لم يشهد مجلس الوزراء معارضة حقيقية لإقالة رياض سلامة. يبدو أن غازي وزني كان يحاول شرح الموقف من زاوية قانونية. وهو، بالطبع، ليس من النوع الذي يطلق موقفاً مطلقاً، ولا هذه من خصاله. لكن عباس مرتضى، الوزير المطابق لمواصفات قيادات حركة أمل، كان شديد التوتر. وهو يدافع عن زميله وزني، حتى من دون أن يتعرّض الأخير لهجوم جدّي. توتّر مرتضى سببه الحقيقي توتّر رئيسه نبيه بري بعد جلسة المجلس النيابي الأخيرة. عكس الوزير قلق الرئيس من طريقة إدارة حسان دياب للأمور. فعلياً، لا يعارض بري سياسات دياب. أو لنقل، بصورة أدقّ، ليس على جدول أعمال رئيس المجلس بند اسمه إطاحة حسان دياب. لكنّ بري اعتاد، خلال ثلاثين عاماً، على آلية لإدارة أمور الدولة. وهو، أساساً، لا يحب المفاجآت. وتحديداً، في هذه المرحلة من عمره السياسي والشخصي، لن يكون ودوداً إزاء من يحاول مباغتته. لكن مشكلة رئيس المجلس، هنا، ليست في ما يدور في خَلد رئيس الحكومة، وإنما في كون أيّ علاج يتطلّب آليات تفكير وعمل ليست من الصنف الذي يحبه بري أو حتى يعرفه.

