدة، كما طُرحت قبل ذلك أسئلة عن جدوى القوات التي بدأت تتحول واجباتها بوضوح لمصلحة العدو الإسرائيلي، كلما رفع الأخير تقارير تُطالب بإضافة مسارب جديدة لدوريات هذه القوات والدخول إلى مناطق لم تكن تدخلها سابقاً جنوبي الليطاني، بذريعة التطبيق الكامل للقرار 1701. التحيّز للعدو كان يكبر عاماً تلو آخر، ويزداد بداحةً، وقد وصل إلى منع حرية الحركة عن المواطنين والتنقّل قرب الشريط الشائك داخل أراضيهم. بل أي حضور للمزارعين قرب الخط الأزرق، يُسجّل في تقارير القوات الدولية على أنّه «نشاط مشبوه»، أما عشرات التحركات العسكرية من الجانب الإسرائيلي، فلا تُسجل، وإذا ما وردت فتُذكر كـ«مشاهدة» فقط. أمر آخر تذكره «اليونفيل» في خانة «نشاط مشبوه»، هو تصوير أي مواطن بهاتف محمول قرب الحدود. وفي المقابل، لا تأتي تقارير «اليونفيل» على ذكر كاميرا عسكرية يصل مداها إلى 30 كلم يضعها الإسرائيلي للمراقبة من على الحدود.

الحدود البرية
في أرض لبنانية قرب رأس الناقورة، داخل الخط الأزرق، تجتمع اللجنة الثلاثية (الجيش اللبناني، القوات الدولية وجيش العدو) في نقطة تسمى A 31-1، داخل منزل كان لمسؤول سابق في ما يُعرف بـ«جيش لحد» يُدعى أمين الحاج، هرب بعد تحرير الجنوب عام 2000. شرق نقطة المراقبة يوجد حقل ألغام عمل على إزالة بعضها الجيش اللبناني، وأقام نقطة مراقبة فيه. عارض الإسرائيليون هذا العمل بشدة، واعتبروه عملاً يخلّ بـ«أمن الدولة»، وأبدوا خوفهم لـ«اليونفيل» من تكرار حوادث شبيهة بتلك التي جرت عام 2013 حين قُتل الرقيب شلومي كوهين من جيش العدو، بعدما أطلق عنصر من الجيش اللبناني النار عليه.
أبدى الإسرائيليون تخوّفهم من أن يُطلق أحد النار على الوفد الإسرائيلي وهو يمر نحو نقطة الاجتماعات، وبناءً عليه اتخذت «اليونفيل» تدابير سريعة بوضع نقطة مراقبة أمام برج الجيش لمنع تمدّده غرباً باتّجاه نقطة M1. تؤدي هذه الخطة إلى منع الجيش اللبناني - لو أراد مستقبلاً - من الوصول إلى هذه النقطة بسبب تثبيت المنطقة «عسكرية» يتمركز فيها الإسرائيلي. لم تكتف «اليونفيل» بذلك، بل أضافت سياجاً لجهة الغرب لتأمين دخول الوفد الإسرائيلي المؤلف من 9 أشخاص داخل قاعة الاجتماعات من دون رؤيته أو ملاحظة تحرك آلياته من برج الجيش اللبناني.
أيضاً، يتواجد عناصر «اليونفيل» عند نقطة M1 الواقعة إلى جنوب المعبر الحدودي، التي هي خارج السيادة اللبنانية إذ إنها محتلة حالياً. هناك تجري عادة عمليات التبادل بين لبنان و«إسرائيل»، لكن أمن الحدود والتحكّم بمن يخرج أو يدخل إلى لبنان، وهو من مهام منوطة عادةً بالدولة فقط، يبدو شاغراً. أما «اليونفيل»، فلا تلتفت إلى ذلك ولا إلى تفاصيل كثيرة أهمّها العبور من البلد وإليه. التماس الحدودي تم خرقه مراراً وتكراراً على مدى الأعوام العشرين الماضية، وأبرزها عندما أرادت عائلة توديع جثمان أحد الذين كانوا ينتمون إلى «لحد» توفي في الأراضي المحتلة، والثانية عند عبور طبيب للصليب الأحمر اللبناني إلى الداخل. لا أحد على الحدود يدير العملية، ما يُشكّل خرقاً للسيادة اللبنانية.
خرق آخر يتمثل في منطقة رأس الناقورة ومواقع القوات الدولية المتاخمة لمواقع العباد ورامية والمنارة (ميس الجبل) وموقع مراقبي اللبونة. كلها نقاط ومواقع خارج السيادة اللبنانية، إذ لا فاصل سيادياً بين لبنان وفلسطين على الإطلاق، بل سياج فقط.

