لعل هذا الموضوع هو خارج الزمان والمكان. إن ما يشغل اللبنانيين هذه الأيام هو الكورونا والأوضاع المعيشية المأسوية والبطالة المتعاظمة والارتفاع الجنوني للدولار. ولكني أود في هذه العجالة أن أعود بالتاريخ إلى عام 1958 وإلى جريمة عُرفت في ذلك الحين بجريمة التكميل، إذ ارتكب صاحبها إبراهيم النابلسي جريمة قتل ثلاثة أشخاص وقُبض عليه وحُكِم بالإعدام. إلى هنا الخبر عادي، إلا أننا نكتشف أن القاتل هو مسلم والضحايا هم مسيحيون. أثارت هذه القضية المشاعر الطائفية، وحصلت بعض الاحتجاجات تطالب بتأجيل الإعدام إلى أن يتم ارتكاب جريمة على يد مسيحي ويُعدم الاثنان في الوقت نفسه! على كل تم إعدام التكميل بعد تردد ساد الحكومة الرباعية في ذلك الحين.

بالعودة إلى هذه الأيام، يبدو أن الأوضاع لم تتغير بل لعلها زادت سوءاً: مشروع العفو العام يتم الاعتراض عليه إذ إنه يشمل عدداً من إحدى الطوائف يفوق الطوائف الأخرى وكذلك الأمر ينطبق على اقتراح تخفيض سن الاقتراع في الانتخابات النيابية إلى سن 18 بدلاً من سن 21، والأمر نفسه ينطبق على مشروع إعطاء الجنسية اللبنانية للأبناء من الأم اللبنانية، وإن كان في رفض هذا المشروع شيء من العنصرية. وكذلك وقف التعيينات للناجحين في امتحانات الخدمة المدنية. ولعل من مسارعة البطريرك الراعي دون غيره من رجال الدين للدفاع عن حاكم مصرف لبنان أبلغ دليل على ذلك.

(مروان بوحيدر)

إن انتشار الطائفية والمذهبية يزداد تعمقاً في المجتمع اللبناني، ما يؤدي إلى انقسامات حادة قد ينتج منها تفسخ هذا المجتمع الذي قد يجر على لبنان عواقب وخيمة. إن أسباب تجذر الطائفية والمذهبية عديدة، ولكن مما لا شك فيه أن للزعامات دوراً أساسياً لعبته وتلعبه يومياً في تأجيج هذه الطائفية والمذهبية، إذ إنها هي سبب وجودها وتبوّئها لزعامة طوائفها. وما اختراع شعار إزالة الطائفية من النفوس قبل النصوص سوى محاولة واضحة لعرقلة أي مشروع قد يؤدي إلى تجاوز للطائفية في أي مرفق من مرافق الحياة. ومآل مشروع الزواج المدني الاختياري لا يحتاج إلى تعليق.
هل هناك من حل؟ إن قيام التحركات الشعبية في مختلف المناطق قد يكون فرصة نادرة لإعادة إثارة هذا الموضوع، إن الاحتجاجات الصاخبة القائمة حالياً على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع سعر الدولار وإطاحة حاكم مصرف لبنان الذي هو رمز من رموز الفساد، وليس الوحيد، يجب معها التركيز على المطالبة بتقصير مدة المجلس النيابي الحالي وإجراء انتخابات نيابية سريعة في المحافظات اللبنانية على أساسٍ لاطائفي.
وفي الختام، لعل من المفيد هنا التذكير بأن الكيان اللبناني بحدوده الحالية قام على أساس طائفي محض، إلا أن هذه الطائفية التي تغلغلت في جميع مرافق الحياة، أصبحت غولاً يلتهم لبنان إذا لم يتم التصدي له بجرأة وبسرعة وبحزم.