الجوع يكوي النّفوس، كما لا ينجح أن يصقلها المنطق. فلأول مرّة منذ تأسيس الكيان اللبناني، يسري بين بعض اللبنانيين، مواطنين وجهات وسلطات، مصطلح «الأمن الغذائي». والفضل في ذلك متقدّماً، لبنجامين فرنكلين، الذي مدّ يده من ورقة المئة دولار، ملوّحاً للبنان بالوداع معلناً نهاية حقبة، وانكشاف «نصبة العصر» في النظام المصرفي اللبناني. وثانياً، لوباء كورونا، الذي جرّد المستقبل من الأمل في عودة «المرحوم» فرنكلين عن قراره.

وإذا استثنينا «الطفرة» الزراعية خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب، لم يكن النظام اللبناني وأركانه، ومعهم الجزء الأكبر من المواطنين، معنيين بزراعة ما يأكلون. بل على النقيض، سعت السياسات الرسمية والمالية والاقتصادية إلى تفكيك ما تبقّى من المجتمع الزراعي اللبناني، وإغرائه قبل وبعد الحرب الأهلية، بالربح السريع والخدمات والهوس بالأعمال العقارية. فغرِق «الخواجات» خلف المكاتب والمشارب، وبارت الأرض. ومن تمسّك بدين الحقول، فإمّا خانته المواسم والدولة وبالكاد يصمد على «الحافّة»، وإمّا تورّط في الزراعة «التجارية» المغمّسة بالسموم والأسمدة الكيميائية وبالكاد يستمرّ في أعماله، حتى لو كان محتكراً «محترماً»!
مع أن لبنان «الكبير» كان صغيراً، وكَبُر حين وقع الظلم على الأقضية الأربعة، وضُمَّت إليه سهول البقاع وعكّار، لأهداف شتى، منها ألا يجوع سكّان جبل لبنان. بعد قرنٍ كامل، بدل أن يشبع الجبل، يقف اللبنانيون جميعهم أمام خطر مركّب، من المرض والفوضى... والجوع!
فالحال في البلد - الذي ينفق 700 مليون دولار على السكاكر والمشروبات الغازية و60 مليوناً على «الكورن فليكس» و5 ملايين على «الكاتشاب» سنوياً (راجع الأرقام المرعبة في تحقيق نشرته «الأخبار»، ملحق «رأس المال»، 18 آذار 2019) - إذا جنحت نحو السيناريو الكئيب، قد تكون أكثر بذاءة من حال العراق، حين امتصّ الأميركيون نفطه مقابل القمح وحليب الأطفال المجفّف، لعقدين وأكثر. فلا البطون الخائرة تنتظر سنوات ليخرج الغاز من البحر وتقايضه بالقمح، على مذهب أرجوان الفينيقيين القدامى، ولا كورونا سيوفّر دول التصدير من الكساد، وتراجع قدرتها على تلبية احتياجات الشعوب المستهلكة، فتتساوى - إلى حدّ ما - من يملك المال مع من لا يملك، ويتسيّد من يكدّس الغذاء. وافتتحت رومانيا قبل أيام سباق الدول التي قد تتوقّف عن تصدير الحبوب (روسيا، أوكرانيا، بيلاروسيا، أميركا، كندا، أستراليا، الهند...) معلنة تجميد عمليات تصدير الحنطة إلى أجلٍ غير مسمّى.
يقدّر الدكتور المحاضر في سلامة الغذاء والتنمية المستدامة، فايز عراجي، في تقرير نُشر مطلع العام الحالي، تحت عنوان: «الانهيار الاقتصادي اللبناني وانعكاساته على النظام الغذائي»، أن «الإنتاج المحلي اللبناني يغطّي أقل من 25 % من احتياجات السوق المحلية من القمح، و 30% من الألبان والأجبان و15 % من اللحوم. بينما يغطي الإنتاج المحلي من الخضار 88% من الطلب اللبناني، وتقريباً هناك شبه اكتفاء ذاتي من الدجاج والبيض والفواكه». وهذا يعني أن لبنان، مثل غيره من الدول العربية، ينتج أقل من 50% من سعراته الحرارية الغذائية، و«هذا يقود إلى تبعيّة غذائية ولاحقاً إلى تبعيّة سياسية مطلقة».