في جانب آخر من المشهد، يبدو جبران باسيل متقدماً كثيراً في العمر، وفي عمر الكهولة السياسية. ليست المشكلة، فقط، في شكل إدارته لحزبه، وفي استعجاله بناء الزعامة الفردية التي تعيد ربط كل قرار جدّي به شخصياً. بل في كونه لم ينتبه إلى أن هذه الزعامة، وعلى هذه الصورة، تنفع فقط أيام الرغد، عندما تكون له الكلمة الحاسمة. لكنّ الواقع ليس على هذا النحو. باسيل اليوم كمن يملك في رصيد هاتفه آلاف الوحدات، لكنه غير قادر على استعمالها إلا في التحدّث مع الصديق نفسه. ولا يعرف ماذا يفعل برصيده عند القوة الأكبر في البلاد، أي حزب الله. فالأخير لن يدعمه في مواجهة دياب، وأصلاً لن يدعمه في مواجهة بري، كما أنه متردّد في دعمه في وجه الحريري وجنبلاط. فماذا يفعل؟
يعود باسيل إلى الحكومة التي سمّى عدداً غير قليل من وزرائها، لكنه غير قادر على الادّعاء بأنه يديرهم كما يفعل مع حزبيّيه، وهو مضطر للمراعاة بالشكل وبالمضمون. مرّت تجربة التعيينات المالية، ثم التشكيلات القضائية، ثم الموقف من الخطة المالية، كلها اختبارات قالت لباسيل، إن كان راغباً بالتعلم، فإن «زمن الأول تحوّل»، وعليه التعوّد على واقع جديد. إذا كان يعتقد بأن التحالف السياسي سيمنع خصومه المسيحيين من احتلال مقاعد على حسابه، فهذا غير مهمّ الآن، لأن ما يأخذه سليمان فرنجية لا ينفع في المعركة الرئاسية. أما الكتائب والقوات فليسا في وضع يمكّنهما من العودة الآن إلى مواقع السلطة. والكنيسة دخلت مرحلة الموت السريري، حيث لا كلمة فعلية لها، ولا تفعل ما يتوجّب عليها فعله. تعرف الكنيسة أن كل ما تقدر عليه، وما يجب أن تقوم به، هو فتح خزائنها أمام الفقراء للبقاء على الحياة. بهذا المعنى، ليست لدى جبران مشكلة جدية داخل الشارع المسيحي: ما له له، وما لغيره لغيره. مشكلته في التوازن العام لإدارة الدولة، حيث لم يعد في مقدور الرئيس ميشال عون تولّي المواجهة المباشرة. إذ، مع الأسف، ضاع عهده في بروتوكولات لا تشبهه أبداً. لكنها الحاشية السخيفة التي أرادت استعادة مجد عفا عنه الزمان يوم خرج عون في الباخرة إلى فرنسا. مشكلة باسيل، هنا، في التوازن السياسي العام. وإذا كانت الكلمة الفصل بيد حزب الله، فالأخير ليس معنياً اليوم بإدارة انقلاب شامل في لبنان. حزب الله لا يقبل المساس بجماعة الحريري داخل الإدارة العامة (هاجس الفتنة السُّنية – الشيعية). ولا يريد مشكلة مع جنبلاط ولو كان في حالة يأس منه (هاجس الوحدة الوطنية ولو الشكلية)، كما أنه ليس في وارد التشنّج مع بري (هاجس الوحدة الشيعية). لكن الجديد في موقف الحزب أنه يقف فعلياً إلى جانب دياب. والحزب، هنا، لا يراهن على انقلابات في مزاج الشارع السني كما يفكر خصومه من جماعة المستقبل، بل يراهن على أن رئيس الحكومة ينجح في إرباك كل جماعة الحريرية السياسية اليوم. ليس سهلاً أنه ليس لدى كل هؤلاء، من دون استثناء، كلمة واحدة مفيدة يقولونها. لذلك، يعودون إلى نغمة حزب الله وسلاحه. إلا أنهم لا ينتبهون إلى ترداد أبناء الطريق الجديدة لنكتة درجت، في الانتخابات الأخيرة، عن ناخب قصد مكتب خدمات تابعاً للحريري طالباً مساعدة لتلقي علاج من أجل الإنجاب. فأجابه المسؤول: مشكلتك ليست عضوية بل نفسية، وعجزك عن الإنجاب ناجم عن رهاب سببه سلاح حزب الله!
عملياً، أزمة النظام في لبنان، اليوم، يمكن مراقبتها من خلال أداء بري وباسيل. لديهما مشكلة مستجدّة. حسان دياب ليس خصماً، لكنه ليس حليفاً يمكن عقد الصفقات معه. ثمّة أسباب كثيرة تمنعه من القيام بذلك. لندع جانباً المواصفات الشخصية للرجل، إذ لم تتمكن ماكينة 14 آذار - خصوصاً قوى المستقبل والقوات والحزب الاشتراكي - من إعداد ملف ضده. لكن لنذهب إلى البرامج التي يريد العمل بها. حتى اللحظة، ليس لدى الرجل حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين. قد يكون له برنامجه السياسي لاحقاً. لكنه يعي، بدقّة، أن اللحظة لا تناسب عملاً من هذا النوع. أصلاً، لم تعد الدولة قابلة لتوفير مثل هذه العصبيات. وما تقوم به القوى التقليدية إنما يعود إلى أدواتها الأصلية في التعبئة على خلفيات طائفية ومذهبية وعصبيات مناطقية وحزبية. وهي عصبيات لا تزال مؤثّرة. لكنها لم تعد حاسمة في معركة الحسم الكبرى. صار مشروعاً السؤال عن قدرة وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع، وحتى نبيه بري، على حشد الناس خلف معارك من أجل مكاسب في السلطة. ربما لا يسمع هؤلاء الزعماء حقيقة ما يجري في الحدائق الخلفية لمنازلهم. الروايات اليومية، مع كل المبالغات، تحدثنا عن فصل جديد، حيث المواجهة ستأخذ شكل الفوضى الشاملة التي لا تنفع فيها حكومة مركزية، ولا قوة طائفية مركزية، ولا سلطة مناطقية مركزية. لن يكون بمقدور أحد في البلاد إقفال أكثر من شارع واحد. ومن يتوهّم أن لديه القدرة على أكثر، فستخذله التجارب القريبة.
بهذا المعنى، فإن المواجهات التي تنتظرنا في الفترة المقبلة، يمكن محاصرتها من قبل حسان دياب وآخرين، في نطاق السجال حول المسؤولية. يكفي أن يخرج دياب على الرأي العام، سائلاً فقط عمّا فعله كل خصومه من داخل الحكومة وخارجها خلال العقود الثلاثة الماضية، أن يسألهم واحداً واحداً عمّا فعلوه في وزارات ومؤسسات وإدارات وقطاعات عامة أو حتى خاصة. أن يتحدّاهم بإظهار الكشوفات المالية لكل فرد من عائلاتهم وعصاباتهم وقواهم وماكيناتهم. أن يدعوهم إلى جردة بكلّ ما قاموا ويقومون به من استخدام المال العام لأغراض خاصة، وبحجم استغلال النفوذ من أجل مصالحهم الخاصة. يمكن لحسان دياب أن يخلق جيشاً من المتعاطفين والمتخادمين معه، إن هو أجاد رفع الصوت والتقدّم خطوة إلى الأمام في المعركة الإلزامية في وجه جيش الفساد الكبير. ليس بمقدوره التمهّل، ولا العودة إلى الخلف، وليس عنده ما يخسره، بل عند خصومه الكثير ليخسروه الآن وفي كل لحظة وفي كل يوم.

حتى اللحظة ليس لدى دياب حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين


أما في ما خصّ تفصيل اسمه رياض سلامة، فمن الأجدى بالأخير الشعور بقليل من الحياء. أن ينظر إلى المرآة للحظة واحدة ليعرف أن لكل قصة نهاية. لكنّ الفارق الوحيد هو المكابرة التي تقود إلى نهايات مشؤومة التي تليق بكبار المجرمين، بينما التواضع والانسحاب وإظهار الاستعداد لتحمّل المسؤولية، تخلق فرصة لحساب عادل لا يجعله وحده يدفع ثمن مجزرة كان فيها مجرّد برغي لا أكثر!
اليوم، يواجه لبنان معضلة كبيرة. في هذه البلاد، يرتفع جدار العجز والكراهية يوماً بعد يوم. نحن، جميعاً، نفقد القدرة على المبادرة. والجنون الذي يطلّ برأسه حاملاً النار في كل مكان سيبقى جنوناً فردياً مهما كبر الحشد في الساحات. لكنّ الجديد أنه لن يكون بمقدور أحد دعوة المجانين إلى الهدوء. وليس عند المتضرّرين من هذه السلطة سوى الصراخ في وجه الفجرة والفاسدين، بكامل أسمائهم وهوياتهم. وأفضل ما يمكن إضافته في هذا الحفل هو إسقاط كل قدسية رُسمت لطائفة أو مذهب أو موقع بفعل خرافات المتسلّطين.