الحدود البحرية
على طول الحدود البحرية، ترتكز «اليونفيل» من جهة الحدود الدولية، ومن جهة الحدود السورية، وتوزع تقارير بالجملة عن اقتراب أي سفينة أو زورق من لبنان، بتهمة مراقبة العمل على منع تهريب السلاح. أما من جهة الحدود البحرية مع فلسطين، فلا تدرج في تقاريرها الأنشطة البحرية للقوات الإسرائيلية، وتتخلى عن واجباتها هناك بذريعة أنها «خارج التفويض». مثلاً، إذا اقترب زورق صيد لبناني باتجاه الحدود الجنوبية، ووصل إلى «خط الطفافات»، تُوجّه القوات الإسرائيلية إنذارات بالكشافات الصوتية. في حال استمر بالسير، تُطلق الرصاص في الهواء ليرتدع، وبعدها تُفجّر «قنابل أعماق» وهي من القنابل التي تنفجر تحت المياه لكي لا يواصل مسيره. تُسجّل «اليونفيل» هذه الحادثة على أنها «نشاط مشبوه» من الجهة اللبنانية. أما من جهة الإسرائيليين، فلا ملاحظة ولا تدوين في التقارير لاقتراب الزوارق الإسرائيلية العسكرية من الخط 290، وجنوب 290 الذي هو عملياً خرق للمياه الإقليمية، في حين تُمنع الزوارق اللبنانية من الاقتراب مسافة 500 متر من الخط المذكور. مع العلم أن الجيش الإسرائيلي دائماً ما يكون هناك. يُذكر أن المتفق عليه في المواثيق الدولية أن يكون خط الطفافات بين لبنان وفلسطين على الخط 270، لكن الإسرائيليين يضعون طفافاتهم على الـ290، ويتصرفون على أساس أنه حدود مشروعة.
قبل سبعة أشهر، حاول الجيش الإسرائيلي مفاوضة اللبنانيين على إعطائهم مناطق في العديسة وبليدا، مقابل سيطرته الكاملة على نقطة B1 لأهميتها. كان الجيش اللبناني قد وصل إلى نقطة التحفّظ (B1) في رأس الناقورة قبل عامين، وهي التي ينطلق منها في ترسيم خط الحدود البحرية باتجاه النقطة 23. الأهم أن هذه النقطة استراتيجية ولها أهمية كخاصرة بحرية - برية للإسرائيلي إذ إنها تسمح لأي راصد بالإشراف على الساحل الفلسطيني من الناقورة إلى خليج حيفا، بعمق لا يقلّ عن عشرة كيلومترات نحو الداخل الفلسطيني. أُجهضت المفاوضات في رحمها.
شمالي B1 عند المنحدر الواقع عند سفح «الرأس الأبيض» الواقع داخل الأراضي اللبنانية المحرّرة، حاول الجيش اللبناني في السنين السابقة الاقتراب من مدخل نفق سكة الحديد القديمة الذي يمتدّ داخل فلسطين المحتلة. يقطع النفق الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، ما يجعل لبنان يملك داخله ما بين 40 إلى 45 متراً تقع ضمن الأراضي المتحفّظ عليها لبنانياً. حاول الجيش اللبناني لسنوات الاقتراب من مدخل النفق لكن هذا الإجراء لاقى اعتراضاً إسرائيلياً واسعاً، وانساقت «اليونفيل» خلف الرفض الإسرائيلي.
لا يريد العدو أن يستقر الجيش هناك بحجة «عدم التسامح بأمن الدولة». شَقَّ الأمن العام طريقاً باتجاه النفق، لكنّ مخابرات الجيش أعادت ردمه. والنفق أقفلته «إسرائيل» بجدار ووضعت عليه كاميرات مراقبة تخترقه نوافذ صغيرة للتهوية. في المرة الأولى التي اقترب فيها أفراد الجيش اللبناني من النفق، بثّت فتحات التهوية غازات سامة، والنتيجة: 11 جندياً لبنانياً أصيبوا بسموم شبه قاتلة. بعدها، أزال الإسرائيليون الماكينات التي ترشّ السموم وأبقوا على الكاميرات، مع العلم أنّ المنطقة من جهة فلسطين سياحية لا عسكرية، يدخل إليها السياح ويقطعون الحدود تحت الأرض إلى داخل الأراضي اللبنانية. أما فوق الأرض، فلا يزال ممنوعاً على الجيش اللبناني الاقتراب وتثبيت أيّ نقطة، رغم أن جنود العدو يدخلون إلى الأراضي اللبنانية من أجل الاجتماعات الثلاثية، من فوق النفق تقريباً.

في النتيجة، يتبيّن أنّ الفجوة القائمة بين ما تورده الأمم المتحدة في تقاريرها، وما تفعله على الأراضي اللبنانية، تشي باحتمالات كارثية، أولاً في السياق العام المتعلق بالسيادة ومسلسل الاختراقات وطبيعة التعاطي الذي تبديه «اليونفيل»، وثانياً على صعيد ما يجري بين المواطنين والقوات الدولية، كما يقرّ عدد من المراقبين ورؤساء البلديات.