«خطة الأمن الغذائي»
وكما هو شأن الأرقام في لبنان، لا تحوز الدولة إلّا في ما ندر، على إحصاء دقيق، يسعى وزير الزراعة عبّاس مرتضى إلى جرد موجودات كميات الحبوب والحنطة ومشتقاتها الموجودة في العنابر والمخازن والحقول، بانتظار أن يبدأ الجيش اللبناني بعمليّة إحصائية، كما قال لـ«الأخبار». وهو اقترح الأمر على رئيس الحكومة حسّان دياب، ومن المفترض أنه عقد اجتماعاً مع نائبته وزيرة الدفاع زينة عدرا بهذا الخصوص، على أن «يكلّف الجيش بتوزيع المواد على التّجار لمنع الاحتكار وضبط الأسعار». لكنّ التقديرات لا تمنح «المخزون الحالي أكثر من شهرين، قبل دخول أزمة فعليّة، ما لم تُقدم الدّولة على خطوات سريعة وتؤسّس لخطوات مستقبلية». ويُعِدُّ مرتضى وفريق عمل الوزارة «خطة الأمن الغذائي»، لرفعها إلى رئاسة الحكومة هذا الأسبوع ثم عرضها على الوزراء، ويصفها بـ«خطّة الاستجابة السريعة لدعم القطاع الزراعي»، وهي تبدأ أوّلاً «بشراء كميات كبيرة من الحبوب وتكديسها وتوزيع البذور والأسمدة على المزارعين وتشجيعهم وهناك خطوات أخرى في طور التبلور». وحين سؤال الوزير عن توزيع بذور القمح، أكّد أن «ملفّ القمح يتبع وزارة الاقتصاد وليس وزارة الزراعة»، مستغرباً الأمر بنفسه. «الأخبار» حاولت الاتصال بالوزير راوول نعمة أكثر من مرة، لسؤاله عن خطّة وزارته لزراعة القمح، ولم توفّق في سماع صوته عبر الهاتف. ويقول زملاؤه الوزراء والعديد من الصحافيين، إنه «دائم الانشغال في وضع الخطط المالية»!
لا يكشف مرتضى الكثير من خطّته التي لم تُنجز بعد. فعدا عن العمل التوعوي، ونشر فيديوهات إرشادية للبنانيين الذين فطنوا للزراعة أخيراً، وتوزيع الأسمدة والبذور على صغار المزارعين، ووضع الدراسات التوجيهية للمناطق، تتضمّن الخطّة زراعة أراضٍ يملكها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى (حوالى 800 دونم تصلح للزراعة) والبطريركية المارونية (لم ينته إحصاء المساحة بعد)، وُضعت أخيراً في تصرّف وزارة الزراعة، ويُعمل على صيغة قانونية لإدارتها. وهذه الخطوة، لا تُعفي المنظومات الدينية، من الإجابة عن سؤال: لماذا تملك أراضيَ، ما دامت لا تزرعها؟
خطّة «الأمن الغذائي» التي يتحمّس لها الوزير، لا يُنتظر أن تكون «عبقريّة» أو سحريّة، مع قدرات الوزارة المحدودة، وموازنتها التي تقبع في أسفل لائحة موازنات الوزارات الأخرى، والنمط الزراعي اللبناني التقليدي والأزمات المكدّسة الأخرى. المسألة الزراعية، لم تصبح بعد بنداً أوّلَ على أجندة الحكومة ومن يتمثّل فيها كسياسة مركزية، على الرغم من أنّها انتشرت سريعاً في الإقطاعيات والطوائف والأحزاب و«اللامركزيات»، وشرعت البلديات في توزيع صرر البذور والقمح والحبوب على المواطنين، «بما تيسّر»، وباستصلاح الأراضي البلدية. لكن يتوقّع مرتضى، أو يأمل، أن «تستجيب الحكومة بسرعة إلى خطّة دعم وزارة الزراعة بالأموال اللازمة للاستفادة من شهر نيسان، والقيام بإجراءات استثنائية لفتح مناقصات وشراء الحاجات الزراعية».

السيادة الغذائية
لا تترك الظروف اليوم، فسحةً للسّعي إلى النجاة من خلال سياسات مستعجلة لهذا العام، عبر مصطلح «الأمن الغذائي» الفضفاض. بل عبر تبنّي سياسة «السيادة الغذائيّة»، أو (Food sovereignty)، الذي أطلقته منظمة وحيدة هي فيا كامبسينا (Via campesina ـ تجمّع زراعي عالمي مقرّه أفريقيا) عام 1996 خلال القمة العالمية للغذاء. ويحمل المصطلح بُعد العدالة الاجتماعية، عبر ضمان الدولة لوصول الغذاء بالتساوي إلى أفراد الشعب، وخصوصاً في بلدٍ مثل لبنان، ينتزع الأفراد حقوقهم فيه إمّا بالقوّة المادية أو قوّة الجماعة، ويئنّ نصف سكّانه من الفقر. وكذلك يحمل المصطلح بعداً سياسياً لتحقيق قدرة الدول والشعوب على بناء سيادة غذائية تحرّرها من التبعية للأجنبي.
ويطرح عراجي سؤالاً مهمّاً: «هل باستطاعة لبنان وضع وتنفيذ خطة غذائية تُعطي أُكُلها في السنوات القليلة القادمة؟ بالتأكيد نعم». فكوبا مثلاً، التي خسرت الدعم السوفياتي بداية التسعينات، ضاعفت إنتاجها من الزراعات، مع أنها تحوّلت من الزراعة التقليدية إلى الزراعة العضوية بالكامل بسبب فقدان الأسمدة الكيماوية والأدوية الزراعية، كما هو متوقّع في حالة لبنان، مع شحّ المال والمصادر. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سوريا، التي أنجزت تقدّماً زراعياً هائلاً تحت وطأة أربعة عقود من الحصار. يستنتج الخبير بأن «علينا التركيز على 3 منتجات غذائية أساسية هي القمح واللحوم الحمراء والألبان والأجبان. أهمية هذه الخطة هي ضمان استقرار غذائي في السلع الغذائية الأساسية من ناحية، وتحقيق العدالة الغذائية».

يقترح مرتضى قيام الجيش بإحصاء مخزون الحبوب والغذاء وتولّي توزيعه على التجار لضبط الأسعار


هذا يقود إلى أن أيّ خطّة زراعية اليوم، عليها أن تحتمل جملة حلول، من بينها إعادة النظر في النظام الغذائي حتى تتمّ إعادة النظر في السياسة الزراعية. يبدو اجتراح الحلول الـ«خلّاقة» التي تدمج بين العودة إلى التقاليد الغذائية لبلاد الشام (استخدام القاورما مثلاً بدل كميات اللحم الكبيرة) ورفع كميّة ونوعيّة الإنتاج المحلّي، غائبة على مستوى القرار السياسي والاجتماعي، مع نقص المعرفة والاهتمام، والخضوع الطوعي واللّاإرادي لنظام الاستهلاك، الذي كشفت هشاشته كورونا. وهذا النوع من المعارف، الذي بات يستوجب من الدولة العمل على الاستفادة منه والمجتمع على التكيّف معه، سبق أن أنتج تطوّراً لافتاً في الأرياف في السنوات الخمس الماضية عبر تجارب شخصيّة وجماعية، لشبّان وشابات ومجموعات صغيرة، حقّقوا اكتفاء ذاتياً لعائلاتهم ودوائرهم الاجتماعية الصغيرة.

الذرة أم الدجاج؟!
يقول الباحث في قضايا المياه والزراعة والتنمية كريم صبّاغ إن «الأمر المستعجل الآن هو استيراد الحبوب، قبل أن تشحّ الموارد المالية لدينا والمادية لدى دول التصدير». وفيما يسأل: «في مثل هذه الظروف، هل نزرع الفريز أو القمح؟ نحن نصدّر الحمضيات منذ سبعين سنة وتخلينا عن القمح والفاصولياء والعدس والحمص»، يؤكّد أن «الزراعات اللبنانية تغرق بالسماد والأدوية الزراعية المستوردة، ومقابل خسارة العملة الصعبة ثمن المواد المستوردة ننتج المحاصيل السّامة ويخسر المزارعون الفقراء ويستفيد التجّار الكبار والمحتكرون». ويطرح صبّاغ ضرورة التحوّل نحو منطق الـ«أغرو ــ إيكولوجي»، و«تحويل الزراعة بشكل عام أو على مستوى مناطق محدّدة للزراعة من دون استعمال المواد الكيميائية والأدوية السامة، وخلق نظام لليد العاملة، إذ يعمل اليوم حوالى 160 ألف لبناني في الزراعة، 80 ألفاً منهم يعتاشون منها بنظام عمل العائلات، و80 ألفاً يعتاشون من مهن أخرى، وهناك حوالى 10 آلاف مزارع كبير للزراعة الصناعية، والأكثر معاناة هم المجموعة الأولى التي تعتاش بالكامل على هذا القطاع».

البطريركية والمجلس الشيعي، متأخرَين، وضعا أراضيَ زراعية في تصرّف الوزارة

ويؤكّد صبّاغ أن «لبنان لوحده لن يستطيع الصمود ما لم يغيّر سريعاً في سياساته الزراعية والغذائية وتخفيف الاعتماد على اللحوم وزراعة الحبوب للأكل. نزرع الذرة، لكن نطعمها للدجاج (ثمن العرنوس الواحد يصل إلى خمسة آلاف ليرة في السوق)، لماذا لا نأكل الذرة بدل الدجاج؟». ويطرح صبّاغ أزمة الأراضي الزراعية، حيث تغيب الأنظمة الفعّالة التي تدفع المواطنين لاستثمار الأراضي الزراعية، فتسعى غالبيتهم إلى بيعها أو البناء عليها وتغيير وجهة استعمالها أمام القانون ولا تشجّع القوانين ضمان الأراضي، سائلاً عن «400 هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة التي ستغرق بالمياه تحت سدّ بسري. لماذا نحتاج إلى الماء إذا أغرقنا الأرض الزراعية؟». وفيما يدعو صبّاغ الحكومة ووزارة الزراعة لرعاية خطّة زراعية شاملة في البلاد على وجه السرعة، يدعو اللبنانيين إلى زراعة كلّ الأماكن المتاحة بالحبوب، والمساحات العامة والأسطح والشرفات في المدن.

اكتفاء ذاتي في بعض قرى الشوف
ينشط فراس رباح، وهو مزارع لبناني شاب، مع مجموعة أخرى من منطقة الشوف على تشجيع الزراعة البديلة وتطويرها. يقول لـ«الأخبار» إن «الأشهر الأخيرة دفعت الكثيرين إلى زراعة أراضيهم، والتجربة التي تعبنا في السنوات الماضية لإقناع الناس بها، ها هي تعمّ اليوم». ويؤكّد أن «هناك نشاطاً في زراعة الحبوب كالحمص والفاصولياء والقمح والفول والبازيلاء، والبطاطا تحسّباً للمستقبل، وما نحاول فعله هو توزيع الاختصاصات على صعيد القرى». ويذكر أن هناك تجارب في قرى بدأت تشكّل اكتفاءً ذاتياً عبر تنظيم المواسم وتبادل الإنتاج، والتجربة في بلدة بتلون كانت ناجحة». ويشير رباح إلى أن «هناك صعوبة في إقناع الجيل القديم بالتوقّف عن استعمال السماد الصناعي والسموم، لكن الجيل الشاب بأغلبه يأخذ هذا التوجّه، ونجحنا مع محميّة أرز الباروك في إقناع عدد مقبول من الأشخاص بتبني العقلية الجديدة».
من جهته، ينشط المهندس الزراعي حنّا مخايل، مع زملاء آخرين، في تشجيع المزارعين وتقديم الإرشادات وعرض الخبرات أمامهم، عبر مجموعة «إزرع»، التي أجرت سلسلة نشاطات توعوية قبل دخول البلاد في الحجر. ويقول حنّا إن «شريحة واسعة من اللبنانيين اليوم تبدي اهتماماً كبيراً بالزراعة»، مقترحاً على الدولة الاستفادة من هذه الخبرات التي اكتسبها المهندسون الشباب.